وحيدون وفقراء غرباء على أبواب أعياد الميلاد

الأربعاء 2014/12/31
صور الحرمان من مشاركة الآخرين الفرح والاحتفال لا تمحى من ذاكرة الإنسان

يا لهذه الفتاة المسكينة، لم تكن تريد سوى الدفء، هكذا ردد المارة الذين فاجأهم مشهد الفتاة الصغيرة، بائعة الثقاب، التي ماتت من البرد في صباح يوم العيد، وكان المارة يجهلون الأشياء الجميلة التي رأتها بائعة أعواد الثقاب، كما يجهلون كيف دخلت، مع جدتها الطيبة في السنة الجديدة.

هذه القصة التي أبدع فيها الشاعر والأديب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن العام 1845، كانت تروي حكاية فتاة فقيرة ماتت وهي غارقة في هذيانها في انتظار العيد الذي نسيها في برد الشارع، جائعة، عارية القدمين ومرتعدة من البرد. كانت الفتاة وحيدة ومعدمة مثل كثر لا يمثل لهم العيد سوى حمل يثقل كاهلهم وهم يراقبون مظاهره وجماله في عيون الناس ودفء منازلهم دون أن يكون لهم دور فيه، القصة التي تتكرر كل عام، حيث يمتزج الخيال بالحقيقة وحيث يكون الخيال نصيبا ومأوى للفقراء والمحتاجين الذين يقطنون في زاوية بعيدة عن ضوء الأمنيات.

وفي الواقع، وعلى بعد ستة عقود من الزمن، كانت جوزفين كوكس، الكاتبة والروائية البريطانية التي نالت مؤلفاتها شهرة واسعة وبلغت مبيعات كتبها أرقاما كبيرة، مازالت أسيرة لذكريات طفولتها البعيدة حيث كان العيد يأتي محملا بالهدايا والفرح، دون أن يلقي التحية عليها وأخوتها العشرة. كانت كوكس وتسعة أشقاء وشقيقات، عددا كبيرا من الأفواه التي استدعت معاناة الأم والأب وكدهما في العمل ليل نهار لإطعام جوعهم وتوفير سبل العيش الكريم لهم، لكن عدد أفراد الأسرة كان أكبر من قدرة الكبار على سد رمقهم، لذلك عاشت الفتاة الصغيرة وبقية الصغار في فقر مدقع.

الشعور بالوحدة والعزلة سواء أكان في فصل الأعياد أو في الأيام العادية قد لا يكون مصدره الآخرون دائما

وحين كان يأتي العيد، تتذكر كوكس جيدا، وهي في سن التاسعة من عمرها، مشهد جلوسها عند عتبة باب البيت الباردة وهي تراقب من خلال نافذة جيرانها الموسرين، مشهد شجرة العيد بألوانها الزاهية والأضواء الذهبية المنبعثة منها وخاصة تلال الهدايا التي كانت تنتظر أسفل الشجرة صباح العيد، لتكمل فرحة الصغار المتشوقين، حيث هذا العيد بكل ما يحمله من معان وأتراح هو ملك الأغنياء وحدهم، هكذا اعتقدت جوزفين وبقية فقراء الحي.

بعد مرور ستة عقود على ذلك التاريخ، لم يغب طيف المشهد عن عينيها وصار يتكرر في كل عيد. تعترف الكاتبة الشهيرة التي تكاد لا تصدق اللحظة الحاضرة وهي تضم في دفء دارها شجرة كبيرة وهدايا وطعاما طيبا، بأن أيام العيد حيث الطفولة المحرومة لم تكن لتحمل ما يميزها، لا شجرة ولا ملابس جديدة ولا طعام جيدا وبالطبع، لا هدايا تذكر، لكن حنان أبويها ودفء حبهما الكبير لصغارهما عوضاها مشقة الشعور بالحرمان والحاجة وضنك العيش. أما هدية العيد الوحيدة التي تشاركت فيها جوزفين مع اخوتها وأخواتها، فكانت كيسا من البرتقال تركه الوالدان متدليا في ستارة غرفتهم الوحيدة.

تمثل فترة الأعياد مناسبة للكثيرين للشعور بالحزن، فالوحدة والمرض والفقر والعديد من الأسباب الأخرى قد تحيل فترة الأعياد عند هؤلاء إلى حمل نفسي مضاعف، يزخر بالقلق والاكتئاب والكرب الشديد. وحسب الدكتور دوكلاس لابير، الطبيب النفساني ومدير مركز التعليم المستمر في واشنطن، فإن الشعور بالوحدة يأخذ أشكالا متعددة وقد يكون نتيجة لتجارب حياتية مختلفة، تواجه بعض الأفراد في الحاضر أو سبق أن خبروها في الماضي وتركت في نفوسهم أثارها المدمرة، حين تسبب لهم بعض الصدمات النفسية المتأتية نتيجة علاقات فاشلة في الأسرة أو على مستوى الأصدقاء والمعارف، وهو يؤدي إلى الإنسحاب من المحيط الاجتماعي والاكتفاء بدور المتفرج على الأحداث ومحاولة الابتعاد قدر المستطاع عن التواجد في المناسبات الاجتماعية، لتجنب الاحتكاك بالناس والتعرض لمشاعر الرفض مرة أخـرى.

فترة الأعياد مناسبة للكثيرين للشعور بالحزن، فالوحدة والمرض والفقر قد تحيل فترة الأعياد عند هؤلاء إلى حمل نفسي مضاعف

ويرى الدكتور لابير أن أغلب هذه الحالات تكون في منطقة اللاشعور أو من وحي خيال بعض الأفراد الذين يعانون من سوء فهم الآخرين، كما يقومون بتفسير سلوك الآخرين وردود أفعالهم تجاههم بطريقة خاطئة أو مبالغ فيها، وربما تكمن بعض الأسباب في ارتفاع مستوى التوقعات لدى هؤلاء في ما يتعلق بعلاقاتهم الاجتماعية، حيث ينشدون في الغالب العلاقات المثالية التي يكونون ضمنها في مركز الاهتمام ودائرة الضوء، وحالما يحدث أي خطأ أو تجاهل غير مقصود من قبل الآخرين، فإن رد الفعل السريع والمباشر يتمثل في الانسحاب والتقوقع حول الذات.

أما النوع الأقل شيوعا من الوحدة أثناء فترات الأعياد، فيعاني منها بعض الذين يمتهنون مهناً خاصة قد تتعلق بالفن أو الخلق والإبداع أو الغنى والنجاح في عالم الأعمال. هؤلاء الذين يحققون نجاحهم وتميزهم على حساب انسحابهم شبه التام من الحياة الاجتماعية وربما العائلية، حين تباغتهم فترة الأعياد هذه يدخلون في مزاج عقيم وداكن لتجنب الاحتكاك مع الآخرين ومشاركتهم مرحهم وفرحهم التلقائي، فتراهم يقصرون حضورهم على الإنزواء في زوايا الحفلات الاجتماعية ويكتفون بدور المتفرج، ويبتعدون عن مشاركة الآخرين تلقائيتهم ترفعا أو خجلا.

وينصح الدكتور لابير هؤلاء، بالتعرف إلى أناس جدد وخلق علاقات اجتماعية متنوعة تلعب دورا إيجابياً في محيط مجتمعهم وتضع في نصابها تحقيق أهداف جديدة، على أن يراعوا في علاقاتهم الجديدة هذه مستوى معقولا من التناغم والتناسق مع مستوى تفكير الآخرين.

وهذا الأمر يطوّر لديهم مهارات اجتماعية مناسبة تصلح لأن تكون مدخلا للسلام الداخلي وإعادة الثقة في النفس، فالشعور بالوحدة والعزلة سواء أكان في فصل الأعياد أو في الأيام العادية قد لا يكون مصدره الآخرون دائما، بل قد ينبع من داخل الحلقة الضيقة التي تحاصر الحياة الداخلية للفرد.

21