وحيد بلعوس وصرخة العقل بين الوادي والجبل

الأحد 2015/02/22
بلعوس شيخ درزي سوري يعكس أزمة انتفاضة الشعب والتطرف والأقليات

خمسينيٌّ بشارب كث وطويل، يرتدي لباسا أسود يميز رجال الدين الدروز، ثقافته من ثقافة الناس وهذا ما يعرفه المرء من كلماته وطريقته في التعبير، ولكنه يعرف أحكام الدين ووجع الناس. يشكك به الكثيرون مدعين أنه كان أقرب إلى السلطة رغم تعميق الشقاق معها، وهناك من يرفضه عقيديا لكونه ينطلق من الديني في التعبير عن مشكلات مدينته السويداء وآلام سوريا. بينما يعتقد كثيرون أنّ ظاهرته لن تعمّر كثيراً. ونضيف، لم يسمع أحد بالشيخ وحيد بلعوس في السنوات الثلاث الأولى للثورة، ولكن ومنذ قرابة ستة أشهر بدأ نجمه يضيء سماء جبل العرب، وصار له أتباع في كافة بلداته وليس في بلدة المزرعة التي “دارته” فيها.


الشيخ المعزول


بروز الشيخ وحيد كجماعة مسلحة وبتوجه ديني لصالح المدينة ولكن بروح لصالح سوريا كما يُعرّف عن نفسه تباعاً، جاء على خلفية فشل المعارضة في جذب أهل المدينة إلى الثورة، وفشل النظام في تجييش المحافظة إلى جانبه، ورفض آلاف الشباب المشاركة في الخدمة الإلزامية ضد الثورة.

لم يعلن انضمامه للثورة، ولكنه انتقد ممارسات النظام، ونشر بذلك نصا طويلا مؤخرا وحمّله مسؤولية الفساد وإهانة كرامة الناس وعدم معاقبة القيادات الأمنية على سوء علاقتها بأهالي السويداء، وطالت كلمته الإشارة إلى معتقلي المحافظة وشهدائها وإلى سوء المعاملة بالجيش للضباط وصف الضباط؛ انتقادات بلعوس لم تصل لإسقاط النظام، ولكنّه يحذر النظام من الإمعان بالإساءات للشعب؛ وهو ما يذكّر بخطاب أهل درعا بعد حادثة الأطفال؛ فحينها طالب أهالي درعا بالاعتذار عن اعتقالهم وإطلاق سراحهم واعتقال عاطف نجيب المسؤول الأمني فيها؛ ولكن النظام رفض كل ذلك، وهذا ما دفع الأمور نحو الأسوأ، وحينها بادر النظام إلى الحل العسكري لإسكات أهل تلك المدينة، وهذا الحل الوحيد الذي اختاره النظام وليس بحوزته سواه، قاد كل سوريا إلى الثورة وتطورت إلى أشكال عديدة، وها هي تقترب من عامها الخامس.


دائرة الطوائف


نوقش ويتجدد النقاش في سوريا، عن أشكال مشاركة الأقليات الدينية. غالبا تستكين الأقلام إلى ما يشبه المسلّمة أن الأقليات لم تشارك بالثورة ولو شاركت لحُسم الصراع ولسقط النظام. هذا الجدل يتجاهل عادةً عدم مشاركة حلب أو دمشق بشكل واسع، وكذلك أحياء في مختلف المدن السورية؛ طبعاً ليس سوى “الموتور” من يغلق الحوار الجاد؛ الحديث هذا لم يناقش جدياً لماذا فئات اجتماعية متعددة الانتماءات الدينية بل والطبقية لم تشارك بالثورة؛ وعكس ذلك شاركت فئات متعددة الانتماءات بالثورة، بل وحتى طبقية كذلك.

النظام الذي يأمر مشيخة العقل الدرزية كما يأمر كافة المؤسسات الدينية في سوريا أرسل تلك المشيخة إلى وحيد بلعوس لتطويعه، وإفهامه أنه تجاوز الحدود الحمراء، فرفض بلعوس هذه الموقف، فكان الرد الفوري صدور قرار من مشيخة العقل بإبعاده دينيا

لا جدال في أن الأقليات المسيحية والإسماعيلية والدرزية والعلوية والشيعية وسواها، كانت مشاركتها بالثورة خافتة ومحدودة وإذا ارتفع عدد المشاركين في سنتها الأولى، فإن هذا العدد ذاته تراجع في السنوات اللاحقة. ونضيف هنا تصاعد الشكوك حول انتصار الثورة؛ قصدت من التوسع في هذا التوضيح إظهار تعقد قضية المشاركة أو الإحجام عنها، أو تبدل المشاركة ذاتها، لأصل إلى فكرة أن قضية المشاركة وعدمها لم تقرأ أبداً بشكل موضوعي، ومن هنا ساد تعميم واتهام للأقليات بأن النظام حاميها وهي خاضعة له، وأن الأكثرية ثائرة والنظام يريد إفناءها وأن الأقليات لا ترفض ذلك.

نعم يمكن القول إنه لو شاركت الأقليات لانتصرت الثورة، ولو شاركت دمشق وحلب لانتصرت الثورة؛ وهناك أسباب كثيرة وعديدة لعبت درواً رئيسياً في عدم الانتصار. تحديدنا لموضوع مقالنا أو الكلام في هذه القضية بالتحديد من الخطأ أن يتجاهل ما أشرنا إليه، وإلا ستذهب القراءات نحو قراءات طائفية للمسألة أو قراءات غير موضوعية. ويمكننا القول تندر القراءات الموضوعية للثورة السورية.

ولكن لماذا لم تشارك الأقليات في الثورة؟ هل لأن النظام فعلاً يمثلها؟ أم لأنها ليست ثورية؟ وهل مشاركتها الضئيلة متناسبة مع حجمها العددي؟ ثم هل طرح القضية وفق هذه الأسئلة خالٍ من الصياغات الطائفية؟

أولاً لنتذكر ما أشرنا إليه أعلاه حول كيفية مشاركتها ومسار تلك المشاركة، وثانياً هناك صراع الثمانينات والذي لم يغلق أبداً؛ وبقي تحت الرماد أي في الوعي، ويتضمن أن النظام حارب الإخوان المسلمين وهم أعلنوا أنهم يريدون بناء دولة إسلامية، وهذا سيشكل تسلطاً وتشدداً دينياً على تلك الأقليات؛ هذه الفكرة عمل النظام على تنشطيها حالما بدأت الثورة، ولم تتوسع بعد، وحالما ظهر له أن الأقليات تشارك في حمص واللاذقية والسويداء والسلمية والقامشلي، تنبه النظام باكراً إلى خطورة توسع الثورة، وعمل بالوقت عينه على تهديد كبار التجار ورجال الدين وأئمة الجوامع، ودفعهم لاحقاً إلى اللجوء، وكان ذلك بمثابة شطب الأهداف الأولى للثورة أي الشعب السوري واحد ولا سلفية ولا إخوان ونظام ديمقراطي لكل السورين؛ المعارضة التي استُقدمت من أميركا ومن الداخل السوري تحالفت فوراً مع الإخوان، ولم تتنبه إلى خطورة دور الإخوان وحساسية وضعهم في سوريا، وأن النظام سيستفيد فوراً من تواجدهم في المعارضة، وهذا ما كان. وهذا لعب دوراً رئيسياً في تقليص مساحة المشاركة بالثورة.

وثالثاً، ساعدت المعارضة النظام حينما فتحت أذرعها وقلبها واحتضنت بحنان وغبطة غير متناهية الإخوان، وحين اعتبرت لاحقاً جبهة النصرة جزءًا من الثورة رغم أنها تعرّف نفسها كجزء من تنظيم القاعدة. ويأتي في الإطار نفسه تصاعد الميل الطائفي والجهادي، والذي كان بدعم وتمويل من المال السياسي “الطائفي”؛ هذه العوامل حيّدت الأقليات وسكان مدينتي دمشق وحلب، وطبعاً فهذه الأحياء المهمشة في هذه المدن شاركت بالثورة.

النظام بقمعه اللامتناهي وبأيديولوجيته المستمرة وأنه حامي الأقليات إضافة إلى رداءة خطاب المعارضة وتماهيها مع فكرة أن الثورة للأكثرية الدينية أي السنّة، دفع كثيرا من السوريين للتخوف والخشية على مستقبل سوريا. وتعزز ذلك بتوسع سيطرة الجهاديين، ليتم إخراج ليس الأقليات بل وعامة الشعب من تأييد الثورة، ولتصبح أغلبية الشعب بين مهجّر ولاجئ ومعتقل ومحاصر؛ فحصاره صار من النظام ومن الجهاديين كذلك، وليفرض الأخيرون سلطة شرعية شمولية على مناطقهم تتجاوز في بعض الممارسات شمولية النظام ذاته.

انتقادات بلعوس لم تصل لإسقاط النظام، ولكنه يحذره من الإمعان في الإساءات إلى الشعب؛ وهو ما يذكر بخطاب أهل درعا بعد حادثة اقتلاع أظافر الأطفال؛ فحينها طالب أهالي حوران النظام بالاعتذار عن اعتقال أطفالهم وإطلاق سراحهم ومحاسبة المسؤول الأمني عاطف نجيب


الدروز العرب السوريون


في هذا الجو ظهر الشيخ وحيد بلعوس، ولكن لم تبرز ظواهر شبيهة لدى بقية الأقليات، ربما يعود الأمر لجغرافية المدينة حيث العزلة النسبية، وربما لتصاعد دور جبهة النصرة في درعا وتهديدها للدروز كذلك، وربما هو قلق من استنقاع الوضع السوري أكثر فأكثر، والتخوف من سقوط السلطة بشكل كامل وفوضوي وانفتاح الوضع نحو اقتتال مذهبي؛ لذلك يشكل ظهور بلعوس ضرورة محلية لتعبئة الفراغ وإسكات القلق العارم عند الأهالي لا سيما وأن صوت الثورة ومقولة أنها لكل السوريين تضاءل بشكل كبير، وحالات التآزر بين أهالي السويداء ودرعا تراجعت؛ ويعزز من ظاهرة وحيد، وبشكل جزئي، محاولة بعض المتطرفين إجبار دروز جبل الزاوية على التأسلم مراراً وفقاً لمشيئة الفصائل الإسلاموية المسيطرة على ذلك الجبل، ولتبدل سيطرتها.

الحوادث التي شاركت بها جماعة بلعوس بقوة السلاح هي حوادث جزئية، ولكنها شديدة التأثير، حيث صفع ضابطاً حينما تلاسنا، وهدم حاجزا للأمن ولكن النظام أعاد بناءه، وساهم في منع إجبار بعض الشباب على الالتحاق بالخدمة الإلزامية وأشرف على توزيع بعض المواد كصهاريج المازوت للمواطنين لمنع التلاعب والفساد، وساهم في معركة داما ضد فصائل متشددة حاولت السيطرة عليها، وتصاعد خطابه الرافض لسياسات الأمن في مدينة السويداء، وهكذا.

النظام الذي يأمر مشيخة العقل كما يأمر كافة المؤسسات الدينية في سوريا أرسل تلك المشيخة إلى وحيد بلعوس لتطويعه، وإفهامه أنه تجاوز الحدود الحمراء، وأن وجود بعض السلاح وتشكيل جماعة مسلحة ليست مشكلة، وإنما المشكلة حينما تستقل بذاتها، وتطلق انتقادات قوية للسلطة، وتحمل مضموناً أن السلطة هي السبب فيما حصل ويحصل في سوريا. طبعاً رفض بلعوس هذه المواقف، ونشر كما قلنا موقفاً يوضح رأيه ويحمّل النظام المسؤولية. الرد الفوري كان صدور قرار من مشيخة العقل بإبعاده دينياً هو ومجموعته وهناك عدة بيانات تخصه تلي الإبعاد وتسبقه! وهذا يعني منعه من الدخول إلى المجالس واعتباره شخصاً عاقاً والتشهير به، وربما لاحقاً تصفيته.

إذن لم يتم التساهل مع الظاهرة حينما بدا أن ساعدها يشتد، ولكنها أيضاً تركت للتوسع؛ فبلعوس، ولأنه يعي ظروف الجبل جيداً ويبدو أنّه يتقن العمل السياسي بعفوية، قد زار مشيخة العقل بعد قرار الإبعاد ليظهر الولاء أمام أهل الطائفة، وأنه لا يقصد أبداً إدخال المدينة بمشكلات. لكن الواقع أن بلعوس ليس معنياً بتلك المشيخة المتقادمة، بل وربما هي فرصته التي تعني مدِّ صلات شعبية كبيرة إلى كافة قرى السويداء، ومن هنا نرى الموقف المنحاز له فور صدور قرار الإبعاد، حيث احتشد جمع من الناس لمؤازرته.

الثورة وهي تقترب من عامها الخامس، وتنتج ظاهرة جديدة اسمها وحيد بلعوس، يعني أنها في مأزقٍ كبير وأن سوريا تذهب نحو أسوأ الخيارات، أي الحروب الطائفية المتنقلة بين المدن

لن نناقش هل الديني ثوري، أو أنه محافظ دائماً، فهذا نقاش فاسد في طريقة النقاش. فالديني حينما يشارك بالثورة يُقرأ من زاوية برنامجه والشرط الذي دفعه للمشاركة وهكذا، أما مصادرة مشاركته بحجة أنه ديني فهذا من الخطأ بمكان. وعكس ذلك الطائفي، فهو لا يقيم وزناً للأوطان ولا تعنيه أبداً ولا تعنيه الثورة ذاتها، هو معنيٌ فقط بإنجاح مشروعه وتطييف كل المجتمع والدفع به نحو حروب متتالية إلى أن ينهك المجتمع ويحدث تدخلاً ما فيوقف كل ذلك.

بلعوس ورغم تأكيده على البعد الوطني لحركته، وإن أخفق في أن يقنع البعض بها، فإنه تقدم الجهاديات وحتى الحركات التي تستند إلى الدين بالعموم وليس بالضرورة أن تكون طائفية، يعكس تراجعاً في البعد الوطني، ولكنه يوضح أيضاً خطورة ذلك على مستقبل سوريا.

إن تغييب الهوية الوطنية كان رد فعلٍ على احتكار النظام للوطنية، وكل مفهوم احتكره النظام احتقره الشعب. هذا لم يكن أمراً إيجابياً أبدا.

الثورة وهي تقترب من عامها الخامس، وتنتج ظاهرة جديدة اسمها وحيد بلعوس، يعني أنها في مأزقٍ كبير، وأن سوريا تذهب نحو أسوأ الخيارات، أي الحروب الطائفية المتنقلة بين المدن، وتكريس ذلك كما تم باسم الحرب على الإرهاب، ونتيجة ذلك يتمدد داعش والنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرهم، وتظهر هذه الجهاديات وكأنها هي من قام بالثورة وهي من تصارع النظام.

إذن فالآراء متناقضة عن الشيخ بلعوس، وهو يعرف ذلك، ويحاول جاهداً التحرك بحقل من الألغام. يجلس الشيخ وحيد مفكراً في أواخر الليل: هل سيساعدني الله في تجاوز هذا الحقل؛ فشيوخ العقل الذين نسيهم الله في الأرض يضغطون والنظام أصبح يصنفني عدواً، وإن لم يطلق الرصاص نحوي إلى الآن، والمعارضة منقسمة، فمنهم من يعتبرني عميلاً ومنهم من يعتبرني طائفياً، ومنهم من يعتبرني غيمة صيف وستزول؛ الحقيقة أنا شيخ يخاف الله كثيراً، وأحاول أن أعبر عن الألم الذي تعيشه محافظتي فقط؛ فهي تضم طائفة صغيرة، وقد تتعرض لهجوم جهادي شرس، وقد يسقط النظام فمن سيحمي الخلق والأعراض. ربما عليّ النوم الآن، فغداً سنرى ماذا لدى جماعتي من أفكار، فربما نجد مخارج لطريقنا الوعرة، التي أجبرنا على السير بها، ينهض الشيخ، يطفئ نور الكهرباء، ويتمتم ببعض الدعاء للإله عساه ينير خطوته غدا.

8