وحدوووه

الأربعاء 2017/10/18

للمقابر رهبة الموت، فما بالنا إذا تحولت إلى عالم آخر يموج بحياة من نوع مختلف.. مدافن و”أحواش” وطرق صغيرة بعضها “مسفلت”، ممتدَّة أحيانا ومتعرِّجة في غالبها، يُفترض أن لا تجد فيها كعابر سبيل مظهرا للحياة، ولكن بمرور الأيام والأزمات الاجتماعية، باتت حياة أخرى، ليس للأموات ولكن للأحياء أيضا.

عطلٌ في سيارتي نصحني صديق “كهربائي” في ورشة صناعية بالتوجه إلى مقابر القاهرة، حيث “ميكانيكي” يعرفه جيدا، وحين وصلنا، أوصاه بي ثم قفل راجعا وتركني للمجهول.. لا ورشة هناك، وإنما شابٌّ نحيل بالقرب من سيارة “خردة” متهالكة على الأرض اتخذها مستقرا لأدواته، كان باسما رغم وحشة المكان وصدمة الرهبة.

بجوار “مدفن” محاط بسور أسمنتي، تعلوه لافتة باسم “مرحوم” ما ويعود تاريخها لعام 1947، حيث هي السمة الغالبة، لا مقابر مكشوفة في العراء، لا صوت إلا من مكبر صوت يؤذن لصلاة العشاء، أعمدة إنارة خافتة تمحو بعضا من القلق والريبة، أو ربما تؤنس أرواحا لا أمل في عودتها، وسط سكون غامض لم يقطعه إلا صوت الشاب “هل تريد يا سيدي شرب الشاي أم تفضل أن أحضر لحضرتك مشروبا باردا؟” أومأت بالموافقة “أي شيء” وأنا أقرأ الفاتحة لطرد التوتر، فيما أشار إليّ بالجلوس على حجر قريب كان بمثابة كرسي طارئ ريثما ينتهي.

من بعيد تأتي أصواتٌ متناقضة، بعضها صراخٌ بالتأكيد ليس لاستقبال ضيف جديد من الأموات، وبعضها ضحكات “رقيعة”، وغالبها “خناقة” أطفال وصرخات نسوة، لأكتشف أن هنا، ووسط هؤلاء الأموات هناك من يحيا ويعيش ويتناسل ويتعايش بكل حرية.. دولة كاملة من أحياء مثلنا، على هامش أنقاض أجساد بالية وقبلها “أحواش” باتت مساكن تجمع كل المهمشين أو من هم خارج سياق الحياة الآدمية، بكل تناقضاتهم وجرائمهم وسلوكياتهم العشوائية!

لم أصدِّق نفسي وأنا أرى كيفية تدوير “الموت” لصناعة الحياة بأي شكل، بين أناس بعضهم محترمون جدا، أحدهم باغتني بأنه يدرِّس التاريخ في مدرسة ابتدائية مجاورة، مازحته عن أي تاريخٍ يدرِّسه هنا؟ فابتسم: وهل التاريخ إلا عن الأموات يا سيدي! فطأطأت رأسي من حكمته.

داهمتني نوبة من التناقضات.. هنا، مثلما للموت حرمته، للحياة استحقاقاتها المريرة وقوانينها الخاصة للتعايش، ليس بين أحياء وأحياء ولكن مع أموات غادروا وقاسمناهم حتى الإزعاج في رقدتهم الأخيرة، ربما فشلت كل جهود انتشال هؤلاء الأحياء، وقد تنجح محاولات نقل هؤلاء الأموات بعيدا.. إذ ليس على المتضرّر سوى اللجوء إلى هنا.

إييه.. دنيا.. وحدوووه!

24