وداعاً قصي درويش

الأربعاء 2014/11/12

رحل عن عالمنا أخيرا الناقد السينمائي والصحفي السوري قصي صالح الدرويش الذي كان ضمن ثلة من الأصدقاء في زمن مضى، في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

حينما كنا نجوب معا مهرجانات السينما العالمية في عصرها الذهبي، أي قبل 11 سبتمبر2001 وهو تاريخ غير التاريخ، أو على الأقل تاريخ السفر والانتقال، وجعلنا نضطر لخلع الأحذية في المطارات ونمتنع عن حمل زجاجات المياه أو العطور، ونتعرض لأبشع هجمة على المسافرين في تاريخ الرحلات الجوية، وكله بسبب شخص وفريقه الذي يدعي نسبته إلينا ونسبتنا إليه، ونسبته الى ديننا! وكانت المهرجانات أيضا "ذهبية" لأننا لم نكن نتعرض للتفتيش عند أبواب دور السينما، ولم تكن هناك بوابات الكترونية تحرسها مدرعات الحرس الوطني في فينيسيا، أو الشرطة المسلحة في غير فينيسيا.

وكان قصي يحرر صفحة السينما في جريدة "الشرق الأوسط" لسنوات. وكان يعيش الحياة كما يحلو له، لا يأبه لشيء، ولا يحسب كثير حساب للغد، بل وكان أيضا كثيرا ما يناقشني في بعض الأمور، وكنا نختلف حولها، فقد كان هو يرفض تماما تفسير بعض التصرفات والمواقف مستبعدا منطق "السببية".

مصرا على أن هناك الكثير من الأمور التي تحدث دون أن يكون وراءها سبب محدد، في حين أن تكويني الأكاديمي "العلمي" كان يدفعني رغما عني إلى البحث دائما عن سبب لكل ظاهرة، ولكل موقف أو تصرف إنساني، فليست هناك مواقف اعتباطية تتم دون سبب! كان قصي يكسب كثيرا من المال، لكنه كان أيضا يخسر الكثير، ولم يكن المال يمثل له سوى وسيلة للوجاهة، ولم يكن حريصا على اقتنائه كما كان البضع يتصور.

وكان قد نجح في وقت ما قبل نحو 15 عاما، في إصدار مجلة سينمائية أنيقة في تصميمها وطباعتها وورقها، لكنه لسبب ما أيضا، كان يخصصها فقط لمقالات نقد الأفلام، ولم يكن يميل إلى فتح الملفات الشائكة في السينما، مثل الرقابة ومشاكل التمويل والتجارب الرسمية الفاشلة في الإشراف على السينما.

وكان يذهب سنويا إلى مهرجان كان، محاطا بمجموعة من أبرز النقاد، يخططون معا لتغطية المهرجان الشهير، وكأنهم يستعدون لغزو فرنسا نفسها. وقد استمرت المجلة لفترة، ثم أصبحت تصدر بشكل متقطع إلى أن توقفت تماما. كان قصي مغامرا، غادر مع والده بلده سوريا مبكرا عندما كان في الرابعة عشرة، ولم يعد إليه قط، كما أصدر كتابا يضم محاورات مع راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية فمنع من دخول تونس، وأقام لفترة في الجزائر مع والده قبل أن ينتقل إلى باريس.

وقد تزوج في الجزائر، وأنجب قبل أن ينفصل عن الممثلة الجزائرية التي اشتهرت لفترة في السينما، قبل أن ترتدي النقاب وتعتزل الدنيا والسينما!

أصيب قصي قبل سنوات بجلطة مفاجئة في المخ، أقعدته عن العمل، وأصبح لا يستطيع التركيز، وضعفت ذاكرته كثيرا، ثم هاجمته بعد ذلك سلسلة من الجلطات اللعينة، نجحت أخيرا في قهر مقاومته، فأسلم الروح أخيرا في باريس التي ارتبط بها وبثقافتها طويلا. أدعو لقصي بالرحمة والمغفرة من رب العالمين.


ناقد سينمائي من مصر

16