وحل الماضي وألغام المستقبل

الأربعاء 2013/10/02

لم تشكل التهديدات التي أطلقتها الحكومة المصرية بتوجيه ضربة عسكرية رادعة لحركة حماس، المسيطرة على قطاع غزة، اهتماما كبيرا لدى الرأي العام المصري والعربي، على الرغم من جديتها.

العرب قبل المصريين يدركون أن مصر لن تقدم على توجيه مثل هذه الضربة لحماس، رغم يقينهم من أن الحركة غارقة حتى رأسها في الشأن الداخلي المصري، من خلال مساندة الإخوان المسلمين وتحركاتهم التي يحيط بها كثير من الريبة، سياسيا وأمنيا.

غير أن دعم مصر للقضية الفلسطينية منذ النكبة وحتى اليوم، لن يشكل عائقاً أمامها إذا ما قررت معاقبة الحركة لإصرارها على التدخل في شؤونها، والعبث بمقدرات سيناء، التي بذلت مصر كل ما كانت تملك، لاستردادها.

في نفس الوقت، لا يمكن اعتبار التصميم على تدمير الأنفاق (رغم شرعيته) أو غلق معبر رفح جزء من هذا العقاب، لأن تأثير ذلك يعود بالدرجة الأولى على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. لكن لكل دولة أدواتها التي تستطيع من خلالها الوصول إلى أهدافها والحفاظ على مصالحها.

ما يدعو إلى الاستغراب هو أن مرحلة التصعيد التي سيطرت على العلاقات بين الإدارة الجديدة في مصر وحركة حماس، شهدت فتح إسرائيل لمعبر كرم أبو سالم من جانبها، والسماح بمرور القوافل والسلع إلى داخل القطاع.

إقدام إسرائيل على فتح معابرها مع القطاع لا ينبع من دوافع إنسانية أو يعكس إيمانها بالقضية الفلسطينية وسعيها لوضع نهاية لمعاناة الفلسطينيين، ولكنه قرار يحمل في مضمونه عدة دلالات، على رأسها أن هذا القرار يأتي تعبيرا عن سياسة تل أبيب الرامية إلى إطالة سيطرة حكومة حماس على القطاع، وإعطاء قبلة الحياة للتنظيم الذي يواجه تمرداً شعبيا داخليا، وحصارا خارجيا، يمكن أن يترجم في أية لحظة إلى ثورة شعبية تطيح بأسطورة حماس من الصفحات التاريخية للقضية الفلسطينية بلا عودة.

أما ثاني هذه الدلالات فهي رغبة الكيان الصهيوني بأن تظل حالة الاستقطاب والانقسام الحادة التي تتسم بها علاقة الفصائل الفلسطينية قائمة، لأن ذلك يوفر له مساحة للمناورة السياسية، ويحقق حالة الاستقرار وسيادة الأمن التي مثل غيابها عاملا أساسيا لإزعاج السلطات داخل الأراضي المحتلة قبل حدوث الانقسام.

التدخلات الأخيرة من قبل حماس في الشأن المصري أدت إلى رسوخ الاعتقاد لدى الأوساط الشعبية والرسمية المصرية بأن بقاء هذا التنظيم على رأس السلطة في قطاع غزة، بات يشكل خطراً على الأمن القومي المصري، وعلى الحدود الشمالية الشرقية الملتهبة أصلاً، وكذلك على العمق الإستراتيجي لمصر في مواجهة إسرائيل.

لذلك فإن سعي مصر لترسيخ علاقتها مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحرصها على إرسال وزير خارجيتها لزيارة الرئيس الفلسطيني الشهر الماضي، يهدف لإيصال رسالة إلى قيادات حماس، فحواها أن مصر لن تتراجع عن دعمها للقضية الفلسطينية، وأن وجودها على رأس السلطة في غزة لم يعد يثير انزعاج مصر وحسب، بل أصبح يسبب إحراجا للسلطة الفلسطينية.

إن التحركات التي بادرت بها الحكومات العربية (وخاصة الخليجية) الداعمة لمصر في أعقاب ثورة 30 يونيو الماضي، والتضامن الشعبي العربي معها، يعكس تبدل المزاج بصفة عامة في منطقة الشرق الأوسط، وتحوله من حالة التطلع إلى المشروع الإسلامي بعد نجاح الثورات في الإطاحة بالنظم الاستبدادية، إلى هروب جماعي من هذا المشروع، الذي كشفت شعوب المنطقة الغطاء عنه، فلم تجد تحته إلا سرابا.

هذا التحول الذي بدأ في مصر بإسقاط الجماعة الأم لكل الحركات «الإسلامجية» في المنطقة، تبلور في شكل حراك داخل قطاع غزة من خلال حملة تحمل اسم «تمرد» أسوة بالحركة المصرية التي أطاحت بالإخوان، وهو التحرك السياسي الأول الذي يتم رصده داخل القطاع، منذ أن نجح التنظيم في الاستيلاء على السلطة عام 2007.

إذن فإن المشجع الوحيد في المنطقة الذي لا يريد أن يرى الحصان الحمساوي خارج حلبة السباق هو إسرائيل، لأن خروجه يعني تبخر ذريعة حصارها للقطاع، ويؤدي كذلك إلى حدوث تطور نوعي على الأرض يفضي إلى تبلور فعلي لمؤسسات «دولة فلسطين»، وعلى رأسها قطاع غزة، ومن ثم إضفاء الشرعية القانونية والدولية عليها في مواجهة تل أبيب، وكسب جولة جديدة في صراعهما التاريخي معاً.

إن توجيه ضربة عسكرية لحماس سيضع مصر في موقف شديد الصعوبة، وسيخلق أزمة متشابكة الأبعاد على حدودها الشمالية الشرقية، ويعود بالقضية الفلسطينية إلى المربع الأول، عندما كان قطاع غزة تحت الإدارة المصرية حتى انفصاله عقب نكسة 1967، وهو ما لا تطمح إليه مصر، التي تبدو كمن خرج لتوه من مستنقع وحل، بعد صراع استمر عاما كاملا من حكم الإخوان، ليجد نفسه أمام حقل من الألغام.


كاتب صحفي مصري

9