وداعا إيطاليا

فريق “السيدة العجوز” وسائر الفرق الإيطالية يتعين عليها أساسا التخلص من تراكمات الماضي التي أعادت الكرة في هذا البلاد سنوات عديدة إلى الوراء، لقد تخلفت فعلا عن الركب ولم تستطع مجاراة جيرانها.
الأحد 2019/04/21
حسرة "الدون"

لم أجد أفضل من هكذا عنوان “وداعا إيطاليا” للتعبير عن واقع الكرة الإيطالية حاليا، كل الفرق المعنية بالمنافسة على لقب دوري الأبطال والدوري الأوروبي غادرت، لتختتم الحكاية وينتهي الحلم.

لا أحد اليوم في السباق، الأمل سيتأجل من جديد، كل إيطاليا لا تزال ترزح تحت وطأة الإخفاق الملازم للأندية والمنتخبات على حد سواء.

بالأمس القريب غادرت فرق روما والإنتر والميلان ولاتسيو، ثم جاء الدور اليوم على نابولي واليوفي، وفي المربع الذهبي لمسابقتي أوروبا للأندية، انتفى أثر كرة “الطليان”، فوداعا إيطاليا.

ربما لا يمكن لوم نابولي كثيرا، فهذا الفريق لم يثبّت أقدامه بعد في المسابقات القارية، ما زال يتحسّس طريق اللعب مع الكبار، أضف إلى ذلك أنه لم ينجح منذ عقود في معانقة الألقاب محليا، فما بالك بالمنافسة القوية المحتدمة في أوروبا.

فنابولي هاجسه الأول والأكبر وقبل حتى التفكير في الظفر بلقب دوري الأبطال هو كسر هيمنة “السيدة العجوز” محليا، هدفه تجديد العهد مع ذكريات “مارادونية” خالدة لكن طال عليها العهد.

هدف نابولي وأغلب الأندية الإيطالية الأخرى هو العودة إلى منصة التتويج بلقب “السكوديتو” الذي ظل حكرا على يوفنتوس طيلة المواسم السبعة الماضية. التتويج المحلي أولا ومقارعة “السيدة العجوز” ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التطلع لمزاحمة  الكبار في القارة “العجوز”.

لكن بالتوازي مع ذلك فإن كل اللوم يقع على اليوفي، فهذا الفريق أصاب كل إيطاليا بالإحباط، لقد “اغتال” مجددا الأحلام والطموحات من أجل إعادة رسم الخارطة الكروية في أوروبا ومنح الكرة الإيطالية القليل من بهرجها القديم.

اليوفي لاح فريقا متهالكا في مباراته الأخيرة ضد أياكس أمستردام الهولندي، لقد سقط بالضربة القاضية في عقر داره وبطريقة مهينة.

يوفنتوس كان بحق اسما على مسمى لكن بالمعنى السلبي للكلمة، ففريق “السيدة العجوز” كان عجوزا طاعنا، مُتثاقلا، بائسا، قليل الحيلة، شارد الذهن، مُستسلما لقدره المحتوم خلال تلك السهرة الكروية “المشؤومة”.

لاعبو اليوفي كانوا “عواجيز” عاجزين عن الحركة ورد الفعل ضد شباب أياكس، كان هناك فارق كبير في معدل أعمار لاعبي الفريقين، فشتان بين عناصر هولندية يبلغ معدل أعمارها حوالي العشرين ربيعا ولاعبين من اليوفي شارف أغلبهم على سن الثلاثين.

كان هناك فارق كبير في السرعات، بون شاسع في معدلات الثقة في القدرات وإيجاد المنافذ للخروج من المآزق، فأياكس المتّقد حيوية ونشاطا والمتوهّج شبابا، فاجأ الجميع وقلب كل المعطيات ونجح في قلب تعادله في موقعة الذهاب ثم تأخره بهدف في بداية مباراة الإياب إلى انتصار ثمين أحاله إلى مربع الذهب.

أما اليوفي فلا عزاء له، لقد طأطأ الرأس، انتهى الحلم الأوروبي أسرع مما كان متوقعا، وحتى هذا اللقب الجديد محليا لن يخمد “النيران” التي خلفها الخروج من دوري الأبطال.

يوفنتوس مثل غيره من الأندية الإيطالية أكد أنه لم يستوعب الدرس بعد، فالوصول إلى المراحل النهائية من المسابقة الأوروبية يتطلب الكثير من التضحية، يستوجب إيجاد كل الآليات والسبل التي تحيل الحلم إلى واقع.

فالتعاقد مع نجم “أسطوري” مثل رونالدو لا يضمن بالضرورة اكتساح المشهد الأوروبي، ربما لو جيء أيضا بميسي لفشل اليوفي في الوصول إلى مبتغاه متى غابت العقلانية وانتفت شروط التطور المطلوبة.

فريق “السيدة العجوز” وسائر الفرق الإيطالية يتعين عليها أساسا التخلص من تراكمات الماضي التي أعادت الكرة في هذا البلاد سنوات عديدة إلى الوراء، لقد تخلفت فعلا عن الركب ولم تستطع مجاراة جيرانها.

الأمر يتطلب أساسا تطوير أساليب التدريب وتنمية الخطط والفلسفة الكروية، يستوجب أيضا التطلع بكل ثقة وثبات للمستقبل، لا يجب الخوف من الآتي، لكن يجب أيضا عدم الاستهتار والتهاون، والتعلم دوما من الدروس.

في هذا السياق كانت كلمات المدرب الإيطالي الشهير أريغو ساكي معبرة للغاية حين قال بعد خروج اليوفي من دوري الأبطال “هم بحاجة إلى أسلوب وفلسفة”.

فاليوفي لم يستوعب درس ريال مدريد الذي عاد بالانتصار من أمستردام وكان على مشارف الوصول بكل سهولة إلى الدور ربع النهائي، لكن أياكس استغل تهاون الريال فألحق به شرّ هزيمة وأقصاه من المسابقة.

كان على الفريق الإيطالي أن يكون أكثر حكمة وحذرا عند التعامل مع “ثورة الشباب” في أياكس، ويحرص على الاستفادة من التقدم في النتيجة خلال موقعة الإياب بعد هدف رونالدو.

لكن لا شيء من هذا الأمر حصل، ربما رونالدو استطاع أن يلخّص ما حدث في مباراة العودة بخمس كلمات فحسب “كان لدينا القليل من الشجاعة”.

صحيح ما ذكره “الدون”، ففريقه الإيطالي لم يظهر من الجرأة والشجاعة ما يجعله يحسن التعامل مع أسبقيته، لم يكشف أن لديه المقومات التي تقوده إلى قلب تأخره في النتيجة بعد هدفي منافسه.

كان خروج اليوفي مرآة عاكسة تظهر مدى تراجع الكرة الإيطالية، في الوقت الذي واصلت خلاله الكرة الإسبانية المنافسة كل عام على الألقاب، وفي الوقت الذي تحسن خلاله مستوى الكرة الإنكليزية حيث ستكون ممثلة هذا العام بأربعة فرق في دوري الأبطال والدوري الأوروبي، واصلت أندية إيطاليا ترنحها، لقد أثبتت بحق أنها تخلفت عن الركب، فوداعا إيطاليا.. أعد المحاولة مرة أخرى.

23