ودارت الأيام

دارت الأيام وعاد إلى ذاكرتي هذا المشوار الذي اكتشفنا فيه اختفاء مجموعة أشجار الصنوبر يوم علمت برحيل الفنان المصري من أصول أرمنية شانت أفيديسيان.
الجمعة 2018/11/09
شخصيات كبيرة كان لها تأثير عميق في إنعاش الثقافة العربية

أذكر أنه منذ عدة سنوات كنا أنا وأحد الأصدقاء نتجول في السيارة عندما لاحظت على مفترق أحد الطرقات أن مجموعة من أشجار الصنوبر لم تعد موجودة وقد ارتفع مكانها مبنى عال، استدرت إلى الصديق وسألته “ماذا حصل هنا؟”، فأجابني بنبرة ساخرة “أين المُشكلة؟ قاموا “بفرم” أشجار الصنوبر وشيدوا مكانها مبنى أطلقوا عليه اسم “قصر الصنوبر”.

هذا ليس إلاّ مثلا بسيطا جدا عمّا يحدث في لبنان وفي المنطقة العربية بشكل عام، كما تبدو الحروب المُدمرة التي تحدث في أرجاء هذه المنطقة نوعا من التطهير الثقافي يهدف إلى إضعاف خصوصية بلاد هذه المنطقة وإخضاعها لمعاصرة مُعولمة تخفي أكثر مما تُظهر بكثير.

دارت الأيام وعاد إلى ذاكرتي هذا المشوار الذي اكتشفنا فيه اختفاء مجموعة أشجار الصنوبر يوم علمت برحيل الفنان المصري من أصول أرمنية شانت أفيديسيان، وتذكرت كلامه في أحد اللقاءات حين عبّر لي وبتهكم شديد عن امتعاضه من هدم الفيلا التي كانت تسكنها أم كلثوم وبناء مكانها مبنى سكني وفندق يحمل اسم “كوكب الشرق”.

اليوم أتذكره أكثر، وأعثر من حولي على ازدياد مُطرد لذلك الإمحاء الهادف أو غير الهادف، والنتيجة هي نفسها، لخصوصية المنطقة التي نعيش فيها على حساب حداثة مشوهة لا تقيم وزنا لعراقة أرسيت مع تراكم الأيام.

عبرت أعمال الفنان “الأيقونية” بشكل عام عن مدى تأثره وتعزيزه للهوية المصرية، أيقونات مُستقاة من “الزمن الجميل”، من زمن النهضة المصرية الحديثة التي عرفت أوجها في الخمسينات والستينات من القرن الفائت.

كان شانت أفيديسيان من الفنانين المتفائلين ولم يكن فنه عبارة عن نوستالجيا درامية بقدر ما كان إصرارا على استمرارية غنى حضاري يؤمن به ولا يريده أن يندثر، كما لم يكن لا الأول ولا الأخير من الفنانين العرب الذين رسموا أم كلثوم، ولكنه من أبرعهم من دون شك، لأنه قبض على الزخم الذي أثر في أجيال تلت من الفنانين والموسيقيين والشعراء وغيرهم من ناسجي ملامح ثقافة البلد، والمنطقة. زخم اختصره الفنان وبامتياز بشخصية “كوكب الشرق” واستطاع أن يترجمه تشكيليا في اللوحات التي تجسدها، ربما هذا أكثر ما يميز أفيديسيان، ومن عرفه عن كثب عرف كيف يمكن أن يكون المرء عربيا فوق كل اعتبار وملوحا بثقافة منطقته وجامعا لافتا لكل ما تعبق به من غنى موسيقي، تشكيلي، أدبي، شعري وسينمائي ضمن حدود لوحاته.

وقد دمغ شانت أفيديسيان الذاكرة البصرية، وبالتالي الذاكرة السمعية للجمهور العربي على اختلاف خصوصياته الثقافية حينما رسم لوحات أيقونية لفنانين وشخصيات كبيرة كان لها تأثير عميق في إنعاش الثقافة العربية.

شخصيات من أمثال جمال عبدالناصر، الملك فؤاد وفاروق وسعد زغلول ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وليلى مراد وأسمهان ويوسف شاهين وغيرهم.

ربما أجمل لوحاته هي تلك التي جسد فيها أم كلثوم الواشمة لروح الثقافة العربية بأعمق أثر لا يزال إلى يومنا هذا يقف كهامة “تمائمية”، إذا صح التعبير، أمام غزو العولمة وانهيار القيم الثقافية والأخلاقية.

اكتنزت هذه اللوحات أكثر من غيرها رموزا تشكيلية فرعونية وإسلامية وعربية بأسلوب معاصر لم يفقد بوصلته، لوحات مشحونة بألوان أرادها الفنان “طربية” لصيقة بصوت الست الأخاذ وحضورها الطاغي على خشبة المسرح.

يوم 24 أكتوبر الفائت رحل شانت أفيديسيان، قيل إنه في وفاته تحول إلى أيقونة “ليلحق بأيقوناته” التي واظب على رسمها بشغف.

رحل عن هذا العالم الغارق في الضياع العام وتفتت الهوية، ليشرف عن بعد على دورة أيام جديدة قد تعيد الألق أو لا تعيده إلى منطقة حرثتها الحروب والنزاعات الطائفية.

17