وحدة الكنائس المصرية.. هل تتحطم الأمنيات على صخور الاختلافات

وحدة الكنائس في مصر، هدف المنادين بتقوية التكاتف الصف المسيحي أمام تحديات كثيرة، وهو أرضية لتجديد الخطاب الديني، لكن هذا مجرد أمنية طوباوية في نظر الكثير من رجال الكنيسة أنفسهم، وذلك لأسباب وعوامل موضوعية وذاتية كثيرة.
الخميس 2016/09/22
وحدة الصف المسيحي لا تعني بالضرورة وحدة الكنائس

القاهرة- جاء إنشاء مجلس كنائس مصر الذي يضم الكنائس الخمس الأساسية، وهي الأرثوذوكسية والإنجيلية والكاثوليكية والروم الأرثوذوكس والكنيسة الأسقفية، لتحقيق التقارب والتعايش المشترك بين الطوائف المسيحية المصرية ضمن التقليد السنوي لمسيحيي العالم من أجل ترميم الوحدة التي شهدتها الكنيسة عبر تاريخها.

أكد الأنبا يوحنا قلتة لـ”العرب” أن الصلوات رُفعت من أجل الوحدة بين الكنائس الثلاث، فالحوارات بين الطوائف من شأنها أن تؤدي إلى التقارب وإزالة الاختلافات. وقال إن الوحدة المسيحية يجب أن تركز على ضرورة تجديد الخطاب الديني لمواكبة العصر الحديث ومتغيراته.

وأضاف أن البابا تواضروس الثاني (بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية) بمحبته لأبناء دينه ووطنه يحاول أن يقرب بين الكنائس ليستكمل ما بدأه البابا الراحل شنودة، فالوحدة بين كنائس مصر عمل وطني قبل أي شيء آخر، وقد انتهج البابا تواضروس سلوكا مختلفا وخطابا متجددا عن سابقيه في كيفية تقبل الآخر ومعاملة الطوائف الأخرى، وكان حازما في ذلك بالرغم من الهجوم المتواصل عليه من داخل الكنيسة من البعض من رجال الأكليروس (النظام الكهنوتي الخاص بالكنائس المسيحية) لمنع التوصل إلى أرضية مشتركة مع الطوائف الأخرى.

وحدة الكنيسة على مستوى الرعية الواحدة غير محققة، فالغني فيها لا ينتبه إلى المحتاج الفقير

رغم وجود متشددين ورافضين لوحدة الكنائس، سطّر بابا الأقباط منذ أيام في إحدى عظاته أن “كنيسة المسيح واحدة، لكن الزمان قسمها والذات فرقتها”. تصريحات البابا عن وحدة الكنيسة تقاربت مع فكر الأب متّى المسكين الذي حمَّل الكنيسة مسؤولية كبيرة تجاه العالم الذي يحتاج بالضرورة إلى المصالحة بين الكنائس. وكان يؤمن بأن “المصالحة تبدأ على مستوى ذات الإنسان ومن ثم يستطيع التصالح مع كنيسته، وتتم الوحدة داخل الكنيسة الواحدة ثم الوحدة بين الكنائس الأرثوذوكسية، لتكون قادرة على أن تتصالح مع العالم وتُكمل الوحدة المسيحية بعد ذلك عن طريق وحدة الكنائس مختلفة الطوائف”.

لكن على جانب مغاير، وصف مراقبون للشأن المسيحي المبادرات والدعاوى المختلفة للوحدة بين الكنائس بأنها وحدة مصطنعة، زاعمين أن القائمين عليها ليس هدفهم سوى “تسديد خانات”، لتوصيل رسالة بأنهم فعلوا ما عليهم. والسؤال الآن هو: هل من الممكن إعادة كنيسة المسيح الواحدة أم ستنكسر الأمنيات على صخور الاختلافات العقائدية؟ القس جرجس إبراهيم صالح أستاذ العهد القديم بالكلية الإكليركية اللاهوتية يرى أنه لكي تتحقق الوحدة المرجوة لا بد أن تلتقي القيادات الدينية المطالبة بالوحدة بطوائف الشعب القبطي للاستماع لما يدور في أذهانهم من أسئلة، شريطة أن تنزع كل طائفة نبرة الاستعلاء على الأخرى.

وشرح لـ”العرب” أن الطوائف المسيحية لديها ما يجمع أكثر مما يفرق، وكلهم يؤمنون بميلاد المسيح والقيامة والصلب والتجسد. لكن فريقا آخر يقول إن وحدة الكنائس بمفهومها الكامل أمر يصل إلى حد الاستحالة، وإذا تمت فستكون في الشكل الظاهري للإيمان فقط، لكنّ لكل طائفة إيمانا خاصا بها يمثل هويتها الدينية ولا تستطيع التنازل عنه من أجل الوحدة.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل العائق الأخطر في سبيل تحقيق الوحدة أن كل طائفة تعتبر الأخرى خارجة عن الإيمان، ولا يجب التعامل معها، وإن حدث ذلك التعامل، فإنها تعتبره خطيئة، بل وأحيانا “كُفرا” بالعقيدة. إن بابا الإسكندرية مثلا لا يستطيع التخلي عن الإيمان الذي نشأ عليه، واعتلى منصبه على أساسه. ورأى القس أنطونيوس حنا أن هناك جهودا تبذل لتحقيق الوحدة بين الطوائف المسيحية في مصر، لكن تحقيق الوحدة بمفهوم التطابق في العقيدة والأفكار شبه مستحيل، فالاختلافات الدينية والفكرية ليست فقط موجودة بين الطوائف المسيحية المصرية، وإنما أيضا داخل كل طائفة، وكل الجهود التي تبذل تصب في إطار تحقيق تقريب الآراء فقط.

وأوضح لـ”العرب” أن ثمة تحديات تواجه تحقيق الوحدة المسيحية، خاصة من جانب البعض من رجال الدين المسيحيين الذين يقاومون أي جهود لتحقيق تلك الوحدة، ويعتقدون أنهم أصحاب الحق والصواب والحقيقة المطلقة في العقيدة. وسخر الأنبا روفائيل، سكرتير المجمع المقدس بالكنيسة الأرثوذوكسية، من فكرة الوحدة في أحد حواراته، قائلا “هل المطلوب لكي نتحد أن أتنازل عن إيماني؟”.

العائق الأخطر في سبيل تحقيق الوحدة أن كل طائفة تعتبر الأخرى خارجة عن الإيمان، ولا يجب التعامل معها، وإن حدث ذلك التعامل، فإنها تعتبره خطيئة

أثارت تصريحات وكتابات روفائيل استنكار ممثلي الكنائس الأخرى، الذين اعترضوا على مضمون حديثه، القائل إن مفهوم المسيحية لن يكون إلا من خلال كنيسة واحدة. رصدت “العرب” عقبات تقف في طريق وحدة الكنائس في العالم عامة، ومصر خاصة، أهمها الزعامة الدينية، من يتزعم الكنيسة الواحدة ومن أي خلفية يأتي؟ فقادة الكنائس لن يتخلوا عن مناصبهم في قيادة طوائفهم لآخرين من طوائف مختلفة.

علاوة على طابور معارض للوحدة في الطوائف الثلاث الرئيسية، يحارب كل خطوة على طريقتها، ويعتبر الوحدة بمثابة الخسارة الكبرى لهم، ودائما ما يتهمون الطوائف الأخرى بالكفر. وصل الأمر إلى تبادل الاتهامات من جانب البعض بتجنيد واجتذاب أبناء الطوائف الأخرى والتحول الديني إلى طائفته، وهو ما يزيد من الانشقاق والتباعد بين الطوائف المسيحية في مصر.

بالفعل حدثت البعض من المشكلات، منها رفض أتباع طائفة معينة الصلاة على شخص تابع لطائفة أخرى، مثلما حدث مؤخرا عندما رفض كاهن الكنيسة الأرثوذوكسية بقرية “اتليدم” بمحافظة المنيا الصلاة على جثماني زوجين إنجيليين لقيا مصرعيهما خلال ليلة الزفاف. وأوضح القس فكري رفعت، راعى الكنيسة الإنجيلية بشبرا لـ”العرب” أن المقصود بالوحدة بين الكنائس ليس أن يصبح الإنجيليون أرثوذكس، أو العكس، وإنما وحدة الفكر، مع احتفاظ كل كنيسة بهويتها.

فكرة الوحدة -في رأيه- تتمثل في المقاربة بين وجهات النظر، وفتح نوافذ مشتركة يستطيع المسيحيون من خلالها توحيد أيام الأعياد، على سبيل المثال، فالوحدة لا تشترط التماثل التام. واستنكر صفوت بيشوي، وهو ناشط قبطي، هذا الكلام، مؤكدا لـ”العرب” أن وحدة الكنيسة على مستوى الرعيّة الواحدة غير محقّقة، فالغنيّ فيها لا ينتبه إلى المحتاج الفقير، أمّا على مستوى الأبراشيّة الواحدة فالتعاون نادر بين الفئة الغنيّة والثانية المعدمة. ووصف اللقاءات التي تتم بين القادة الدينيين من الطوائف المسيحية بأنها بروتوكولية غرضها “الشُو” الإعلامي وهي أشبه باللقاءات التي تتم بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي عقب حوادث الفتنة الطائفية.

13