وداد بوشمّاوي.. ثالثة الأثافي في تونس

الأحد 2013/08/25
امرأة الأعمال تُنبئ بالخطر الداهم

تونس – وداد بوشمّاوي رئيسة أصحاب المال والأعمال في تونس.. أضحت رقما صعبًا، لا فقط في قطاع الاقتصاد وإنّما أيضا في المشهد السياسي التونسي، حتّى وإن كانت تصرّ على غير ذلك. تلك حقيقة لم يعد يُنكرها اثنان، وما حصولها على لقب أفضل امرأة صاحبة مؤسّسة في العالم العربي، إلاّ اعترافا بجهود هذه المرأة التونسيّة بامتياز… "المرأة الحديديّة"، كما يطيب للبعض وصفها، فرضت على جموع السياسيين وأصحاب القرار في تونس بالوقوف ضرورة عند بابها… فقد أصبحت من ضرورات إيجاد مخرج للأزمة السياسيّة المتفاقمة في البلاد…

لم يكن من اليسير لـ"العرب" اجتراح ساعة واحدة من وقتها، خلال زمن الأزمة المتفاقمة في تونس، حيث ينتصب فريق نحلٍ من الموظّفين، يتسارعون إلى تنسيق حراكها الدؤوب، تيسيرًا لسُبل الخروج من حالة الاختناق السياسي من جهة، وإنقاذ اقتصاد البلاد من مخاطر الانهيار من جهة أخرى.

في مكتبها بالطابق السادس من المبنى الحديث للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة، القائم في ضاحية "حيّ الخضراء" بالعاصمة التونسيّة، لاحت رئيسة الاتّحاد وداد بوشمّاوي ودودةً وجادّةً في ذات الحين. معروفة بحزمها، فهي ممّن يقول كلمته ويُحدّد اتّجاهه ويمضي إلى الأمام. فلا غرو أنّ السلطة الحاكمة في تونس تُدرك معاني صراحتها ودلالاتها، ولاسيّما بعد أن صدعت أمام رئيس الحكومة السابق وأمين عام حزب النهضة الحاكم حمّادي الجبالي أنّ منظمتها ستبقى فوق كلّ الأحزاب والتجاذبات السياسيّة، وأنّها تتمسّك باستقلاليّتها ولا يمكن لأيّ جهة سياسيّة أن تضع يدها عليها.

وداد بوشمّاوي لم تكُن في هذا الجانب ودودة، حين أبرزت خطأ جسيما لرئيس الجمهوريّة المؤقت المنصف المرزوقي الذي استبعد اتحاد الصناعة والتجارة، خلال أزمة الحكومة السابقة، عن الحوار الوطني. أمّا السبب فهو لا يبتعد عن قصر تقدير دور الاتحاد وخاصّة التشنّج إزاء منظمة رفضت بعد الثورة وضع اليد على قرارها، وهي التي تُمثّل 24 محافظة وتضمّ 25 ألف مسؤول نقابي.


نرفض تقديم آمال زائفة


في لقائها بـ"العرب" شخّصت بوشمّاوي الأوضاع في تونس وبرّرت تراجع الاستثمارات بـ"حالة الجمود التامّ التي تشهدها البلاد"، فمن الصعوبة بمكان المجازفة باستثمارات جديدة في ظلّ حالة الفوضى السائدة على مختلف الأصعدة. أردفت بوشمّاوي إنّ "هاجسنا اليوم هو المحافظة بقدر الإمكان على فرص العمل القائمة". لم تتردّد بوشمّاوي في هذا المضمار في التوصيف السلبي للاقتصاد التونسي، قائلة إنّ "معظم المؤشّرات سلبيّة، وهذا واضح أمام الجميع ولا يحتاج إلى تدليل، وخاصّة أمام استمرار التجاذبات السياسيّة وما أدّت إليه من تشنّج وحالة ترقّب تُغالب الجميع".

وعن آفاق انتعاشة الاقتصاد التونسي، قالت "لا يُمكننا إعطاء آمال زائفة، فالوضع الاقتصادي يشهد تدهورا كبيرا، كما أنّ بنية الاقتصاد التونسي لا تُتيح له مقاومة حالة عدم الاستقرار السائدة، ولا أدلّ على ذلك من التراجع المتواتر للترقيم السيادي لتونس لدى أبرز وكالات التصنيف الدوليّة".

سألناها عمّا قدّمته وداد بوشمّاوي نفسها والفريق العامل معها إلى رجال الأعمال التونسيين منذ انتخابها على رأس "الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة" في يناير 2012، فقالت آسفةً إنّ "الاتّحاد منكبّ على معالجة المشاكل الطارئة والأزمات المتواترة بشكل يومي، ولكنّنا لم نجد من يستمع إلينا، وحتّى إن استمعت الحكومة فإنّها لا تُطبّق"، ذلك أنّ "تطوير اقتصاد البلاد يتطلّب المتابعة الدائمة واتّخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب".

رغم ذلك تدافع بوشمّاوي بقوّة عن كفاءة منظمتها، وتقول إنّ اللجنة الاقتصاديّة التابعة للاتحاد تعمل بشكل حثيث. وقد تمّ، ضمن ما يُسمّى ببرنامج 20/20، إعداد مقترحات لإصلاح منظومة الجباية تهدف إلى إرساء عدالة جبائيّة، فضلا عمّا تمّ التوصّل إليه بشأن إنجاز "العقد الاجتماعي" مع شركاء الاتّحاد.

ومع هذا تبقى هناك مشكلة أساسيّة في تونس اليوم، فمعظم النخب السياسيّة، من أصحاب القرار وحتّى المعارضة، "هاجسها سياسي بالأساس" تقول بوشماوي، "في حين يُهمّش الاقتصاد ولا يُعطيه سياسيّونا أهميّة تُذكر. وهذا خطأ جسيم، فالتراجع الاقتصادي المستمر قد يكون سبب انهيار البلاد". فالثورة التونسيّة نفسها انفجرت من جرّاء تفاقم الحرمان والاحتقان، وكان التشغيل من أبرز مطالبها. فلا أحد يُمكنه أن ينسى ذلك الشعار الرنّان الذي ردّدته جحافل المحتجّين في كلّ تظاهراتها الطوعيّة والقائل: "التشغيل استحقاق، يا عصابة السرّاق".


الإدارة تشكو أجندة النهضة


فرض علينا السؤال نفسه في هذا المضمار: ماذا قدّمت وداد بوشمّاوي إلى تلك المناطق المحرومة التي لولاها لما كانت الثورة؟ وهل قامت مجموعتها الاقتصاديّة بمشاريع اقتصاديّة في تلك المناطق؟ الإجابة كانت مختزلة، فردّت عن السؤوال بسؤال آخر لا يقلّ إحراجا: هناك قناعة بضرورة الحدّ من التفاوت التنموي الذي تضرّرت منه المناطق الداخليّة للبلاد كثيرا، لكن كيف يمكن المغامرة أصلا بإنجاز استثمارات كبرى في مناطق يغيبُ عنها الأمن وتشكو فقدان الحدّ الأدنى من البنى التحتيّة الضروريّة لإقامة المشاريع الاستثماريّة، بالإضافة إلى المشاكل البيروقراطيّة السائدة؟ على حدّ قولها.

امرأة الأعمال التونسيّة الأولى لا تلوك كلماتها حين تتحدّث عن الوضع المتعثّر للاقتصاد التونسي، إلى درجة تُنبئ بالخطر الداهم، غير أنّها تنظر أيضا إلى آفاق رحبة للحلّ في حال تمّ التعجيل بإجراء الإصلاحات الضروريّة. وهي إصلاحات تمرّ حتما من بوّابة وعي السياسيين بخطورة المرحلة، وإقلاع السلطة الحاكمة عن عقيدتها الحزبيّة في إدارة الشأن العام.

في تقديرها لا تزال تونس "تزخر بالطاقات والكفاءات، ولكن على الحكومة تحديدا إعطاء إشارات واضحة وقويّة، بهدف إعادة الثقة إلى المستثمرين، سواء من خلال توفير الأمن أو تحسين مناخ الاستثمار". الأوضاع فعلا صعبة، وتتطلّب قرارات "وطنيّة" صائبة وشجاعة. فرغم اتّسام الإدارة التونسيّة بوجود كفاءات عليا، سمحت لها عندما احتاجتها البلاد أن تقوم بدور طليعي وتقدّم كلّ الخدمات في يناير 2011، فلا أحد يُنكر أنّه لا الماء ولا الكهرباء ولا التموين انقطع عن عموم التونسيين أيّام الثورة.

رغم هذا الرصيد الإيجابي، فقد شهدت الإدارة التونسيّة، خلال الفترة السابقة، مشاكل لا يمكن حجبها عن أيّ ملاحظ بصير، فعلى حدّ تعبير بوشمّاوي أضحت "الإدارة اليوم مُكبّلة بسبب التعيينات وفق الأجندة السياسيّة والحزبيّة" لحركة النهضة. وهو ما يُعدّ "عاملا معرقلا للاقتصاد التونسي". وقد أحدث ذلك مناخا من "التخويف والقلق" من نوايا السلطة الحاكمة وممارساتها.

فقد "أرادوا للإدارة أن تنعزل". وهو ما "لا يُمكن أن يُعيد الثقة لرجال الأعمال" حسب قول وداد بوشمّاوي، دفاعا عن مصالح منظوريها من أصحاب المؤسّسات وخشية من محاصرة حزب النهضة الحاكم للمنتسبين إلى القطاع الخاص.


الوضع لا يحتمل الإبطاء…


مطالب اتحاد الصناعة والتجارة ليست نفيسة أو يستحيل تحقيقها، فهو لا يدعو في هذه الظروف إلى إجراء تعديلات جوهريّة على الاقتصاد التونسي الذي يشكو أصلا من مشاكل بنيويّة في معظمه، ولا يتيح تقديم التشجيعات المناسبة إلى الراغبين في الاستثمار.

أمّا المطالب الحيويّة اليوم فيمكن اختزالها في كلمات معدودة، حسب تقدير السيدة وداد. وتتمثّل وصفتها في تحقيق "الشرط الأوّل والأساسي" للابتعاد عن شبح الأزمة الراهنة عبر تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة وشفّافة. وممّا لا ريب فيه أنّ ذلك يطرح بالضرورة توفير الأمن قبل كلّ شيء.

وحسب رؤية بوشمّاوي فإنّ النهوض بالاقتصاد التونسي يستوجب لا محالة مراجعة التعيينات على رأس المؤسّسات العموميّة وفي مختلف مفاصل الإدارة، داعيةً إلى إبقائها محايدة وبعيدة عن الولاءات السياسيّة والأيديولوجيّة.

وبذلك فقط يمكن للإدارة أن تؤدّي مهامها في كنف الشفافيّة والرقابة العامّة وبعيدا عن المحسوبيّة الحزبيّة كما الحال اليوم، أي في زمن حكم حزب النهضة الإسلامي.

معالجة الأمراض الراهنة للاقتصاد التونسي تتطلّب أيضا مقاومة معضلة التهريب التي أنهكت، خلال الفترة الأخيرة، البلاد والعباد وفق رأي بوشمّاوي. فما انفكّ التهريب، المغذّي للسوق الموازية، ينفخ سمومه لتدمير المهن والصناعات الصغرى والمتوسّطة، فضلا عمّا أحدثه تبييض الأموال وتجارة السلاح والمخدّرات في تونس من أهوال ومشاكل غير مسبوقة.

مطالبة حكومة حزب النهضة بالرحيل، وتشكيل "حكومة كفاءات وطنيّة مصغّرة"، وتخليص الدستور من الأدران في أجل أقصى لا يتعدّى 23 أكتوبر، تلك شروط لا تزال من أسس مبادرة اتّحاد الصناعة والتجارة لحلحلة الأزمة القائمة. ومع ذلك فإنّ بوشمّاوي لا تتردّد أيضا في توجيه نصيب من النقد إلى المعارضة المعتصمة أمام المجلس التأسيسي في ساحة باردو. فهي كما طبيعة سائر نساء ورجال الأعمال ترفض تجميد الحال والأحوال حتّى وإن قيل "رأس المال جبان"، فقد أكّدت، قائلةً بوضوح "نحن ضدّ العصيان وضدّ تنصيب التنسيقيّات محلّ مؤسّسات الدولة". موقف تُصرّ على وصفه بـ"الرصين" فهو "يهدف فقط إلى خدمة مصالح تونس في مبادرة واحدة تضمّ الجميع". هكذا تبدو وداد بوشمّاوي ومنظمتها ثالثة الأثافي فمن غيرها قد يشوب الاختلال قُطبي السلطة والمعارضة، في بلاد تبحث عن طوق نجاة في السياسة والاقتصاد…

وهبت نفسها للأعمال

صاحبة لقب "أفضل امرأة صاحبة مؤسّسة في العالم العربي" للعام 2013، الذي حازته خلال قمّة دوفيل لمجموعة الثماني في العاصمة البريطانية لندن في يونيو الماضي، وُلدت في مدينة "قابس" الصناعيّة جنوب شرق البلاد ونشأت منذ الصغر في بيت مفعم بأجواء المال والأعمال. تقول: "لم نكن نتحدّث في العائلة إلاّ عن الأعمال، حيث كان الوالد يصطحبنا إلى مقرّات العمل". فهي لم تعرف شيئا آخر غير ما سطّرته طفولتها من مسار، وحين حلّق أخوتها الستّة للدراسة في أمريكا، في الثمانينات، أبت إلاّ أن تبقى في تونس للتخصّص في قانون التجارة الدوليّة والتسويق.. منفذٌ سَوِيّ حدّد مسالكها منذ الصغر، فقال عنها والدها الهادي بوشمّاوي: "أتوقّع لك مستقبلا سياسيّا وحضورا وطنيّا".

ورغم هذا الفأل والبشارة، فإنّها أمام تداول اسمها كثيرا، خلال الأيام الأخيرة، لتحمّل مسؤوليّة رئاسة الحكومة المقبلة، أكّدت اليوم أنّ مكانها أحقّ وأجدى في رئاسة منظمة أصحاب الأعمال، وأفصحت لـ"العرب" أنّها لم تُفكّر بعد في السياسة، لكن لا أحد يعلم بالمستقبل سوى مُغيّر الأحوال…

وداد بوشمّاوي تُدرك جيّدا دلالات تشخيصها للأوضاع الصعبة التي يمرّ بها الاقتصاد التونسي.

ومع ذلك فإنّ اليوم يمضي بالنسبة إليها كالأمس وربّما الغد، فهي لا تعرف متى تعود إلى بيتها لتحتضن ابنيها كلّ يوم… اعترافها بهذا "التقصير" حيال العائلة الصغرى وإزاء أخوتها المشرفين على مجموعتهم الاستثماريّة يجعلها تُعوّل على تفهّمهم لملامح دورها الجديد في خدمة عائلتها الأكبر تونس.

8