وحوش العالم اللطيفة

معرض كندي في باريس عن التمثيلات الاستعماريّة للحيوانات في الحضارة الغربيّة.
الأحد 2018/09/09
متخيلات جديدة للتراث الأوروبي الاستعماري

ترى نظريات السيادة التقليدية أن رأس الهرم السيادي والوحش يستثنيان من نظام الدولة، أي يمكن أن ينشطا خارج القانون، فرأس الهرم قادر على ممارسة العنف خارج الدستور، والوحوش ذات الشيء، تمارس العنف وتتلقاه دون حدود قانونيّة تضبطه، والوحوش هنا لا تقتصر فقط على الحيوانات، بل الإنسان أيضا، بوصفه آخر مختلفا.

 يرتبط التصور السابق بالمفاهيم الأوروبية لمركزيّة البشري، التي تخلق الموضوعات الثقافيّة والقانونيّة من وجهة نظر الإنسان الأبيض “سيد العالم”، في حين أن هذه الوحوش/ الحيوانات تحضر في الثقافات الأصليّة بصورة مختلفة، هي جزء من علاقات القوة ولا تستثنى خارجها، بوصفها عناصر فاعلة ذات قيم روحيّة وسياسيّة، وخصائص سحريّة لا تحضر ضمن تكويناتنا الثقافيّة المعاصرة.

عُرف الفنان الكندي كنت مونكمان بموقفه النقديّ لتمثيلات الشعوب الأصلية ضمن الثقافة الغربيّة، ولطالما عمل على استعادة هويته الأميركيّة الأصليّة، وانتقاد أشكال الترويج الغربي لها على أنّها بدائية وبربريّة، إلى جانب انتقاده لسلوك المتاحف الأوروبيّة والأميركيّة، وأساليب العرض التي تتبعها لجعل معتقدات وأنظمة حياة “سكان أميركا الأصليين” محط شفقة وغير متحضرة ووحشية.

 يتجلى الموقف السابق في معرض مونكمان الأخير في باريس في المركز الثقافيّ الكندي، والذي يحمل عنوان “الجميلة والوحش”، الذي يعمد فيه إلى تفكيك المتخيل الاستعماري عن “الآخر”، عبر التعاون مع متحف التلاقي الثقافي في ليون، المُصنف بأنه للتاريخ الطبيعي والأنثروبولوجيا لا للفنون، إذ اختار منه عشرة أغراض تمثّل “الوحوش” حسب التعريف الأوروبي، كمنحوتات الطيور والزواحف وغيرها، وأعاد عرضها بوصفها تعكس العلاقة بين الإنسان والحيوانات، ما أتاح له فرصة استعادة خصائصها الثقافيّة، وتاريخها السحري الذي تتبناه الثقافة الأميركيّة الأصيلة.

بعد ذلك، جعل هذه “الأغراض” بمواجهة خمس لوحات ضخمة قام  برسمها، يستعيد فيها إنتاج أشهر لوحات الفن الأوروبي، بحيث تحضر الحيوانات والسكان الأصليون فيها بصورة مختلفة عن النسخ الأصليّة التي تختزن التاريخ الاستعماري.

 

عُرف الفنان الكندي كنت مونكمان بموقفه النقديّ لتمثيلات الشعوب الأصلية ضمن الثقافة الغربيّة، ولطالما عمل على استعادة هويته الأميركيّة الأصليّة، وانتقاد أشكال الترويج الغربي

يسعى مونكمان في لوحاته لإعادة تكوين صورة الآخر، مستفيدا من الحكايات التقليدية وتمثيلاتها الفنيّة، إذ نرى مثلا لوحة ثيودور غيركوت الشهيرة “طوف ميدوزا” بصورة مغايرة، فعوضا عن الموت المحتم والمأساة التي تنتظر ركاب الطوف، نرى قاربا يحوي البعض من سكان أميركا الأصليين يمدون يد العون للغرقى، وكأننا في لحظة موت ونجاة في ذات الوقت.

 فالوحوش الأوروبيّة تحاول اصطياد السكان الأصليين، في حين أنهم يحاولون إنقاذ من هم على وشك الغرق، وكأن الزمن يتلاشى ضمن اللوحة، كما في غيرها من أعماله، إذ تحضر موتيفات وتمثيلات تنتمي إلى الحاضر والماضي بأشكاله المختلفة، لتمتزج جميعها ضمن فضاء اللوحة كاسرة الحدود الثقافية، إذ نرى صور للمسيح في إحدى الزوايا وسحرة ومشعوذين في زاوية أخرى، وحيوانات ذات قوى خارقة بمواجهة كائنات الإغريق الأسطوريّة.

يستعيد مونكمان أيضا التراث الإغريقي، كلوحة “ليدا والبجعة” الشهيرة، التي يغوي فيها زيوس الحسناء ليدا بعد أن يأخذ هيئة بجعة، وما فعله الفنان الكندي في لوحته، أنه جعل ليدا أميركية أصلية تحمل شكل ذاته البديلة “السيدة الزعيم”، ذات الهوية الجنسيّة الكويريّة، كما نرى أن علاقتها بالبجعة أقرب للتودد والألفة، لا الغواية السريّة والشبق، وتكمن خصوصيّة هذه اللوحة حسب تعبيره في أن البجعة تمثل كائنا سحريا ضمن الثقافة الأميركيّة الأصلية، لا مجرد وسيلة لخداع البشري وغوايته كما في اللوحة الأوروبيّة.

يحاول المعرض أيضا معرفة مصدر “الأغراض” المتحفيّة في أوروبا، وكيف وصلت إلى القارة العجوز، خصوصا أن بعضها يفقد قيمته الفنيّة ويتحول إلى موضوعة أنثروبولجيّة، مع ذلك، والبرغم من جهود مونكمان، نتلمس نوعا من السياسات النيوليبراليّة في أعماله، والتي تنضوي تحت ما يسمى “استعراض الاندماج”، فأشكال “المساواة” و”التآخي” التي يحاول تقديمها تبدو خلابة.

 وتعكس حالة صحيّة في المجتمع، مع ذلك هي تتلاشى بمجرد نهاية المعرض، فالأغراض ستعود إلى متحف الفن الطبيعي، واللوحات ستباع لجامعي الفن، فلا أثر واقعيا لأعمال مونكمان، ولا مطالبة قانونيّة بالأغراض “الأصلية”، مجرد استعراض لها في عواصم الفنّ، دون تغيير السياسات التي أنتجتها..

14