وحدة مالي أولوية إستراتيجية للمغرب وورقة محروقة للجزائر

الاثنين 2014/02/03

كانت زيارة العاهل المغربي إلى ثلاث دول في القارة السمراء العام الماضي، إيذانا للدبلوماسية المغربية باعتماد سياسة أفريقية جديدة، الهدف منها كسر حصار حاولت الجزائر والدول التي يدور في فلكها فرضه، من أجل التأثير سلبا في ملف الصحراء المغربية. فقد تبنّت تلك الأنظمة دعوات مستمرة لإجراء استفتاء في الأقاليم الجنوبية للمغرب، وهو طبعا ما رفضته المملكة لأنّها أدركت بشكل مُبكّر أنّ تلك الصيغة التي دافعت عنها الجزائر كان ثمن تطبيقها في السودان كارثة مأساوية لاستقرار المنطقة.

كان واضحا أن انفتاح المملكة على أفريقيا ومراقبة خيوط اللعبة الإقليمية من خارج هياكل الاتحاد الإفريقي، يساعد صنّاع القرار في المغرب على التعامل الحذر مع المستجد والطارئ في بيئة غير مستقرة، ومحاصرة أية اختراقات محتملة في ملف الصحراء سياسيا وعسكريا على أساس ضمان أمن الحدود في اتجاه الصحراء الكبرى. وقد أكّدت الأحداث في دولة مالي مدى اشتغال الرباط على عقيدة أساسها الدفاع عن مصالح الدول الأفريقية واستقرارها ووحدة ترابها. وفي هذا الصدد شكّلت زيارة أمين عام الحركة الوطنية لتحرير أزواد، بلال أغ الشريف، إلى مراكش بحثا عن وساطة العاهل المغربي في الأزمة بين حركته والحكومة المالية، إقرارا بالموقع الهام الذي تحتله المملكة في هذا البلد.

وهذا ما يُفسّر إشادة أمين عام الحركة بجهود الملك محمد السادس من أجل إيجاد تسوية نهائية ومستدامة للأزمة في مالي باعتماد آلية الحوار ونبذ العنف والتشرذم.

وفي المقابل كانت الجزائر تسعى إلى احتكار أيّ فعل عسكري ضدّ القاعدة في منطقة المغرب الإسلامي بما يخدم أجندتها في زعامة إقليمية، ومن ثمة تحجيم دور المغرب إقليميا وأفريقيا وإضعاف رؤيته للحلّ في الصحراء المغربية داخل سقف الحكم الذاتي، خصوصا أنّ نظام بوتفليقة طرح تقسيم الصحراء كحلّ يراه ملائما لفرض الأمر الواقع في هذا المجال.

ولا شكّ أنّ تنويع الجزائر لمصادر ترسانتها العسكرية واقتنائها طائرات دون طيار ومُضيّها في بناء خنادق على طول الحدود مع المغرب، يندرج في هذا الاتجاه ويُعدّ تحركا مناوئا للمملكة المغربية وعاملا ضاغطا عليها لتقديم تنازلات في ملف الصحراء.

ورغم ما تمتلكه الجزائر من قوة عسكرية ونفوذ سياسي، فإنّها قد فشلت في التعامل مع الأزمة في مالي. وهو ما يجعل المراقب يُشكك في خطاب المسؤولين بهذا البلد لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتنسيق الجهود الإقليمية بصدق لمحاربة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء.

ونسوق هنا تصريحا لفارُوق قسنطنِي، رئيس اللجنة الوطنيَّة الاستشاريَّة لترقية وحماية حقوق الإنسان في الجزائر، يقول فيه: “أنَا لا أرَى في المغرب بلدًا جارًا، وإنمَا بلدًا عدوا”، وهو ما لا يخرج عن خطة الجزائر في عزل المغرب أفريقياً وتعطيل جهوده في إعادة تشغيل أجهزة الاتحاد المغاربي المعطل جزائريا، وذلك ما عمل عليه أيضا وزير الخارجية الجزائري الحالي رمضان لعمامرة عندما كان يشغل منصب رئيس لجنة المنازعات في الاتحاد الأفريقي.

وأمام التقلبات الإقليمية والدولية، فقد استطاع المغرب أن يدعم موقعه الهام في المحيط الدولي والإقليمي، بانخراطه في محاربة كل الحركات الإرهابية التي تهدد الأمن والاستقرار، رغم التشويش الكبير الذي مارسته الجزائر وحلفاؤها على موقف المغرب من القضايا المصيرية داخل القارة الأفريقية، وخصوصا في تعاطيه الايجابي مع الحاجيات الإنسانية والأمنية للشعب المالي، وكان دور الرباط الصامد محوريا عند شغله منصب المقعد غير الدائم في مجلس الأمن واستخلاص قرار يخدم إعادة الأمن والاستقرار بدولة مالي. ويظهر أن المغرب كان أكثر فطنة في تعامله مع الأزمة هناك، بوقف المد الجارف للجماعات المتطرفة وإعادة الأمن والاستقرار.

هذا بموازاة مع عمل المملكة، عبر “التجاري وفا بنك” وشركة “اتصالات المغرب” و”المكتب الشريف للفوسفات”، وأيضا بتدشينه مؤخرا لباخرة حربية لتقوية قدراته الدفاعية الإستراتيجية، من أجل تأمين الوضع داخل مالي ومنطقة الساحل والصحراء اقتصاديا وتكنولوجيا وسياسيا وإنسانيا، وذلك بتطويق ومراقبة متيقّظة لتحركات المنظمات والجماعات الإرهابية داخل الشريط غير الآمن، الذي تنشط فيه القاعدة وخصوصا مع الفراغ الأمني الذي عمّ المنطقة بعد العام 2011.

2