وداعا إميل حداد

الاثنين 2014/07/07

إميل حدّاد، الأب والأخ والصديق، المكافح الحنون، المثابر الحكيم، الصادق الصدوق، المؤمن الأمين، راعي الكنيسة بكاليفورنيا سابقا، القس الأميركي من أصول أردنية، رسول السلام في زمن العنف والاقتتال، صاحب مبادرة وثيقة سفراء للسلام لأجل تحقيق حلم التعايش بين المذاهب والأديان، الوثيقة التي ناقشها بابا الفاتكان ورحب بها شيخ الأزهر وبدأت تثير نقاشات واسعة متباينة في المنطقة العربية، وكنّا نعدّ لمواعيد واعدة قريبة. ولكن..

إميل حداد.. في ذمة الله.

غادرنا رسول السلام في بدء الرسالة، فارقنا في أول الطريق، غاب عنّا وتركنا على عتبة حلم كبير، تركنا في بداية مشروع شحذنا له العقول والهمم، لغاية هدف نبيل، بل لعله الأنبل، أن نتعلم ونعلم شعوبنا احترام حق كل إنسان في الحياة، بصرف النظر عن معتقداته. لكن، رحل الرّجل فجأة وتركنا كالأيتام.

كنّا مع صديقنا الأندونيسي اسماعيل العطاس قد بدأنا العمل على مشروع إسلامي كبير ينطلق من أندونيسيا، ويساهم قدر الإمكان في رفع حالة العداء والكراهية بين المذاهب والأديان. وقد عقدنا موعدا خلال شهر سبتمبر القادم في جاكرتا، لأجل عقد مؤتمر عالمي مرفوق بماراثون دولي للسلام، ومحاضرات في أكبر الجامعات، ويكون ذلك منطلقا لبناء صرح أممي جديد، بعيدا عن المتعصبين من كافة الأديان، بعيدا عن حسابات رجال السلطة من كافة البلدان، بعيدا عن تجّار الحروب والآلام في كل الأوطان، لكن خذَلَنا القدر، وقال الموت كلمته قبل أن يتمّ رسول السلام رسالته.

لن أنسى تلك النّدوة الصحفية التي عقدناها من أمام الفندق الذي شهد إعلان دول عدم الانحياز في باندونغ، وكان إميل حداد يتكلم بتفاؤل كبير عن حاجة البشرية إلى «عدم انحياز ديني» في عالم مليء بالحروب والاقتتال الديني. لن أنسى إيمانه القوي بأن ما يجب أن نفعله يمكننا أن نفعله، وأن هدف الأديان ليس تعاسة الإنسان وإنما سعادته، وأن البشرية لا يمكنها بأي حال أن تتحمل دينا واحدا، ولا يمكن لأي دين أن يتحمل مذهبا واحدا، لأن التنوع هو قدر الإنسان. لن أنسى ابتسامته الطفولية عندما يصغي أو يتكلم، لن أنسى حنانه وحبّه وعطفه على كل الناس، لن أنسى حواره ذات مرة مع مثقفة ملحدة من أصول مسيحية أصغى إليها وأصغت إليه وقالت له في الأخير، كنت لطيفا لكنك لم تقنعني. فحياها مبتسما وقال لها في الأخير: إذا لم تشعري بالحاجة إلى الإيمان فذاك أمر يهمك، وأما إذا شعرت يوما بالحاجة إلى الإيمان فوقتها أستطيع أن أساعدك. وكما يقول المثل العربي: تستطيع أن تسوق الفرس إلى النهر لكنك لن تستطيع أن ترغمها على شرب الماء. فعلا، لن تشرب الماء إلا إذا شعرت بالعطش. كان هذا درسا عظيما. ليت شيوخنا يتعلمون.

لن أنسى ما كان يقوله لي في اتصالاته الأخيرة: أحبّ المغرب وأهل المغرب كثيرا، وقد زرت المغرب مرّة ضمن وفد رسمي، وأتمنى أن تساعدني على العودة إليه في إطار لقاء مفتوح مع المثقفين هذه المرّة. ومن المغرب سنذهب معا إلى الجزائر… وفي كل الأحوال أفضّل أن يكون المغرب محطتنا الأولى ضمن جولتنا في المنطقة المغاربية. ورغم أنه سيتكفل بنفسه بمصاريف الزيارة إلا أني لم أفلح في تحقيق أمنيته، وذلك بسبب التوجس المجاني للمسؤولين عندنا.

عندما سألته يوما، ما الذي تبحث عنه في ديار العرب والمسلمين؟ أجابني بثقة وهدوء: أبحث عن السلام. قلت له: أين هذا السلام الذي تبحث عنه عندنا؟ فأجابني: إذا لم نبحث عن السلام حيث يُفتقد السلام، فما جدوى أن نبحث عنه أصلا؟

أحزنني موتك أيها الأب الحكيم، أحزنني أني لم أنجح في تحقيق أمنيتك، أن تزور بلدي المغرب.

وداعا أيها الأب والأخ والصديق..

وداعا إميل حداد، وداعا رسول السلام. وشكرا لك لأنك جعلتني ألتقي بك.


كاتب مغربي

9