وداعا أيها الفارس النبيل

الجمعة 2014/11/14

رحم الله محمد خلف المزروعي، فقد كان نخلة عربية إماراتية شامخة في بيئتها وبين أهلها، جذورها تضرب في أرض الوطنية والأصالة والانتماء، وفروعها تمتد في فضاءات الحضارة والثقافة الإنسانيتين.

رحمه الله ورزق أهله ومحبيّه في دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها الصبر والسلوان حتى يتحمّلوا هول الصدمة ويتقبّلوا أثر الفجيعة.

عرفته لساعات وجيزة في مجلسه العامر، حيث وجدته يتميز بكل طيبة أهل الإمارات ونبلهم، يستقبل ضيوفه وزواره بأريحية من تزدهر قلوبهم نقاء وصفاء وسخاء ووفاء، يحيط نفسه بالشعراء والأدباء والمثقفين، وتتنوع اهتماماته بين السياسة والثقافة والتاريخ والعلوم والإعلام، يشغله وضع أمته من المحيط إلى الخليج، ولا يقلقه غير أن يحاول الظلام التمدّد في عقول العرب والمسلمين.

كان، رحمه الله، يعمل على أن تكون ثقافة التنوير في أعلى درجات الاهتمام، وأن تستطيع أبوظبي القيام بدورها الريادي في هذا المجال خليجيا وعربيا وعالميا، وهي التي انطلقت فعلا وعن جدارة في هذا الاتجاه، وحققت ما تفخر به، وما يعتز به كل إماراتي وخليجي وعربي ومسلم، وما يثير إعجاب كل زائر أجنبي يجد في “دار زايد” انفتاحا على العصر والمستقبل، ودمجا لمنجزات الزمان في عبقرية المكان، ومزجا فريدا واستثنائيا بين أصالة الشعب وتراثه الزاخر من جهة وبين ثقافات العالم وتقنيات العصر من جهة أخرى.

لقد كان الراحل الكبير محمد خلف المزروعي، فارسا من فرسان قومه قيما وأخلاقا وسعيا ووعيا وعطاء، وكان واحدا من أبناء أمّة العرب البررة، والأنقياء، وكان رجل مواقف، وصاحب رؤية مهمة في مجالات اختصاصه الإعلامية والثقافية، وهو ما تجلى في الطفرة المهمة التي شهدتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في ظل إدارته العامة لها.

عمل المزروعي مستشاراً للثقافة والتراث بديوان ولي عهد أبوظبي، بالإضافة إلى أكاديمية الشعر العربي، وهي أول أكاديمية متخصصة في المنطقة تُعنى بدراسات الكتب وجدوائية النقد وتأريخ الموروث، كما شارك في عدة مشاريع ثقافية كان أهمها مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، وهيئة أبوظبي لمشروع “كلمة” وهو مشروع ترجمة للكتب والأعمال العالمية إلى اللغة العربية، ومشروع قلم وهو يُعني برعاية المواهب الإماراتية الشابة، كما تولى رئاسة مجلس إدارة شركة أبوظبي للإعلام، وهو عضو فعال في اللجنة المنظمة للمعرض الدولي للصيد والفروسية الدولي، وكذلك أسس مجلة “الصقار” الخاصة بالصيد والفروسية وهو عضو أيضاً في صقاري الإمارات، بالإضافة إلى إدارته لأعمال ثقافية وإعلامية ذات صلة بالتراث والثقافة.

رحل محمد خلف المزروعي، ولكن سجاياه ومزاياه ستبقى بين قومه ومحبيه وأصدقائه وكل من عرفوه عن قرب أو بعد، راسخة رسوخ ما قدّم وأنجز لوطنه وأمته وللإنسانية من عطاءات، فالإنسان حديث بعده، والبقاء للصالحات، وهو من أهل الصالحات، فالرحمة له، والصبر لنا.

24