وداعاً 2015

الخميس 2015/12/31

ساعات قليلة تفصلنا عن بداية عام جديد. دقائق معدودة أو معدودات ويُسجل عدَّاد السنوات رقماً جديداً. كأننا عابرون في أرقام عابرة. بعد ساعات من الآن سنودع رقم 2015، وسيحلّ مؤقّتاً رقم جديد ضمن متتالية عدديّة بدأت من العام صفر صعوداً إلى ما لا نهاية.. ماذا قلت؟ ما لا نهاية!

لربّما يكون تصوّر كهذا مبرّراً طالما نتكلم في نطاق الأعداد الطبيعية (المجموعة N). لكن، دعنا نتساءل عن لا تناهي التاريخ نفسه، بمعنى، خلود النّوع البشري! هل سيفلت الإنسان من دورات الانقراض الكبرى؟ هل ستنجو دريتنا بعد برود نواة الأرض، ثم بعد انهيار المجموعة الشمسيّة، ثم بعد الموت الحراري للكون؟ هل سننجو بفضل “سفينة نوح”؟ قد تمضي بنا بسرعة الضوء، أو قد تحمل على ظهرها رجالا ونساء وبعض المواشي والعصافير والذكريات الجميلة إلى ما وراء النجوم؟

هنا يكمن الطابع الدراماتيكي للزمن الرّاهن، حيث يقف الإنسان على عتبة حضارة النجوم بآمالها العظام ومخاوفها الجسام. هل ستكون متتالية أرقام السنوات صيرورة بلا نهاي؟

في كل الأحوال لسنا نملك سوى يقين واحد الآن، الرّقم 2015 الذي نحن على مشارف توديعه سيمضي إلى أبد الآبدين بلا عودة. في هذا المنحى تختلف أرقام السنوات عن كل من أرقام الشهور وأرقام الأيام وأرقام الساعات: أرقام الساعات تتكرّر مرّة كل يوم وتجعل الزّمن يبدو كما لو كان دائريا، وتتكرّر أرقام الأيام مرّة كل شهر فتبعث على الإحساس بأنّ الزمن قد يكون دائريا، وتتكرّر أرقام الشهور مرّة كل عام فتتخذ هي الأخرى طابعاً دائريا، ما يتناغم مع دورات الطبيعة، حيث الغروب يعقبه شروق، والجَزر يعقبه مدّ، والذبول يعقبه اخضرار، والقمحة المدفونة سرعان ما تثمر سنابل، كأنما زمن الحياة دوائر متكررة.

لكن، سرعان ما تذكرنا أرقام السنوات بأنّ الزمن ليس بذلك النحو من المدارات السعيدة، وأنه مثل النّهر الجارف الذي ينساب في اتجاه مجهول بلا عودة، فلا تتخذ أرقام السنوات شكلا دائريا مثل أرقام الشهور والأيام والساعات.

في واقع الحال، تُذكرنا أرقام السنوات بأن لا شيء يعود كما كان؛ من مات مات، وما فات فات.

نهاية العام تعني أن رقما سيختفي، ليس هذا وحسب، بل سيختفي ولن يعود. هكذا، وحده تتالي أرقام السنوات يذكرنا بأن الحياة صيرورة تمضي منسابة بلا عودة ولا انقطاع.

الزمان نهر جارف، لا أحد يعرف مصبّه الأخير، لكننا نعرف قاعدة أساسية: السباحة إلى الخلف تعني موتاً قبل الممات. بعد لحظات سيسجل عداد التاريخ رقما جديدا. هذا الرّقم يأتي لكي يُذكرنا كيف يشقّ الزمن الكوني عباب المجهول بشموخ ولا ينتظر المترددين. كل عام وأنتم بألف خير.

24