وداعا راشد الغنوشي

تميل حركة النهضة إلى التخلص من الغنوشي من أجل أن تحافظ على ما تبقى من بياض في صفحتها، ذلك ما يمكن أن يضمن لها البقاء في الحياة السياسية.
الجمعة 2020/07/03
انقضت سنوات الغنوشي الذهبية

لم يعد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية ذلك الرقم الصعب الذي كانه أيام حكم الترويكا (2011 – 2014).

انقضت سنواته الذهبية وقد كان يظن أنها باقية إلى الأبد، الأمر الذي دفع به إلى التعامل بتعال مع سواه من السياسيين ومع الأحزاب.

ربما أخطأ الغنوشي حين استجاب لغروره فرشح نفسه لرئاسة مجلس النواب التونسي. ذلك خطأ سيدفع ثمنه ما تبقى من حياته السياسية.

لو أنه اكتفى بمكانه في الظل، حاكما يتيح له الخفاء اللعب بدماه كما يهوى لما اقتيد إلى المساءلة التي ثلمت تمثاله وإن لم تكسره بشكل كامل.

بالنسبة لمَن كانوا معجبين به من صغار منتسبي حركة النهضة صار الزعيم موقع شبهات. إن لم تكن تلك الشبهات حقيقية فإنها كسرت الزجاج الذي كان يغلف صورته.

أحبط الغنوشي مسعاه لكي يكون رئيسا للسلطة التشريعية حين غلب فقه الإخوان على قانون الدولة. ذلك ما كشف عن حقيقة أنه لم يكن رجل دولة ولا يصلح للقيام بذلك الدور.

ذكرى الغنوشي ستكون دائما سببا في هبوط أسهم الحركة التي سيتطلب حرصها على البقاء عنصرا مشاركا في الحياة السياسية أن تقوم بإجراء تعديلات جوهرية في نظامها الداخلي

ولقد كان متوقعا أن يعوض الغنوشي هزائمه السياسية من خلال إحكام سيطرته على حركة النهضة. ذلك ما دعاه إلى أن يسعى إلى إجهاض محاولات خصومه داخل الحركة للتخلص من عبئه من خلال القفز على نظام الحركة الداخلي والبقاء زعيما مدى الحياة.

ما كان يعرفه الغنوشي من خلال أتباعه المخلصين وهم مخبروه داخل الحركة أن مؤتمر الحركة القادم سيكون بمثابة انقلاب على زعامته التي صارت جزءا من الماضي بالنسبة لعدد كبير من قياديي الحركة.

لذلك قرر أن يحرج خصومه من خلال جمع أكبر عدد من الأصوات التي تؤيد بقاءه زعيما للحركة. لقد ألهمه وجوده رئيسا لمجلس النواب القيام بتوزيع وظائف ومناصب جديدة على أعوانه كما يُقال.

ولكن مستقبله السياسي لم يعد مضمونا بعد توالي الضربات من قبل خصومه الذين وجدوا في انحيازه لجماعة الإخوان المسلمين إذا لم يكن عضوا فيها مناسبة للنيل منه باعتباره شخصا لا يتمتع بالحس الوطني.

شخص من ذلك النوع لم يعد وجوده زعيما مشرفا لحركة سياسية.

لن تخسر الحركة سمعتها بل ستخسر وجودها كله في الحياة السياسية.

ألا يكفي ذلك سببا لأن يتخذ مجلس شورى الحركة قرارا برفض استمرار الغنوشي رئيسا للحركة؟

كان عبدالفتاح مورو وهو نائب رئيس الحركة ومفكرها قد طوى صفحة الغنوشي باستقالته من الحركة واعتزاله العمل السياسي.

لم يفهم الغنوشي مغزى ما قام به نائبه وهو ليس مستعدا لفهمه.

ربما لأنه لا يخشى الفضيحة.

أحبط الغنوشي مسعاه لكي يكون رئيسا للسلطة التشريعية حين غلب فقه الإخوان على قانون الدولة. ذلك ما كشف عن حقيقة أنه لم يكن رجل دولة ولا يصلح للقيام بذلك الدور

ليس من باب التكهن القول إن سلوكه الشخصي المنحاز لحركة الإخوان من خلال علاقته بالرئيس التركي أردوغان قد جلب إليه منافع ستكشف عنها التحقيقات وهي المنافع التي صارت سببا لإصرار خصومه على النبش في ملفاته من أجل أن يطلع الشعب التونسي على حقيقته.

ما صار متوقعا أن حركة النهضة تميل إلى التخلص من الغنوشي من أجل أن تحافظ على ما تبقى من بياض في صفحتها. ذلك ما يمكن أن يضمن لها البقاء في الحياة السياسية من غيره، وإلا فإنها ستفقد ثقة المواطن التونسي في أي انتخابات تشريعية مقبلة.

وفي كل الأحوال فإن ذكرى الغنوشي ستكون دائما سببا في هبوط أسهم الحركة التي سيتطلب حرصها على البقاء عنصرا مشاركا في الحياة السياسية أن تقوم بإجراء تعديلات جوهرية في نظامها الداخلي من أجل أن تبعد شبهات ارتباطها بجماعة الإخوان عنها.

لقد ألحق الغنوشي بها ضررا فادحا هو الضرر نفسه الذي ألحقه بالحياة السياسية التونسية.

سوف لن ينسى التونسيون للغنوشي أنه سعى لتوريط بلادهم في حرب إقليمية كانوا أشد الراغبين في إنهائها.

8