وحوي يا وحوي

الأربعاء 2017/05/31

منذ عقود خلت وطقس رمضان لا يكتمل إلا بتلك الأغنية التي سجلها المطرب المصري أحمد عبدالقادر في ثلاثينات القرن الماضي من ألحان محمود الشريف، وهي أغنية “وحوي يا وحوي أيوحه”. وفي كل عام كنت أسأل نفسي عن معنى تلك الكلمات وهل هي من العاميّة المصرية أم من لغة أهل النوبة؟

ثم يمضي الشهر الكريم وأنسى الموضوع إلى أن يعود رمضان من جديد وتعود معه تلك المفردات، فأعود لأسأل نفسي من جديد عن أصلها وفصلها ومعناها، إلى أن توصلت أخيرا إلى أن الكلمات مصرية قديمة تعود إلى فترة نهاية الأسرة السابعة عشرة، عندما ثار الشعب المصري على الهكسوس وقرّر طردهم من بلاده، وخلال المعارك فقدت الملكة أياح حتب زوجها سقنن رع ثم ابنها كاموس، فقررت الثأر لهما وأصدرت قرارا بأن يتولى ابنها أحمس العظيم قيادة الجيش وابنتها نفرتاري.

ولم تقف عند هذا الحد بل قادت بنفسها كتيبة عسكرية وخاضت معركة تحرير مصر، فانتصرت على الهكسوس انتصارا عظيما وعند عودتها إلى عاصمة الملك استقبلها أبناء شعبها بالورود والأهازيج ومعالم الزينة وهم يهتفون “واح واح أياح” أي تعيش تعيش أياح، والتي حرّفت بعض الشيء فصارت “وحوي يا وحوي أياحه”.

ما جعل تلك الكلمات ترسخ في أذهان المصريين للآلاف من الأعوام أنها تحولت إلى أهزوجة لاستقبال الهلال في كل شهر قمري، حيث أن أياح، الاسم الذي كانت تحمله الملكة الخالدة، يعني في لغة المصريين القدامى الهلال، ويرى بعض المؤرخين أن الأهزوجة تحولت إلى جزء من طقوس الاحتفال الشهري في معبد الإله خونسو، إله القمر، ولما انتقل الفاطميون من تونس إلى مصر وبنوا قاهرة المعز في أواخر القرن العاشر ميلادي، أسسوا لتقاليد منها الاحتفالات الكبيرة بشهر الصيام ونشروا بعض العادات الجديدة منها فوانيس رمضان، فكان الأطفال يحملون تلك الفوانيس وهم يؤدون الأغنية القادمة من أعماق التاريخ “وحوي يا وحوي”.

كما هناك أغنية أخرى تبدو كلماتها غريبة وهي “حالّو يا حالّو رمضان كريم يا حالّو”، ويقال إن جوهر الصقلي أعد موكبا لاستقبال المعز لدين الله الفاطمي في القاهرة إبان تأسيسها كان من بين فقراته وقوف المئات من الأطفال وهم يترنّمون بتلك الأغنية ليلة السابع من رمضان من العام 362 للهجرة. و“حالّو يا حالّو” كلمات قبطية تعني “افرح يا شيخ” وقد ارتبطت برمضان.

وكما هو واضح، فإن مصر، التي عرفت جميع الديانات السماوية ومرّ بها الرسل والأنبياء وعبر أرضها الغزاة والمحتلون، حافظت على إرثها التاريخي والثقافي ولا تزال تحتضن عبقه الخالد إلى اليوم حتى أننا نستمع اليوم إلى أغنية تعود كلماتها الأولى إلى 7000 عام.

24