وداد نبي: كل قصيدة تعريف آخر لما أرغب أن أصيره

السفر طالما عدّ من أبرز المناهل التي تتغذى عليها مخيلة الشعراء والكتاب حيث يكتب هؤلاء بالضرورة عن الناس، والانتقال في الأمكنة هو انتقال بين صنوف من الناس أي صنوف من الثقافات. لكن ماذا لو كان هذا السفر هجرة قسرية فرضتها حرب مسعورة ومحفوفة بالدماء؟ “العرب” التقت الشاعرة السورية وداد نبي المقيمة في ألمانيا فكان لنا معها حديث عن الشعر والحرب.
الاثنين 2016/04/11
لغتي صراخ بوجه الدمار والحرب

ولدت الشاعرة السورية وداد نبي بكوباني العام 1985، وهي خريجة كلية اقتصاد بجامعة حلب، وقد صدر لها ديوان شعري بعنوان “ظهيرة حب، ظهيرة حرب”، تكتب في الصحف والمجلات العربية، كما أن لها ديوانا جديدا جاهزا للطباعة، وهي تقيم في برلين بألمانيا. ترجمت نصوصها إلى الفرنسية وصدرت في كتاب أنطولوجيا الحب والحرب، وقد أعدتها الشاعرة السورية مرام المصري، كما تُرجمت لها نصوص إلى اللغة الإنكليزية وصدرت بمجلة توليبس في واشنطن.

في تعريفها بنفسها تقول الشاعرة وداد نبي “لا أعتقد أن المرء قادرٌ على تعريف نفسه بتجرد وحيادية، إذ لا بدّ أن يقع في فخ صورة المرآه التي، يرى نفسهُ من خلالها، فأنا في مرآة الآخر مختلفة عن المرآة التي أعرف نفسي فيها، لكن بكلا المرآتين الصورة لا تزال ناقصة، وفيهما الكثير من النرجسية، كلما عشتُ تجربة حتى وإن كانت صغيرة، أكتشف أشياء أخرى داخلي، عوالم لم أكن أعرفُ أنها موجودة، وكأنني شخص آخر ولد حديثا، كل قصيدة تعريف آخر لما أرغبُ أن أصيرهُ. لكن ككل الحالمين لو قرأتُ تعريفا عني بعد مئة عام كشاعرة سأكون سعيدة” .

صيغة مستقبلية

إن كانت قصيدة النثر تمثل لديها ما يمكن تسميته نهاية الطموح الشعري، ولا سيما بعدما أصبحت القصيدة متاحة وسهلة للجميع، وبعد الإقبال الكاسح على كتابتها، خاصة من قبل الأجيال الشابة، تعلق ضيفتنا قائلة “أميلُ إلى إلغاء التسميات في الشِعر، لأن العنوان غالبا يُضيّقُ مساحة الفكرة أو النص. الشِعر هو الشِعر، نثرا كان أم عموديا أو أي صيغة مستقبلية أخرى، تفتقدُ قصيدة النثر ربما للإيقاع لكن هذا لا ينفي عنها صفة الشعر، وبالتالي ليست لي تصورات عن أيّ نهاية لشكل القصيدة وصيغتها لديّ، الكتابة نزهة طويلة تستمر معنا إلى آخر شهيق، وفي تلك النزهة نكتشف دائما أنواعا جديدة للتعبير، لكن مشكلة الكتابة وفق قصيدة النثر هو هذا الاستسهال الذي دفع بالكثيرين ممن يكتبون خواطر بائسة إلى البروز كشعراء وهذا الترويج تم بفعل المواقع الإلكترونية والصفحات الأدبية على الفيسبوك التي شجعت الرداءة بكافة أشكالها” .

الشعر هو الشعر، نثرا كان أم عموديا أو أي صيغة مستقبلية أخرى، قصيدة النثر رغم غياب الوزن عنها فهي شعر

عن رؤيتها للمثقف الذي يزاول العمل السياسي، وإن كانت ثمة تقاطعات ما بين العمل السياسي والعمل الثقافي، أم أن الثقافة في حد ذاتها هي عمل سياسي، من وجهة نظر ضيفتنا، لا ترى مشكلة بمزاولة المثقف للعمل السياسي طالما هو قادرٌ على إحداث تغيير، بالنهاية أي فعل ثقافي هدفهُ التغيير، كما تقول، لكنها ترى أنه وكما هو معلوم في المجتمعات العربية والحالة السياسية الراهنة هناك انفصام بين العمل السياسي والعمل الثقافي بسبب وجود أنظمة سياسية قائمة على سلطة الاستبداد التي لا تتقبل أي رأي مختلف في العمل السياسي، بالتالي نجد اليوم المثقف الذي ينخرط في العمل السياسي يتحول إلى بوق للنظام أو الحزب المستلم للمشهد ولا قدرة لهُ على العمل خارج تلك الدائرة المرسومة لهُ.

تتابع “هذا المثقف يخسر مصداقيته في المجتمعات العربية نتيجة انخراطه في العمل السياسي في دولة لا تتقبل أي رأي أو عمل خارج سلطة النظام السائد، أما الشاعر فهو يتعاطى السياسة سواء أراد ذلك أم لم يرد، يتعاطاها من خلال الكتابة فهي جزء من الحدث اليومي المعيش، حتى المواطن البسيط الذي لا علاقة لهُ بأي فعل ثقافي نجده اليوم في عمق الحدث السياسي”.

عن سؤالنا لوداد نبي من أين تستمد خيالات شعرها وتصوراتها ورؤاها، من ماض تركته أم من حاضر تعيشه، أم من تطلع مستقبلي؟ تجيب الشاعرة “الماضي هو خزان الذاكرة البشرية الذي نحمله معنا مهما كبرنا، منه ينطلق الشاعر، لكن لا يسمح للماضي بامتلاك المشهد كاملا إذ يخلقُ الشاعر رموزه الخاصة به، رموزا مستمدة من الواقع المعيش أو من المستقبل المتخيل، من الأسطورة، من القراءات السابقة، بالنسبة إلي، كل ما كتبتهُ نابع من امتلاكي لرمزية الماضي الذي لا يزال مستمرا بالحاضر، أخلقُ رموزي من دمج كل تلك العناصر، بالنهاية الشاعر ليس مؤرخا ليستند على الماضي أو الحاضر فقط ليكتب، الشعر لعبة غواية وسحر وخيال بالدرجة الأولى”.

الشعر والأزمة

إن كان يمكننا أن نثق كشاعرات وشعراء بما نكتبه في الأزمنة الصعبة والعاصفة، هل هناك خطر على لغتنا الأدبية تقول نبي “شخصيا لا أميلُ إلى الثقة بالنتاج الآني الذي يظهر اليوم وسط كل هذه الحروب والثورات، تغلبُ الفورة العاطفية على معظم النتاج الشعري الذي يخرج للساحة الشعرية، هناك طرح كتابي لغوي فج يكاد يبتعد عن الشِعرية لصالح التفريغ والشعاراتية وأزمة الهويات التي ظهرت للسطح في الآونة الأخيرة، وواجهت تلك المشكلة أثناء كتابتي لديواني الشعري الأول «ظهيرة حب، ظهيرة حرب»، حيث كانت لغتي عبارة عن صراخ بوجه الدمار والحرب التي عشتها بسوريا، لغة مقيدة بمفردات الواقع، في حين أن الشعر ينبغي كما أرى أن يكون حرا وطائرا في الأفق”.

الشعراء الشباب كونوا لغتهم الخاصة، لغة قريبة للتفاصيل الصغيرة وللمهمشين الذين لم يكن الشعر يلتفت إليهم

أما وجهة نظر ضيفتنا بمستوى الإبداع الأدبي عموما في أزمنة الثورة وخلال الربيع العربي، فهي ترى أنه رغم تسيد نصوص الواقعية الانفعالية المرتبطة بالحدث المعيش، فهناك جيل جديد من الشعراء الشباب الذين كونوا لغتهم الخاصة بهم، لغة قريبة إلى التفاصيل الصغيرة، قريبة إلى المهمشين الذين عادة لم يكن الشعر يلتفت إليهم وإلى قضاياهم، هذه نقطة جوهرية برأيها ينبغي الوقوف عندها طويلا حينما تتم قراءة المشهد الشعري بالفترة الأخيرة.

تحدثنا وداد نبي عن التغيرات التي طرأت على عالمها وعلى طرائق التعبير لديها بعد الحدث السوري الدامي، تقول “أعتقد أن لغتي ابتعدت عن التعبير الانفعالي والشعاراتي القديم، وبتّ أقرب إلى التفاصيل الصغيرة التي تمسّ الناس وتمسني، لم تعد الخيمة هي التي ينبغي أن يُكتب عنها إنما حبال الغسيل التي تركناها وراءنا بمنازلنا القديمة، لم يعد الانتصار كمفهوم هو كسب معركة إنما القدرة على زرع أصص الزهور في بيت آيل للخراب، كل ذلك جعلني على الصعيد الشخصي والكتابي أكثر هشاشة وضعفا، وأكثر قربا للهوامش، للأشياء المهملة، المنسية، التي هي برأيي الأهم في الحياة والشِعر”.

أما عن تقييمها للحالة الكردية في خضم الخارطة السورية الراهنة وما يمكن أن يطرأ عليها من متغيرات مستقبلية، تقول ضيفتنا “لا أعتقد أن الحالة الكردية تختلفُ عموما عن الحالة السورية الراهنة، فهي تعاني من أخطاء قاتلة في العمل وفي الفعل السياسي، الأحزاب الكردية التي تستلم الملف السياسي الكردي لدينا تسببت للكُرد في خسارات توازي تلك التي تسبب فيها نظام الأسد القمعي طوال عقود طويلة، شخصيا لا أرى حلا أو مخرجا منفصلا للكرد بعيدا عن الحالة السورية، وعموما ما يتم طرحهُ اليوم لا يعبرُ أبدا عن المستقبل الغامض الذي ينتظر الكُرد والسوريين بشكل عام”.

15