وحيد بن بوعزيز: المثقف البروميثيوسي هو من سينقذ بلدان الجنوب

الباحث الجزائري يؤكد أن الاستعمار خلف نمطا إنتاجيا اتسم بالتبعية المطلقة، وأن العالم العربي يحتاج إلى سواعد فكرية تعيد بناء صرحنا الحضاري الضائع.
الاثنين 2020/02/10
مسألة معقدة جدا لأنها مشروطة بأوهام كبيرة

يعتبر وحيد بن بوعزيز من القلائل في الجزائر الذين كرسوا أبحاثهم لمجال الدراسات الثقافية التي تعنى بالموروث الثقافي والفكري، وقد أنجز العديد من المؤلفات والأبحاث في هذا المجال، حاول من خلالها أن يستقرئ الخلل والإشكاليات والجدل والصراعات التي طبعت حركية النخب في فهم التحولات التي مرت بها الجزائر خلال حقب مختلفة. “العرب” التقت الباحث في حوار حول بعض هذه المسائل وغيرها من القضايا.

لا يمكن حسب الباحث وحيد بن بوعزيز النظر إلى مسارات النخب والكتاب والباحثين في حقول المعرفة والعلم والفلسفة على أنها “حالة قبلية؛ إن المسار مسألة انوجاد دائم”.

يقول بوعزيز “أنا مثلا ما زال أمامي الكثير لكي أتحدد، وأسئلة الزمن التي تأتي من المستقبل كفيلة بأن تجعل الجواب عن السؤال صعبا إن لم يكن مستحيلا. ولكن سنجاري اللغة لكي أقول إني سعيد بتواجدي بين أحضان الفكر. جئت إلى الأدب والفكر بإرادتي الحرة، يعني لم أسقط في هذا العالم بالمصادفة”.

يضيف الباحث الجزائري “المسار كونه رمزيا بامتياز، عالم تخييلي استعاري وهو ما يجعلك دائما يقظا لأن التخييل هو عماد التأويل. وأنا أوافق هنا رأي الكثير من الفلاسفة الذين يرون أن الأدب منقذ للبشرية من استلاب حضارة التقنية التي مزقت القيم الإنسانية وحولت لنا العالم إلى بعد واحد، إنه عالم مفروغ من سحره”.

المثقف البروميثيوسي

هنالك تحالف رهيب بين الجماعات المهيمنة والجهل
هنالك تحالف رهيب بين الجماعات المهيمنة والجهل

يشتغل الباحث وحيد بن بوعزيز على حقل هام جدا، وهو حقل الدراسات الثقافية الذي يعتبر من المجالات التي تحتاج كما يقول إلى “الاشتغال على حقول متعددة ومتباينة أحيانا، فالتداخل سمة طبعت المعارف ما بعد الحداثية التي تحاول تجاوز الهويات العلمية الضيقة. حينما دخلت الجامعة وجدت بأن التخصص حجّم حرية الانتقال بين المعارف الإنسانية، واكتشفت بأن التخصص أداة من أدوات الأجهزة الأيديولوجية للسلطة لكي يبقى الباحث رهين عقل ذري متهرئ”. وهذا التوجه جعله يلتقي كما يقول “مع أصدقاء من تخصصات أخرى مثل الفلسفة وعلم الاجتماع، وكنت أشعر بوجود لغة أو سنن يسري بيننا، لم أشعر بأن بيني وبينهم سور الصين العظيم، لهذا رحت أتفتح على تخصصاتهم ووجدت بأنني أقرأ الأدب بطريقة أكثر ثراء وغنى”.

من هنا يقول بن بوعزيز “دَرَّسْتُ مادة الأدب الحديث والجزائري بقسم اللغة الإنجليزية حتى اكتشفت الدراسات الثقافية، كان قسم الأدب العربي حبيس الدراسات التقليدية أو المقاربات النسقية الجافة، ولكن قسم الإنجليزية عرفني على كبار النقاد الثقافيين فاكتشفت ميدانا نقديا متنوعا لا يؤمن بالحدود بين المعارف وأهم ما فيه فكرة النضال التي أقبرت تماما في المناهج المحايثة”.

ويرى أن “الدراسات الثقافية أضافت له الكثير، فرغم اختلاف منطلقاتها وتوظيف بعض اتجاهاتها نحو خدمة مصالح الطبقات المهيمنة إلا أن فيها سلاحا معرفيا مقولاتيا يسمح بتفكيك المركزيات وفضح السرود الكبرى الصانعة للإمبراطورية”.

الأدب منقذ للبشرية من استلاب حضارة التقنية التي مزقت القيم الإنسانية وحولت العالم إلى بعد واحد

برأي الباحث فإن مسألة المثقف هي “مسألة معقدة جدا لأنها مشروطة بأوهام كبيرة، وأعتقد أن كل محاولة تخرج دراسة المثقفين كجماعة أو كطبقة من المقاربات التاريخية أو السوسيولوجية، هي محاولة ستبوء بالفشل. نقرأ عند بعض المفكرين العرب المتأثرين بما بعد الحداثة نقدا للمثقف الملتزم أو العضوي واحتفاء بنهاية المثقف الداعية، ولكن ننسى أن هذا الكلام مجرد إسقاط مقولاتي على سياقنا العربي المختلف. ظهرت مقولات نهاية المثقف في الغرب بسبب نهاية وفشل اليوتوبيات اليسارية وبسبب بوادر انعدام الغائية في عالم يتجه نحو الإنسان ذي البعد الواحد، إننا أمام عالم في حالة انحلال”.

ويعتقد بأن العالم العربي “يعيش وضعا مختلفا، يحتاج إلى سواعد فكرية تعيد بناء صرحنا الحضاري الضائع، لهذا أعتقد أن مقولات المثقف العضوي الذي يساهم في تدعيم كل المبادرات السياسية التنويرية هي مقولات آنية”.

في السياق نفسه يقول “هنالك نوع من المثقفين لا يكاد يذكر وهو ما يمكن أن نطلق عليه المثقف البروميثيوسي، ذلك المثقف الذي ينشأ جنوب المعمورة ويكرس حياته لسرقة ‘نار معارف‘ آلهة الشمال لكي يستفيد منها العالَم الفقير والجائع والتابع. هذا المثقف يعيش آلاما شديدة لأن كبده يحترق من طرف جماعته النافية له ومن طرف الغرب المتخوف منه. مثقف يعيش غيابا مزدوجا، هنا وهناك، وأفكاره حبلى بالحضارة المؤجلة”.

الفكر الجزائري

الأدب منقذ للبشرية من استلاب حضارة التقنية
الأدب منقذ للبشرية من استلاب حضارة التقنية

يشير الباحث وحيد بن بوعزيز إلى أن “الساحة الثقافية الجزائرية لم تكن عقيمة يوما، فتاريخ الجزائر حافل بالمبادرات الثقافية ذات الفعالية، المشكلة أنها مبادرات تأسيسية لم تتمأسس، ولكي نفهم سبب غياب ذلك الزخم الذي كانت عليه، لا بدّ أن نعود إلى الظروف التاريخية التي تكونت فيها النخبة الجزائرية، فانعدام الحواضر الثقافية في فترة حكم الدولة العثمانية، والنظرة التي كان ينظر إلينا على أساسها أنها إيالة، ومرورنا تحت نير استعمار استئصالي استيطاني، و‘البقرطة‘ التي دخلت فيها الجزائر بعد الاستقلال بسبب سياسة شعبوية مقيتة، جعلت المثقف الجزائري يعيش الحواف والهوامش”.

ويتابع “لم يستطع المثقف الجزائري أن يعيش شرطه الحضاري بسبب هذا التاريخ الذي لم يكن في صالحه، لم تكن الثقافة يوما جوهرية في المشاريع السياسية بُعيد الاستقلال لأنها مسيسة وفق نمط شعبوي فلكلوري هزيل، ومن الناحية السوسيولوجية لا يمكن أن نتحدث في الجزائر عن طبقة مثقفة أو جماعة ثقافية ‘أنتليجانسيا‘ لأن السلطة السياسية استماتت في محو هذه الطبقة تحت غطاء شعبوي”.

وعن مقاربته للسلطة وسط هيمنة السياسي والديني على المجتمع والقرار، وبعد المثقف عن كل ذلك، يقول بن بوعزيز إن السلطات بكل أشكالها كانت دوما “تتخوف من المثقف الحقيقي، لأنه جدير بتبديد كل الأساطير والخرافات التي تخدم وتؤبد مصالح الطبقات والجماعات المهيمنة داخل المجتمع. هنالك تحالف رهيب بين الجماعات المهيمنة والجهل، لهذا فكل محاولة لفضح هذا التحالف ستحارب بقوة”.

وفي تحليله للثورة السلمية التي حدثت يوم 22 فيفري من العام الماضي بالجزائر يشير الباحث إلى أن أيّ حركة احتجاج لا يمكن التنكر لها. متابعا “على الرغم من الطابع الفابي (نسبة إلى الفابية) السلمي للحراك الجزائري فإنه استطاع الإطاحة بعصابة جعلت البلد في حالة سبي”. ويقول لا بدّ “أن يضع المرء أمام عينيه فكرة الثورة الدائمة ولا بدّ أن يوسع الوعي الحراكي دوائر مطالبه، فنحن أمام وضع لا يتوقف عند حدود السياسي”.

إننا أمام عالم في حالة انحلال
إننا أمام عالم في حالة انحلال

ويعود إلى حقبة الاستعمار التي حسب رأيه “تركتنا، كحال الشعوب الأخرى، في وضع لا نحسد عليه، وعملت على زرع طبقة بورجوازية كمبرادورية في بلادنا خلفت نمطا إنتاجيا كولونياليا اتسم بالتبعية المطلقة، لهذا فإن المشكلة لا تكمن فقط في عصابة تنهب ثروات بلادها بل الخطر يكمن في الشركات العابرة للقارات الخادمة لليبرالية الجديدة”.

من جهة أخرى يعتقد أن “الاحتجاج الحراكي بقي عندنا في حدود المطلبية لأنه لم يخرج رؤوسا قيادية تنقذه من العدمية السياسية ومن الأناركية البدائية أو مما يسميه فرانز فانون “الثورة العفوية”. إن هذه الحالة جعلت القوة الحراكية تتحول إلى نزعة مؤدلجة يمكن تسميتها بالحراكوية، وهي نتاج وعي زائف بحيث تغيرت اللحظة التاريخية قليلا، ولكن الوعي لم يستطع مواكبة هذا التحول فانغلق في فكرة أحادية”.

يرصد الباحث وحيد بن بوعزيز خمسة مواقف من الحراك وسمت وطبعت آراء النخب، يقول “هنالك نخبة صامتة لم تدل بأي تصريح ولكن نستطيع فهم موقفها من آرائها المناضلة السابقة، وسبق لهذه النخب أن عاشت الخيبة، لهذا فهي تعيش اللاجدوى. الموقف الثاني هو موقف المثقف الشعبوي الذي لم يضع مسافة بينه وبين الحراك، بل راح يشارك في مطارحات دونكيشوتية جريا وراء أوهام هوياتية تخدم العصابة أكثر ممّا تخدم مصالح الحراك. موقف ثالث وصولي كان ينتظر الوثبة الذهبية لكي يتموقع من جديد. موقف رابع انخرط في الحراك وحاول يوميا قراءته بمقاربات في الكثير من الأحيان حصيفة، وللأسف لم تتوفر لهذا النوع من النخب منبر إعلامي كبير. وموقف خامس يذكرنا ببومة منيرفا التي تحدث عنها هيغل، ينتظر انتهاء المعنى التاريخي للحراك لكي يحوصل ويركب ديالكتيكيته”.

15