وحده الحب

الاثنين 2016/08/29

"قبلة" غوستاف كليمت لا تشبه أي قبلة أخرى، ولكل القبلات بطبيعتها لا تتشابه. كل قبلة لها رحيقها وطعمها ونكهتها ونشوتها وإيقاعها ورجفتها، مثل ضربة رسام حقيقي.

قبلة النمساوي المفتون بالنساء تبقى مع ذلك مختلفة، فهي تنتشر كالعدوى، تصيب من ينظر إليها بأنينها الداخلي، ترفعه عن الأرض وتحلق به مثلما هو حال كائنيها اللذين التصقا ببعضهما عن طريق الفم فصارا كائنا واحدا.

وحده الحب يفعل بنا هذا، الحب الذي هو مزيج من الشغف والشهوة والرغبة والشبق والتسامي والانفتاح والكرم، صمت القبلة يخدع، في أعماق كل قبلة جوقة موسيقيين، وعواصف بحرية، وحقول شاسعة تركض فيها خيول لم تروّض.

يغمض المرء عينيه حين يقبّل لكي يرى، القبلة مناسبة لاختراع نوع بشري من العسل، للقبلة مياهها التي تجري تحت اللسان، هناك حيث تخبئ اللغة موسيقى لعثمتها، وهو ما تحنّ إليه يوم كانت تتوق إلى المعنى، ولكنها حين وصلت إليه خاب ظنها فيه.

تلمسنا قبلة كليمت فنسحر بما تتركه على شفاهنا من رضابها، أهذا ما يشعر به العاشق وهو يغادر جنته؟ يمكن للرسام أن يكون وسيطا بيننا وبين الجنة، يمكنه عن طريق خياله أن يؤسس لبراءتنا ويفتح أمام شفافيتنا متاهات عالم أنقى.

لم يصف كليمت لنا القبلة، بل بث هواءها في رئاتنا، “ما الذي يفعله أحمر الشفاه على جدار الرئة؟”.

وحده الحب يفعل ذلك، لا يفكر المرء حين تمسك به القبلة في خشبة خلاص بقدر ما يحلو له الغرق، لمَ لا يكون سمكة وقد صار كائنا مائيا؟ بالمياه وحدها، وما من شيء غير المياه، يمنح القبلة قوتها؛ وهي المنسية على الأفق مثل شمس مهملة لنهار لم يحن موعده بعد.

يزخرف كليمت كل ما تقع عليه يداه، فهل كانت قبلته نوعا من الزخرف؟ ولكن القبلة في حدّ ذاتها تحمل الكثير من زخرف الروح، ما ترغب في هندسته الروح تقوم به الشفاه بطريقة هي الأرقى والأجمل.

كاتب من العراق

16