وحده المتشدد يقصد ما يقول

الثلاثاء 2014/06/03

جرت العادة على تصنيف الإسلام السياسي إلى قسمين رئيسيين، قسم للإسلاميين المعتدلين بكافة أصنافهم، وقسم للإسلاميين المتشددين بكافة ألوانهم. يبدو هذا التقسيم وكأنه معقول ولا خلاف عليه. لكن الملاحظ أنّ الإسلاميين الذين يسمون أنفسهم بالوسطيين، أو يسميهم البعض بالمعتدلين، لا يملكون خطابا متجانسا وقادرا على مجابهة خطاب الإسلاميين المتشددين.

لقد أنتجوا الكثير من الأدبيات في الرد على العلمانيين واليساريين والشيوعيين والقوميين والليبراليين، لكنهم لا يُسمع لهم سوى صوت خفيض حين يتعلق الأمر بالرد على المتشددين والجهاديين المتطرفين. ما يجعل خطاب التشدّد- رغم قلّة مؤيديه- هو الأكثر حضورا. لقد كان دور الإسلاميين الوسطيين ينحصر في محاولة الإمساك بالعصا من الوسط بين القدامة والحداثة. وقد تابعنا ذلك الجهد المضني الذي بذله بعضهم خلال السنوات الأخيرة بحثا عن ذلك الوسط المفقود بين قدامة ميتة وحداثة لم تولد بعد، في إطار شعار غامض يردده بعضهم بنشوة: «لا قندهار ولا باريس» إنه وسط منزوع المواقف. وبصرف النظر عن نجاعتهم في الرد على العلمانيين، لا يملك الوسطيون من رد مقنع على المتشددين، غير التذرع بفن الممكن.

هناك أسئلة دقيقة بقدر ما يجيب عنها الإسلامي المتشدد بوضوح، لا يملك الإسلامي الوسطي إزاءها ما يقوله سوى لوك الكلام. فحين نسأل الإسلامي الوسطي هل الدّولة في الإسلام دولة دينية أم لا؟ يجيب بالنفي، معللا ذلك بأن لا كهنوت في الإسلام، ولا سلطة دينية في الإسلام. ثم نسأله: الدّولة في الإسلام دولة غير دينية؟ فيردّ على هذا النحو: لكن ليس بمعنى الانفصال عن الدين وإنما بمعنى التكامل والتفاعل. ثم نعيد السؤال، هل الدولة في الإسلام دولة دينية أم دولة غير دينية؟ فنسمع خطابا متلعثما. وهنا أزمة “الوسطية”. على أن الوضوح هو المطلب الأول للعقل، وللعقل التواصلي على وجه التحديد. أما جواب الإسلامي المتشدد فهو واضح: الدولة في الإسلام دولة دينية، بل المجتمع والقوانين كلها دينية؛ لأن الدين يهيمن على الحياة برمتها. صحيح أنّ المسلم العادي لا يميل إلى خطاب التشدّد، لكن هذا الأخير يستطيع أن يملأ الفراغ ويحتل مقدمة المشهد بفعل وضوحه على الأقل. وفي المقابل، يريد الناس سماع خطاب معتدل وواضح. وهذا غير موجود في الواقع أو ليس بعد.

طبيعي أن الصوت المسموع الآن في العالم الإسلامي هو صوت الإسلاميين المتشددين في ما يسمّى بأنصار الشريعة. نعم إنهم قلة عددية إلا أن خطابهم يبقى الأكثر وضوحا. فحين يقولون للناس، يجب أن نحكم بما أنزل الله، وإن الله يقول (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، فإن الإسلامي الوسطي لا يملك من رد واضح على هذا الكلام سوى القول: نعم ولكن يجب أن يتم هذا على مراحل، وأن يقتنع الناس أولا، ولا بأس أن نجتهد في بعض الأحكام، وقد لا نجعل الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع، فقد نجعلها مصدرا من بين مصادر أخرى للتشريع كالحكمة والمصلحة والواقع. غير أن المتشدد يرد بالقول: الشريعة وضعها الله وهي كاملة غير منقوصة وصالحة لكل زمان ومكان ولا تحتاج إلى أي اجتهاد أو إضافة أو تعديل. فإن علاقة الإنسان بالله هي علاقة تنفيذ للأوامر. فما هو ردّ الإسلامي الوسطي؟

أنّ هذا الأخير يضطر في بعض الأحيان إلى مجابهة الإسلامي المتطرف بالقوة كما حدث في تونس، غير أنه لا يملك أي خطاب واضح قادر على مجابهة الخطاب المتشدد والحلول محله في المساجد والإعلام.

الإسلامي المعتدل والإسلامي المتشدد كلاهما يقول: القرآن دستورنا. لكن المتشدد يفهم من ذلك أن كل عبارة في القرآن تمثل بندا يجب تطبيقه بحذافره. مثلا، “قرن في بيوتكن” تعني للأشد تشددا حرمان الفتيات من التمدرس وحرمان المرأة من السياقة؛ و”اللائي لم يحضن” تعني لدى المتشددين جواز تزويج الطفلات الصغيرات؛ و”كتب عليكم القتال” تعني لدى المتشددين أن القتال فرض عين على كل مسلم، وهكذا. الوسطي والمتشدد كلاهما يقول “القرآن دستورنا”. لكن وحده المتشدد يقصد ما يقول.


كاتب مغربي

9