وداد نبي: الشعر جندي مهزوم قادر على إنهاء الحروب

الشاعرة السورية وداد نبي تؤكد أنها تؤمن بمسألة التجريب في الكتابة، فالحياة التي نعيشها كلها مجرد محاولات، مقامرة غير محسوبة النتائج.
الخميس 2018/05/17
الرجال الذين أحبوني اتهموني بالجنون بسبب الشعر

وداد نبي شاعرة سورية ولدت بمدينة كوباني، نصها الشعري يميل نحو السرد، لكنه يتخفف من المجاز اللغوي والتراكيب والصور التي تعيق استمتاع القارئ بجمالية النص. حيث ترفض أن يدخل الشعر في معركة خاسرة مع الحرب في بلدها. بين ديوانها الأول “ظهيرة حب، ظهيرة حرب” 2013، وديوانها الثاني “الموت كما لو كان خردة” 2016 فارق زمني طرأت فيه تغييرات على تجربتها الشعرية، تقول عنها ضيفتنا “تخلصت من المباشرة في الكتابة الشعرية، هناك ميل أكثر نحو التكثيف الشعري دون أن يفقد النص بساطته. أميل إلى الكتابة السردية أكثر. الكتابة تجريب مستمر ولا أعتقد أنني سأتوقف يوما عند شكل معين”.

حدث خبري

 

أتاحت قصيدة النثر مجالا واسعا من الأفكار والمشاعر والرؤى تتوسع كل يوم أكثر أمام شعرائها، الذين تخلوا عن ثقل الماضي وكلس الانتماء الضيق لينفتحوا على فضاء إنساني رحب انطلاقا من ذواتهم الفردية، لكن الأمر ليس سهلا مطلقا كما نحكيه هنا

تقول الشاعرة وداد نبي “الشعر ليس مقاتلا، وإذا كان مضطرا إلى دخول معركة، فسيكون جنديا مهزوما، لأنه لا يجيد إطلاق الرصاص، بإمكانه أن يمنحنا وردة أو كأس ماء، لكنه لا يمتلك أدوات تجعله يتغلب على الحرب والكراهية، هو أكثر هشاشة من دخول مواجهة مع الحروب والكراهية لكنه قلب هذا العالم. من خلال الشعر ينبض العالم، بدءا حين يفتح المرء عينيه صباحا، وكيف تسقط أشعة الشمس على جسد طفل نائم في مهده وليس انتهاء بالطرق التي يمشي فيها الواحد منا عبر الغابات والأرصفة والمقاهي ليدرب قدميه على التعثر بالألم أيضا، كل تلك الأحداث الاعتيادية التي تجري كل يوم هي نبض الشعر وإذا استطعنا عيش هذه التفاصيل بطريقة شعرية وليس ضروريا أن نكون شعراء”.

تتابع نبي “فقط علينا أن ندرك كيف نشعر بروح الشعر، بالأشياء التي تحيط بنا، حينها ستنزوي الكراهية والحروب بعيدا، لأن من يعتاد على مشاهدة شروق الشمس بهدوء كل صباح وهي تلمس الأشياء والأزهار والنباتات والأطفال من حوله، لن يكون قادرا على فقدان تلك اللحظة اليومية المعيشة، حينها سيتجنب البشر الحروب والكراهية التي تؤدي بهم إلى تلك الخسارة. الشعر قلب هذا العالم حتى حين يكون تحت عجلات دبابة”.

ترفض الشاعرة ما يقال اليوم بأن النص الشعري يلاحق الحدث ويحلله ويدس بين مفرداته وجهة نظر الشاعر، وتعلق قائلة “يخيل لي أن الشعر يكون شعرا حقا حين يمتلك خاصية أن يقرأ في كل زمن، أن تكون القصيدة قابلة للقراءة بعد خمسين عاما في مدينة أخرى بلغة أخرى، بحيث يستطيع القارئ أن يغمض عينيه من الدهشة، وللأسف كتابة الشعر كتأريخ للحدث تفقد الشعر تلك الخاصية، لذا أميل مؤخرا للابتعاد قدر الممكن عن الكتابة الانفعالية اللحظية، وإن كان الأمر صعبا”.

في الحرب/ الأم التي تفقد طفلها/ لا تشيخ/ لا تملأ التجاعيد وجهها/ لا يبيض شعرها/ تخاف الأم ألا يتعرف عليها طفلها بعد الموت/ فمن يقنع طفلا مات في بشاعة الحرب/ أن البشر في الأرض ينمون كالأشجار رغم كل ذلك الموت؟ هكذا تقول نبي في ديوانها “الموت كما لو كان خردة”، حيث نلتمس فلسفة خاصة في جعل الحب والقسوة يلتقيان في نفس الزمان والمكان.

توضح نبي “أؤمن بأن الحب وحده هو الطريق الوحيد للنجاة من الحروب والبشاعة والقسوة والكراهية والعنف والعنصرية، لذا حين تحضر القسوة التي تأتي بها الحروب أستنجد بالحب، يد الحب يجب أن تمتد لكل مكان تحدث فيه حرب ما، تلك اليد قادرة على أن تجعل العالم يزهر من جديد في أكثر الأمكنة خرابا. في الكثير من المواقع على الإنترنت شاهدت ربات بيوت قمن بزراعة نباتات وورود في فوارغ القنابل التي ألقيت على بيوتهن في الحرب. أعتقد أن ربة المنزل هزمت بالحب الذي في قلبها الأنقاض والدمار اللذين يحيطان بحياتها”.

لست سعيدة

الشعر قلب هذا العالم
الشعر قلب هذا العالم

من جهة أخرى تؤكد نبي أنها تؤمن بمسألة التجريب في الكتابة، فالحياة التي نعيشها كلها مجرد محاولات، مقامرة غير محسوبة النتائج، وتقول “أنا أجرب في الكتابة كما في الحياة. ليست لدي أشكال وصياغات محددة للسعادة أو الحب أو النسيان. أنا أجرب كل مرة، وفي كل مرة يكون هناك شيء جديد لم أختبره قبلا. كذلك الشعر وكل نوع من أنواع الكتابة والفنون عموما. لذا أميل لما قاله فيكتور هوغو: سواء كتب الشاعر شعرا أم نثرا وسواء نحت في المرمر أم صب تماثيله من البرونز، فهذا رائع وهو حر”.

المرأة الكردية التي عاشت ضمن أقلية تواجه منذ أمد مسألة العنصرية واليوم تتعرض لحرب بشعة وسط صمت عام. نسأل نبي كيف تصورها في نصها؟ فتجيبنا بأن “قضية العنصرية لا تتعرض لها فقط المرأة الكردية وإنما الكرد عموما يعانون من هذه العنصرية منذ زمن طويل وفي كل مكان يتواجدون فيه. ستجدين جرحا كبيرا ومفتوحا في قلب الكردي لكنني في كتابتي لا أتقصد تصوير المرأة الكردية أو السورية بعينها. أنا أكتب نصا يشبهني، يشبه الألم والفقدان والمعاناة التي أعيشها وأنا أغامر وأقامر بكل شيء في كل مرة في هذه الحياة. ومن الطبيعي أن تتقاطع تجربتي تلك مع الكثير من النساء. وقد تكون امرأة كردية أو سورية أو أوروبية أو حتى أفريقية”.

وتتابع الشاعرة “حين نكتب عن المعاناة فإنها تتشابه في الكثير من الأمكنة، الجرح الذي يخلفه الحب غير المتحقق مثلا هو واحد في أي مكان على هذه الأرض، ألم فقدان الأم لطفلها في الحروب متشابه لدى الأمهات البوسنيات والأفريقيات والسوريات والكرديات في حلبجة أو كوباني. وهذا ما يجعلني دائما أتصور أننا جميعا في لحظة ما نشبه نساء قبائل البشتون في أفغانستان خاصة بذلك المقطع الشعري الذي يتم ترديده عن النساء البشتونيات ‘نساء البشتون لا ينتحرن بالرصاص/ ولا بشنق النفس/ فالسلاح والحبال من أدوات الرجال/ وأجسادهن لا تجد راحة إلا في أعماق الأنهار/ قفزة واحدة إلى الهاوية ويغرق الماء كل الأحزان والرغبات'”.

تشير وداد نبي إلى أن الكتابة لم تفعل بحياتها شيئا مريحا، أو سهلا، أو حتى تجعلها أكثر سعادة، وحتى والدتها كانت تتهمها بأنها تعيش خارج الواقع. تقول الشاعرة “أحيانا كانت أمي تقول لي إن الكتابة وقراءة الكتب أصابتا لوثة في عقلي وأنني بسببهما أصبحت هذا الكائن الغريب، حتى في الحب الرجال الذين أحبوني اتهموني بالجنون بسبب قراءاتي وكتاباتي تلك. في العمل والسفر والحياة كنت دوما تلك المتهمة باللا منطقية بسبب القراءة والكتابة، وربما هذا بالضبط ما جعلني بعيدة عن الواقع ‘واقعهم‘ الذي لا يقبل بطفلة أوبصبية أو امرأة تنظر إلى العالم القاسي من خلال قصيدة أو رواية أو وردة ذابلة على طاولة امرأة وحيدة ومهجورة. من المؤسف أن الكتابة سببت لي الألم، لكنه ربما كان ألما مستحقا جعل هذه الحياة أكثر قابلية للتحمل”.

15