وحيد الطويلة يفكّك سطوة دولة "أولاد الباشا"

المتابع لما يكتبه وحيد الطويلة القادم من ميدان الشعر إلى ساحة السّرد، يكاد يلمس معنى أن الروائي بمثابة "أداة ومولّد" للرواية، وأن الكتابة عنده تحطيم وإطاحة للحواجز.
الأحد 2019/07/28
وحيد طويلة يستحضر في روايته الجديدة سلطة العنف وينتصر للمقهورين

عندما استعرض ميشال بوتور تقنيات الرواية الجديدة وأشكال تمردها على الشكل التقليدي، أشار من جملة القضايا التي طرحها إلى وضعية الرواية وعلاقتها بالروائي فقال إن الروائي «ليس هو الذي يضع الرّواية بل هي التي تضع نفسها بنفسها، وما الرّوائي سوى أداة إخراجها، ومولّدها». المتأمّل لمعنى بوتور مع أن السّياق الزمني بعيد نسبيّا، حيث ذكر هذا وهو يدشّن للرواية الجديدة مع رفقائه آلان روب غرييه وناتلي ساروت وجان ريكاردو وآخرين، يستطيع أن يميز بين الروائي وكاتب الرواية.

 فالرّوائي هو الذي يترك عمله ليكتب نفسه بنفسه، وهو ما ينطبق على أسماء قليلة جدًّا فيمن يطلق عليهم هذا اللقب، أما كاتب الرواية، فهو الشخصُ المُلِّمُ بتقنيات الرواية، ولديه حكاية ويستطيع عبر معرفة قليلة أو قراءة لتقنيات الرواية، أن يكتب نصًّا، لكن ثمّة فارقًا بين طاهٍ، نَفَسَهُ هو سرّ خلطته، وبين من يقلّد هذه الخلطة، ظانًا أنه يستطيع أن يصنعها بمذاق وحرفية الطاهي نَفْسه.

الفارق بين جودة ما يعدّه الطاهي، وبين ما تصنعه ربّة المنزل، تقليدًا لخلطة الشيف، هو الفارق بين نص تقرؤه ونصّ تنفر منه، بين كتابة تأخذ عقلك وكتابة تسخر من هذا العقل؛ فالأولى هو كتابة تشعر بجهد الكاتب، لا مجرد أن يلتقط الفكرة أو المعاني (فالمعاني مطروحة في الطريق (...) كما قال الجاحظ قديمًا)، وإنما في سبك هذه الفكرة، ونسجها بأساليب تُفارق تلك المألوفة والمطروقة، تتوسّد تارة بمجازات اللغة وتارة أخرى بانحرافات هذه اللغة، وما تفجّره من دلالات تُفارق موضوعها ولحظتها الآنية، وتارة ثالثة باللّعب بالضمائر، وإدخال القارئ فيلعبة السّرد، لا بجعله متلقيًّا وإنما مشاركًا وفاعلاً.

الإطاحة بالحواجز

الكاتب وحيد الطويلة يرسم مشاهد روايته وكأنّه يرسم مشاهد سينمائية
الطويلة يخلق نصًّا حيًّا، كُتب ليعيش، لا يطوى بمجرد الانتهاء من قراءته

تبدو هذه المقدمة ضرورية عند الكتابة عن وحيد الطويلة على وجه الخصوص. فالمتابع لما يكتبه الطويلة القادم من ميدان الشعر إلى ساحة السّرد، مُتسلّحًا بلغة الشاعر وأيضًا بخياله، فمنذ «ألعاب الهوى» (2004) و"أحمر خفيف" (2008)، و"باب الليل" (2013) مرورًا بـ"حذاء فيلليني" (2016)، وصولاً إلى روايته الأحدث "جنازة جديدة لعماد حمدي" (دار الشروق، 2019)، يكاد يلمس معنى أن الروائي بمثابة «أداة ومولّد» للرواية، وأن الكتابة تحطيم وإطاحة للحواجز كما قال بوتور؛ فالطويلة يخلق نصًّا حيًّا، كُتب ليعيش، لا يطوى بمجرد الانتهاء من قراءته.

قلة أعمال الطويلة (خمسة أعمال، بفواصل زمنية طويلة نسبيًّا)، تكشف عن وعي بمفهوم الكتابة، وخبرة لا يريدها أن تُهْرق على حساب الكم؛ فهو ينشد «الدقة لا الوضوح» كما أوصى «بول فيري» ناثانيل، تبتغي الإبلاغ لا الشرح بمفاهيم البلاغيين. السّمة البارزة لهذه الأعمال أنها منفصلة متصلة: منفصلة من جهة استقلال العوالم؛ ثيمة ولغة وشخصيات. ومتصلة من جهة أن ثمّة همًّا يؤرّقه، لكنه لا يعيده ويكرِّره، حتى غدت لديه شخصياته النمط التي لا تُنسى، أو يمكن تكرارها في نصوصه أو حتى يستطيع أحد أن يعيد تدويرها في نص له.

فهي بكل بساطة شخصيات من مخيال الطويلة، تَأْرَن أن تمنح نفسها لصانع ألعاب آخر غيره كي يشكّلها، وينفخ فيها من رُوحه وروح مَن خالطهم والتقاهم هنا وهناك، أو حتى استحضرهم في مقاهيه المختلفة، ومن ثمّ نقول بكل اطمئنان إنها شخصيات من لحم ودم، أي «نماذج بشرية» (إذا استعرنا عنوان كتاب محمد مندور) موجودة هُنا وهناك، (من ينسى للّا درّة، وأبوشندي وأبوجعفر وغيرهم)، هي شخصيات من واقعنا قاهرة ومقهورة لا فرق، فهي ابنة الواقع، ونتاج سياساته، لذا لا تنفصل عنه البتة.

المشترك أنها دومًا مفعول فيها (أو ضحايا) من السُّلطة، التي ترفض أن يشاركهم أبناء الرّعاع النفوذ على حدّ وصف والد الضابط فجنون، خشية أن يتسلّل «الأوباش» إلى حياتهم وعندها لن يعيشوا، فالزمن القادم «زمن الضباط» على حدّ قوله. ومن ثم صارت هذه السلطة هاجسَ الطويلة، لا إعجابًا أو انبهارًا وإنما سعيًّا لتفكيك سطوتها وجبروتها؛ السلطة التي أشبه بطائر الفينيق، يفكّكها (أشبه بالقتل) في نصوص سابقة ثم يعيد لها الحياة من جديد ليكمل لذته في قتلها، والتلّذذ بأن يكون أداة القهر لها دون أن يستخدم أدوات السلطة الأيديولوجية في القهر. وكأنّه ينتصر لنفسه وللمقموعين والمشردين عبر اللغة تارة كما فعل في حذاء فيلليني، أو عبر العجز بكافة أشكاله الماديّ والمعنويّ كما حدث للرّجال في باب الليل، وفلليني أيضًا.

الأذرع الأيديولوجية

في الرواية الصادرة مؤخرًا «جنازة جديدة لعماد حمدي» يستحضر وحيد الطويلة أدوات أو أجهزة السلطة الأيديولوجية بتعبير ألتوسير (دولة المرشدين والمخبرين، والأعوان...)، وهي تتذرع بـ"القوة الشرعية" وفق مفهوم ماكس فيبر؛ أي حقّ الدولة في احتكار العُنف على إقليمها لضبط القانون والخارجين عليه. فيعرّي هذه السُّلْطة المحتميّة بغيرها، وينتصر للمقهورين بوسيلتيْن؛ الأولي بالسخرية، عبر لغة ساخرة تعتمد المفارقة اللغوية والتضادات والكنايات في تشويه هذا الكائن الأخطبوطي أو الفينيقي إن جاز الوصف، الذي يموت هناك ليحيا عبر شكل آخر هنا (أكثر بشاعة وشراهة) لينتقم ويثأر، فثمة شريط لغوي يمرّره الطويلة قوامه السخرية في سرده، وأيضًا في حواراته.

أما الوسيلة الثانية؛ فهي عبر المفارقة بين عالمي السُّلطة الحقيقية والسُّلطة الوهميّة وإن كانت الأخيرة أكثر استبدادًا وغلوًا، والصّراع بينهما ينتهي بانتصار السلطة الوهمية/الفزّاعة التي هي نتاج تشوهات السّلطة الحقيقية باتخاذها وسيلة ردع وتخويف وقهر لطبقة المحكومين، وكأنّ عالمَ الضعفاء محكومٌ بسلطتيْن، كلاهما يسعى للتنكيل به، في سبيل تحقيق مصالحه الشخصية على حساب طبقة المقهورين التي لا تنصاع للقاهر في مفارقة تدعو للدهشة، والامتثال للقهر وصانعه، والخنوع دون التصدي لهما، وإنما تسعى هي الأخرى إلى أخذ دورها، حتى ولو بالتزوير أو بالأمل في الانتساب إلى هذه السلطة القاهرة.

صراع خفي بين دولتيْن؛ دولة السُّلطة ودولة المرشدين! ولمن تكون الغلبة، هل للسلطة الرسميّة بأجهزتها الايديولوجية وقضّها وقضيضها، أم لنفوذ وفساد دولة المرشدين؟ قد تبدو الصورة مرعبة وكابوسية، والطويلة هنا أشبه بزرقاء اليمامة، يحذّر مِن تفاقم الأمر، كما بدا في المشهد الختامي داخل السّرادق، حيث يبرز (ويتضاخم) عالم دولة المرشدين، مقابل تواري أو تضاؤل عالم السلطة في مشهد النهائية الذي يحتله ناجح وإلى جواره عتاولة المسجلين وكبار تجّار الصنف، مقارنة بموقع الدولة الرسميّة ممثلاً في الضابط فجنون الذي بعد مراسم التعزية يذهب «إلى كرسي شاغر في صف ثالث (...) وحيد لم يتعرف عليه، تنكّر له الجميع مع أنّه يعرف ربع السّرادق بالاسم». أما ناجح فيعود إلى مقعده «صلبًا مثل البارحة، على وجهه علامات تحدٍّ وارتياح، جاءته الحكومة بثوب باهت، وهو كطاووس في مقعده».

ينفتح نص وحيد الطويلة على الحيرة التي تنتاب الضابط المتقاعد، حول ذهابه إلى الجنازة من عدم ذهابه. عبر هذه الحيرة (وهي صفة تتنافى مع سطوة السلطة) التي يبدو عليها الضابط المتقاعد بفعل هذا الذي يريد أن يذهب لتعزيته، ملك الإجرام الدكتور ناجح «الذي تطبخ المصائب في دهاليزه». وزمن رحلة الذهاب إلى العزاء؛ يقدّم لنا الطويلة روايته، وشخصياته التي تحضرُ ويَحْضُر معها واقعها المؤلم القاسي إلى حدّ الألم -تارة- في كثير من شخصياتها كأم خنوفه، التي ورثت بعد مقتل أبيها «ثأره واسمه»، وآيات وشهد وشحته وهوجان وعماد لون، ودنيا ومنير زبالة وآخرين، هؤلاء من فرط قسوة الواقع غادروا «إنسانيتهم، قشروها ونفدوا».

وتارة ثانية إلى درجة الكوميديا السوداء، كما في حكاية أمّ حواء التي عاد زوجها من السعودية وقد توطدت علاقتها بفوزي الأسمر، الذي دخل شقتها ليركّب لها الجوان «فجاء بالأجوان» وما أن رأى سمار حواء، ثمّ رأى فوزي أخذ الطفلة في مشهد صامت، فنتازي، رغم واقعيته المريرة، لم يخطر على بال مخرجي السينما؛ طرق الباب ومنه إلى سرير فوزي، وأمام الجميع قال له  «خذ بنتك، سمراء واسمها حواء» القسوة لم تتوقف عند حدّ هجران الزوج البيت وتركها بلا طلاق، وإنما وصلت إلى أم حواء، التي لم تجد بدًّا أمام عجزها في لحظة عمياء إلا أن تبيع «البنت لمن لا ينجبون بدون أوراق وأغمضت عينيها»، وبالمثل نرى هذه الفنتازيا المعجونة بقسوة الواقع في حكاية شحته وهاجسه في بيع إحدى خصيتيه.

شخصيات المحنة

صراع خفي بين دولتيْن؛ دولة السُّلطة ودولة المرشدين
صراع خفي بين دولتيْن، دولة السُّلطة ودولة المرشدين

لا ينسج الطويلة شخصيات من فراغ، هابطة من السماء، على العكس يشتغل الراوي بصناعة أرشيف لكل شخصية، يحمل ماضيها (تأمّل على سبيل المثال أم خنوفه، وأم حواء التي صارت السفيرة أم آدم: يقول إن الحكاية لها جذور ويبدأ في سرد ماض موغل في القدم، وشحته القادم من أسيوط وأيضًا العازف الروسي ورحلة سقوطه التي انتهت بسجنه وطلاق زوجته المغنية وعودتها إلى بلادها) وحاضرها، وصولاً إلى نهايتها، شخصيات هي بنات المحنة، ترتبط جميعها بعلاقات صراعية، حتى لو كانت في أحد أطرافها تحكمها المنفعة كما في علاقتهم بالسلطة، التي تعتمد عليهم في تنفيذ مهام، كعيون وأدلة للإيقاع بغرمائها. وبعلاقتهم ببعض حيث التوتر والصراع أيضًا. كما أنه لا ينسى في نهاية الرواية أن يكشف عن مصائر شخصياته.

شخصيات الطويلة جميعها بلا استثناء من الواقع، ليس باعتبار الواقع حقيقة مفروغًا منها، بل باعتباره «إشكالية دائمة» كما يقول جيسي ماتز. فهي غير مُنسلخة عنه، ولا بعيدة عن قهره بما في ذلك الضابط فجنون الذي «تربّى تربية عسكرية صارمة من أب فُجع بنكسة 67، فأراد أن يعوّض الهزيمة بابنه».

القهر هنا نِتاج وسط اجتماعي ضاغط يَسعى لاستنساخ أقرانه، فالأب يُجبر أبناءه على أن يسلكوا نفس المسلك، قهرًا وعنوة؛ فوالد البطل أرغمه على دخول البوليس، والجزمة فوق رقبته، الغريب أنّ الأخ الأكبر فرّ من سطوة الأب بحجة الفسحة، فسافر إلى أوروبا إلّا أنّه لم يعد، وهو ما كان وباله عظيمًا على الابن الأصغر عاشق الفن.

فتبدو شخصية الضابط مشوّهة من دكتاتورية أب سرق أحلامه كلها، فهو خريج المدارس الفرنسية، يكتب مقطوعات، وموهوب في الرّسم، ومن شدّة القهر رسم أباه على صورة حذاء عسكري «بيادة» وفي قلب الرقبة كان وجه أبيه مخنوقًا، بعينَيْن من حجارة، وكل فَرْدَة من شاربه مُعَلَّقَة بطرف خيط من خيطي الحذاء».

الغريب أن هذه الشخصيات المقهورة تُمارس هي الأخرى قهرًا على الأقل منها، وكأنّنا في سلسلة لا متناهية من الصّراع أو القهر تبدأ بالسلطة بكافة أشكالها؛ سلطة حقيقية، سلطة وهمية (دولة المرشدين، ناجح وأعوانه) وسلطة المال (الأجانب الذين يتاجرون في الأعضاء) وهي تُمارس القهر على الأقل. والمقهورون يُمارسون قهرًا على قاعدة المثلث، ناجح يبيع صديقه تاجر السلاح، والطالب الذي عمل في محل كباب، كان يدرس ويعمل بعد الظهر ليرسل لأهله الغلابة، لكن حلمه انطفأ بطمع صديقه في الغرفة «فخرّطوا جسمه كله».

وشحته المقهور من سلطات متراتبة تبدأ بالشرطة وتنتهي عند ناجح. فهو كفيل لأن يتحمل قضايا لم يرتكبها فقط لأنه يؤمن بمبدأ «اطلب منّي أيّ حاجة، إلا أن أحبس أحدًا». قهر الأعلى يسلبه لا فقط حريته وكرامته، وإنما رجولته، خصيته مقابل المال «مليون جنيه يا برنس»، ومافيا تجارة الأعضاء الرائجة بين الأجانب عبر وسطاء ينتشرون في مجتمعات الفقر والحاجة. شخصيات الرواية مُتعايشة مع أزماتها فأم قمر تقول «بنتي ترقص في حالها بعيدًا عن هنا» إمكانية القهر والسّادية التي تُمارسها السُّلطة جعلت البعض يرضخ لها كما في حالة شحته الذي يسأل «متى ستحبوسني»، ومنير زبالة «يصنع سجنه بنفسه».

والبعض الآخر بمحاولة أن يحتمي بها حتى ولو بالتزوير كما فعل باسل والبيه المفتش، الراقصة قمر «فالسُّلْطة مغوية تعمي القلب». وهناك نوع آخر من القهر يُمارسه الشخص على ذاته نحو ما فعل سيد كبابه النّشال العالميّ، فما أن هجمت عليه الشرطة حتى أخرج من تحت شفته موس حلاقة وراح يقطع خصيته بالطول كأنه يلعب في قطعة من الزبد. وهو ما فعلته أم حواء بأن تخلت عن ابنتها وباعتها. وبالمثل دنيا التي اغتصبها خالها، راحت تأكل عيشها بجسدها «فقلة الحيلة غلّابة».

تقنية الكاميرا

الفارق بين جودة ما يعدّه الطاهي، وبين ما تصنعه ربّة المنزل، تقليدًا لخلطة الشيف، هو الفارق بين نص تقرأه ونص تنفر منه
الفارق بين جودة ما يعدّه الطاهي، وبين ما تصنعه ربّة المنزل، تقليدًا لخلطة الشيف، هو الفارق بين نص تقرأه ونص تنفر منه

يرسم الطويلة مشاهد روايته وكأنّه يرسم مشاهد سينمائية، فيدقّق في التفاصيل والحركة التي تعكس الكثير من صفات الشخصيات، كالتردد والخوف والقوة، فكما يقول جورج ليكوف ومارك جونس «إننا ندرك العالم بواسطة الكناية عندما نحدد هوية الشخص من خلال وجهه»؛ فيرسم الشخصيات ويحركها كأننا نراها أمامنا، بل ثمة تقنية جديدة يعمل عليها الطويلة، وهي مستوحاة من السينما، فهو لا يقدِّم مشهدًا سرديًّا واحدًا، يتبعه بمشهد ثانٍ مفارق له في الزمن والمكان، وإنما يقدّم المشهديْن في لحظة واحدة عبر تقنية التوازي السّردي، فالمشهد الذي ينفتح عليه النص هو مشهد تردّد الضابط للذهاب، في ذات اللحظة يأخذنا لمشهد السرادق، وهو مفارق لزمان ومكان الزمن الأول.

ومن أجل هذا يتحرك السرد وفق حركة كاميرا، تتوزّع على حركتين، الحركة الأولى ثابتة، تُساير حركة سيارة الضابط وهي في طريقها إلى سرادق العزاء في التحرير،وهذه الحركة يأخذ الزمن فيها خطًا كرونولوجيًّا، ومع ثبات الحركة حيث نقطة المركز/بؤرة السرد (حركة الضابط في السيارة) ثمة ارتدادات زمنية، فيطل طيف من الذاكرة عن ماضي الضابط (عن حبيبته السابقة ولقائهما في جروبي، عن بداية لقائه بناجح وعن علاقته بوالده). كما يكشف بها الراوي عن ماضي الشخصيات، ويضيء علاقاتها بحادثة مقتل هوجان ابن المعلم ناجح.

 الحركة الثانية حركة زووم أوت، حيث يتابع الراوي من موقعه حركة الأحداث في السرادق، وينقل لنا الأحداث، الراوي هنا أشبه بمعلّق؛ فنشاهد ناجح وهو يمسح عينيه بيديه خشية أن يظن أحد أنه يبكي، ونستمع لصوت المقرئ، وهو يرتل «إن الله غفور رحيم»، ونشاهد الداخلين والخارجين للسرادق و»هم خليط من وجوه ذئاب وبشر». ويصف الأجواء التي تغلب عليها الاحتفالية حيث تقدّم الخمور والحشيش للمعزين.

 في الفصل الثاني يقدّم الراوي صورة بانورامية لحكايته، وشخصياته، ومواقعها، وهو ما يتكرّر في الفصل قبل الأخير (29)، فيتتبع مصائر شخصياته، ولا يتركها حرّة طليقة. وهي تقنية جديدة فالفصل الثاني بمثابة «الفرشة» للرواية كلها، والأخير أشبه بـ"الغطاء".

فنرى الراوي يتخلّى عن حياديته في السرد، ونرى تداخلات بدءًا من توجهاته للجمهور/القارئ بنصائح من قبل: احترس/اسمع/لا تنتبه كثيرًا لحركة يديه/لا تستغرب/دعك منه/اقترب بخفة/ادخل الآن مرفوع الرأس/لا تجلس بجواره/لا تركب معه... إلخ). كما يكشف عن راويه الحقيقي، وعلاقته بالضابط، والذي في ظني هو بمثابة الراوي القرين، وإن كان قرينًا متنافرًا حيث يدخل معه في حجاج كثير. وهو ظاهر في تبديل مواقع الضمائر، فمع أن هناك راويا غائبًا يسرد عن أبطاله «يمسح شاربه بأناقة كما يليق بزعيم حقيقي فاجأته الكاميرا»، إلا أن الأنا تتقاطع معه «لديّ مرشدون أكثر من الهم على القلب ....طرت إلى الفيلسوف»، وفي لحظة تتحوّل الأنا إلى مخاطب "وجدْتَ نفسك متهمًا بالاستعمال المُفرِط للقسوة، بجريمة تعذيب لا تسقط بالتقادم".

الرواية في خطها العام أشبه بسيرة ضابط بكل انتصاراته وإحباطاته (على الأقل في نظر أبيه الذي يسخر منه دومًا) مع عالم المجرمين، وكيف أنهم الأذرع الخفيّة التي يتمّ بها فعل أيّ شيء، لرجال السلطة باعتبارهم عيونًا، ولذوي النفوذ ورجال الدولة باعتبارهم الحصن والحمى.

تقترب من العالميْن معًا عالم رجال الشرطة وصراعهم مع بعضهم البعض، على النفوذ والمناصب، ونيل الرضا، وصراعهم مع دولة المرشدين، وعن نزواتهم وعلاقاتهم بالراقصات والمنحرفات وتجار المخدرات، وحالات الابتزاز التي تمارس عليهم ويمارسونها على غيرهم، وأيضًا هزيمتهم تارة مع كبرائهم ومع منتحلي المهنة الذين يمارسون الحيلة ويندسون وسطهم دون أن يكتشفهم أحد، ثم مراوغات المرشدين ومكائدهم التي انتهت بالضابط فجنون إلى التقاعد بعد اتهامه بممارسة القسوة.

12