وحيد خليلوزيتش أسر قلوب الملايين في الجزائر والعالم العربي

السبت 2014/08/16
خليلوزيتش محارب بالبندقية من أجل بلاده ومروض للمستديرة في الملاعب

الجزائر- سواء رحل خليلوزيتش أو بقي على رأس كتيبة “محاربي الصحراء”، ولو أن الخيار الثاني هو الأقرب، بعد أن طلب الرئيس بوتفليقة من رئيس الاتحاد محمد روراوة إبقاء الرجل، وهو الذي لا يردّ له طلب ولو تعلق الأمر بكرة القدم. فإن الفرانكو بوسني، استطاع بدهائه ربح قلوب الجزائريين وملايين العرب، كما ربح معركة الميادين. وكان استقباله في العاصمة الجزائرية، استقبال الملوك، فالشارع ردّد “الله أكبر خليلوزيتش” والنسوة زغردت له في الشرفات، والجميع قال: “خاليلوزيتش يجب أن يبقى معنا”.


حرب البوسنة


هو وحيد خليلوزيتش، البوسني الذي شردته الحرب، ولمع نجمه في ملاعب فرنسا وتركيا ودول البلقان، وكتب تاريخه مع كتيبة محاربي الصحراء في مونديال البرازيل، وصار ملكا دون تاج، تخرج الجماهير لتحيته وتتحد على قلب رجل واحد، من أجل بقائه معهم قائدا لمنتخبهم وصانعا لفرحتهم. وهو التعاطف الذي لم يحدث من قبل لا مع سياسيين ولا مع مثقفين ولا مع فنانين، إلا مع خليلوزيتش.

وحيد خليلوزيتش الذي رأى نور الحياة في 15 مايو 1952، بمنطقة جايلانيكا في البوسنة والهرسك المعروفة بتمردها أيام الحرب على الشعب البوسني المسلم. لم يكن يعلم في طفولته ما تخفيه له الأقدار من نجومية وأضواء. لكن شغفه بتشي غيفارا وفيدال كاسترو ظهر في سنوات طفولته الأولى، حيث ترعرع في أحضان عائلته، وكان مقربا من والدته التي كانت

ترعاه طول حياتها من أجل أن تجعل منه إنسانا مثقفا وناجحا في حياته الدراسية، لأنها كانت تؤمن بأن المستقبل المشرق والطريق الواعد يمر عبر الاجتهاد في المدرسة.


هوس اللعبة


لم يذهب إصرار والدته سدى حيث استطاعت إنقاذ مشوار ابنها الدراسي، بالتحاقه بمدرسة الهندسة الكهربائية في سن الرابعة عشرة، وكانت ترى في المدرسة فرصة مهمة من أجل التخرج بديبلوم يكفل له الحصول على فرصة عمل في أحد مصانع البلاد، أو في أحد بلدان الجوار، ما دامت الحرفة مطلوبة بكثرة، فقرر الشروع في ممارسة الكرة، وانخرط في فريق توربينا، في المدينة التي يقيم بها، لكن لسوء الحظ لم يلعب أي مباراة معه، وظل خارجا لمدة طويلة عن التعداد.

سرد خليلوزيتش لمجلة دوني في العام 2002 سيرته في عالم الكرة الساحرة، معترفا باستغراب شديد، أن أول لقاء له كان ذات يوم أحد وكان ممطرا، وقال: “كنت جد غريب لم ألمس الكرة ولو مرة واحدة، ولم أتمكن من التحكم فيها وكنت أركض وراءها فقط”. وأضاف: “بقيت ألعب بشكل سيء لمدة سنتين، وضيعت وقتا كبير ا ولم يكن أحدا يعتقد أنني سأصبح لاعبا وهدافا محترفا”.

حب خليلوزيتش للكرة جنوني يقول عنها: في الصباح عندما تستيقظ يجب أن تقبل زوجتك، وكرة القدم معها أيضا، لأنها مصدر رزقك، ولا تعرف ما الذي ينتظرك في المستقبل


اليد على البندقية والرجل على الكرة


بعدها قرر وحيد ترك دراسته بعد أن فتحت له المستديرة الساحرة أبوابها، ووقع على أول عقد احترافي، وتخلى عن حلم المهندس الكهربائي الذي كان يراود والدته، ووجهت له أول دعوة لتمثيل المنتخب اليوغوسلافي سنة 1976 وكان يبلغ من العمر حينها 24 سنة.

وكان وحيد الذي جمع الكثير من المال في رحلته بين أقوى أندية الدوري الفرنسي، أول ضحايا حرب البوسنة حيث خسر كل ما جمع بين عشية وضحاها، يقول: “قبل هذه الحرب اللعينة كنت واحدا من أغنى الرجال في موستار، ثم ذهب كل ذلك في يوم واحد، منها منزل من 500 متر مربع، وكان علينا أن نذهب إلى باريس، وكان أربعة منا ينامون في غرفة واحدة صغيرة ورأيت أنه يجب عليّ بدء حياة جديدة”.

ويبدو أن خسارة كل شيء في يوغسلافيا السابقة جعلت وحيد يقرر بدء مسار التدريب، لكن البداية من الدوري الفرنسي كانت صعبة حتى على أحد أفضل نجومه بسبب عائق الجنسية. وقال: “قررت أن أصبح مدربا، ولكن سرعان ما أغلقت الأبواب في وجهي لأنه لم تكن لديّ الجنسية الفرنسية”. ويضيف: “كانت الوضعية جد صعبة، فالأطفال صغارا ومصابون بصدمات نفسية، لكنني تمكنت من العمل”.

خليلوزيتش بطل ميادين اللعبة الساحرة، حارب بالبندقية من أجل بلده وشعبه، وسخّر أمواله من أجل إنقاذ المشردين من أبناء وطنه. ويروي سيرته قائلا: “وقعت لي الكثير من القصص في الحرب، وباعتباري كنت مشهورا كلاعب كرة قدم سابق، فإني تعرضت للعديد من محاولات القتل، حيث تعرض منزلي للتفجير بالقنابل وللقصف من الطائرات، كما جلب المحتلون قناصة لاغتيالي ولكن لحسن حظي نجوت من كل ذلك ولازلت على قيد الحياة إلى يومنا هذا”.


نضال للبقاء


ويبقى وحيد ممتنا أشد الامتنان لكرة القدم التي منحته كل مرة ولادة جديدة وصنعت منه مغامرا ناجحا ونجما كبيرا، يقدس اللعبة الساحرة كما يقدس أقرب الناس إليه وهو القائل: “كرة القدم هي الحياة المقدسة بالنسبة إليّ، وأنا ممتن لها لأنها ولدتني من جديد كلما كدت أختفي”. وحب وحيد للكرة جنون ويقول عنها ناصحا: “في الصباح عندما تستيقظ يجب أن تقبل زوجتك، وكرة القدم معها أيضا، لأنها مصدر رزقك، ولا تعرف ما الذي ينتظرك في المستقبل”.

تحول خليلوزيتش الى أسطورة نادي 'فيلاز موستار' لاعبا ومديرا في العام 1990 ورغم أن حياة اللاعبين قصيرة في الملاعب، ولا تتعدى الثلاثين، لكن وحيد لم يعتزل اللعب إلا في سن 35 عاما

تحول إلى أسطورة نادي “فيلاز موستار” لاعبا ومديرا في العام 1990. ورغم أن المختصين يقولون إن حياة اللاعبين قصيرة في الملاعب، ولا تتعدى الثلاثين، لكن وحيد لم يعتزل اللعب إلا في سن 35 عاما، وهذا أقصى سن يمكن أن يصل إليه المهاجمون، حيث أنهى مسيرته كلاعب سنة 1987 مع فريق “البي آس جي” الفرنسي في لقاء أوروبي، وودع الملاعب وهو أحد أفضل المهاجمين في أوروبا، ولازالت معدلاته من بين الأفضل، حيث سجل خاليلو 28 هدفا مع نادي نانت، ويكفي أن المهاجم الذي عانى مع قوانين الاحتراف اليوغسلافية تقلد سنة 1985 الحذاء البرونزي الأوروبي وخرج من الدوري الفرنسي وهو أفضل لاعب أجنبي مرتين سنتي 1984 و1985.

وعاد وحيد بعد حرب البوسنة للدوري الفرنسي، وكان عليه أن يكون مدربا في مستوى إنجازاته كلاعب، فمثلما تدرج كلاعب من ناد صغير، كان عليه صعود سلم التدريب من ناد صغير أيضا، كما يفعل المدربون الكبار. فبدأ وحيد من نادي “بوفي” موسم 1993-1994 الذي كان يناضل من أجل البقاء في الدرجة الثانية في الدوري الفرنسي، وهو ما تحقق في النهاية.


بطالة النجم


بعد تجربة “بوفي” بقي وحيد في بطالة إجبارية لثلاث سنوات حيث لم يتصل به أي ناد، وانتظر دون جدوى التفاتة من النادي الذي صنع مجده في الثمانينات، وأدرك أن الأمور صعبة في فرنسا بسبب الجنسية والدين، لكنه لم ييأس وسعى للحصول على مبتغاه بتحصيل شهادة المدرب المحترف من أحد المعاهد الرياضية المختصة، وهي “شهادة الدراسات الاحترافية في كرة القدم”، وهي أحد أرقى الشهادات في العالم لما تتمتع به فرنسا من مستوى عال في التكوين والتدريب، وظل وحيد ينتظر عرضا وُعد به من مسؤولي نادي “نانت”.

وفي 1996 اتصل به أحد أساطير نانت وهو هنري ميشال، الذي عرض عليه خلافته في الرجاء البيضاوي المغربي، ورأى أن هذا أفضل من انتظار عروض في فرنسا.

وقع خليلوزيتش ضحية لحرب البوسنة ويقول عن هذا 'باعتباري كنت مشهورا كلاعب كرة قدم سابق، فقد تعرضت للعديد من محاولات القتل، حيث تعرض منزلي للتفجير بالقنابل وللقصف من الطائرات، كما جلب المحتلون قناصة لاغتيالي ولكن لحسن حظي نجوت من كل ذلك ولازلت على قيد الحياة إلى يومنا هذا'

ورغم الجحود أبدى وحيد تسامحا مع ناديه السابق وأجاب لما سئل عن ذلك التنكر وما حدث عقب مواجهة نادي نانت عندما كان مدربا لنادي ليل “إنها عائلتي ولن أنسى أن نانت احتضنتني أنا المسلم الذي جئت من البوسنة”.

وشكلت التجربة المغربية فتحا كبيرا لوحيد نظير النتائج الباهرة التي حققها مع الرجاء، وفتحت له أبواب فرنسا على مصارعها، ليبدأ تجربة جديدة مع نادي “ليل” ونجح في نقله من الدرجة الثانية إلى رابطة أبطال أوروبا في ظرف ثلاث سنوات، بفضل فلسفته العملية وهو الذي يلقب في باريس بـ “الساحر البوسني” و”فيلسوف التكتيك” وصار يقارع النوادي الأوروبية الكبيرة، ولعب عدة نهائيات قارية، منتزعا في العام 2001 اعترافا من الاتحاد الفرنسي “أن وحيد خاليلوزيتش أفضل مدرب في الدوري الفرنسي”.

وبعدها قرر نادي العاصمة الفرنسية “بي آس جي” في العام 2003 ، منح الفرصة للمدرب الواعد الذي اتضح أن له كلمة يقولها في عالم التدريب، وجاء إلى نادي العاصمة وكثير من علامات الشك تحوم حول الفريق، بفعل رحيل رونالدينيو إلى برشلونة، فحقق معه كأس فرنسا والمركز الثاني في البطولة بعدما وجده قريبا من السقوط في المركز 11 رفقة لويس فيرنانديز موسم 2002-2003.

ولأن دوام الحال من المحال فإن وحيد أقيل بعد عجزه عن الفوز في ست مباريات متتالية في الدوري ما عجل بإقالته ليعوضه لوران فورنييه المدرب الثاني للفريق، ليترك نادي العاصمة الفرنسية منتصف الموسم وذهب إلى العاصمة التركية إسطنبول حيث طرابزون سبور، الذي غادره بعد فترة قصيرة وهو متأهل لأحد المسابقات الأوروبية، إذ لم يهضم تدخلات الإدارة وعنف الأنصار، وقال: “عندما يفوز الفريق تكون جماهير طرابزون استثنائية في احتفالاتها، ولكن في حال الهزيمة أو التعثر فإنها تفقد أعصابها ويكون علــينا البحــث بســرعة عن مكان نختبئ فيه”.


ولو كان الرئيس!


في العام 2008 ذهب وحيد إلى كوت ديفوار مشرفا على منتخب “الفيلة” لمدة سنة واحدة، ومفتتحا مسيرته مع المنتخبات من بوابة أفضلها إفريقيا. وفي تصفيات المونديال حقق وحيد خمس انتصارات من ست لقاءات وتعادل في الأخير، وسجل هجومه 19 هدفا وتلقى 4 أهداف ليتأهل بفارق أهداف يصل إلى 15 هدفا، سجل خماسيتين أحدها ضد مالاوي في الافتتاح وأخرى أمام بوركينا فاسو وليواصل بثلاثيتين أمام كل من بوركينا فاسو وغينيا، وبقي وفيا لنهجه الهجومي إلى أن تَجمّع لديه 24 لقاء دون هزيمة، قبل أن يقصى على يد المنتخب الجزائري في لقاء لعبت فيه الراحة السلبية لعبتها باعتراف رابح سعدان مدرب المنتخب الجزائري، بما أن الفيلة عانوا من انسحاب طوغو ووجود فاصل زمني كبير بين مباريات المجموعة التي كانت ثلاثا فقط ولم تعوض سريعا مثلما فعل الأوروبيون سنة 1992.

محارب بالبندقية من أجل بلده وشعبه، ومحارب في المستطيلات الخضراء مع النوادي والمنتخبات، قدّس اللعبة الساحرة فأعطته النجومية وحبّ ملايين الأنصار، استطاع بدهائه الكروي أن يسحب البساط من تحت صديقه محمد روراوة الذي كان قاب قوسين أو أدنى من إقالته في “كان” 2012 ، لمّا جعل الرئاسة الجزائرية في مونديال البرازيل 2014، تتدخل لإبقائه على رأس كتيبة محاربي الصحراء.

15