وداعا سلطة الحكومات مرحبا حكم العصابات

عجز الحكومات عن مكافحة الوباء يفتح الباب لسلطة العصابات والجماعات المتمرّدة والجمعيات الخيرية.
الأربعاء 2020/05/27
الوباء يغذي العصابات

واشنطن - أظهر تفشي وباء كوفيد – 19 منذ ظهوره في مدينة ووهان الصينية الكثير من مواطن الخلل والقصور في تعامل الحكومات الغنية كما الفقيرة مع هذه الجائحة.

وفتح عجز الحكومات عن مكافحة الوباء بابا واسعا للكثير من الأطراف الأخرى المتشعبة والمتداخلة لتقوم بأدوار حكومية كالعصابات والمافيا وكذلك المنظمات الخيرية والإنسانية. وهذا العنصر الجديد يفتح بدوره جدلا واسعا حول مصير العالم الذي بدا أنه يسير فعلا على هدايا ومزايا مفخخة قد تجعله محكوما في المستقبل بسلطة العصابات.

وتدعمت مكانة هذه الأطراف الجديدة بعدما عجزت حكومات قوية في الولايات المتحدة أو بريطانيا عن إدارة الأزمة لوحدها ما جعل ثقة الجمهور في الحكومات والمشرعين تتراجع بشكل لافت، فيما أغرقت الدول الفقيرة العاجزة بطبعها على تحمّل أعباء الوباء بأنشطة العصابات أو بعض الجمعيات والمنظمات الإنسانية المشبوهة.

 وتقول أدري ويلسون في مقال بمجلة “فورين بوليسي” لقد بدأت بعض الجهات كالمنظمات الخيرية وعصابات المافيا، في ملء الفجوة. حيث اغتنمت هذه المجموعات الفرصة وتدخلت حيث تعثرت الحكومات المركزية، أحيانا من أجل تحقيق مصلحتها الذاتية.

وتستدل الكاتبة في تقريرها بتجارب كثيرة منها ما حصل في باكستان، حيث أجبرت نسبة 30 في المئة من الباكستانيين الذين يعيشون في فقر، رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان على الخشية في وقت مبكر من أن الإغلاق على الصعيد الوطني -الذي انتهى في 9 مايو- ستكون له عواقب مدمّرة.وكتبت نيحا مقصود في 11 مايو “عندما تمت مناقشة الإغلاق، تأخر تنفيذه أو تم تنفيذه بشكل جزئي، مما كشف عن افتقار الحكومة إلى سرعة اتخاذ القرار”.

وفي حين أطلقت الحكومة برنامج المساعدة النقدية الخاص بها وصندوق الإغاثة، تقدم المواطنون إلى تلبية احتياجاتهم عبر منظمات الأعمال الخيرية. واستخدمت المنظمات المحلية غير الربحية وحتى الباكستانيون الذين يعيشون في الخارج تطبيق “واتساب” ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي لجذب التبرعات النقدية والغذائية والصابون ومعدات الحماية الشخصية للأشخاص والمستشفيات المحتاجة.

لكن مثل هذه الجهود المجتمعية تبقى مؤقتة، خاصة أن الآثار الاقتصادية لعملية الإغلاق تمتد بعد تاريخ انتهائها. وقد كتبت مقصود “ليس لدى باكستان موارد تمويل كافية لمواجهة الدمار الناجم عن الإغلاق. في الوقت الحالي، تعيش البلاد على استعداد مواطنيها للعطاء”.

وفي أفغانستان المجاورة، واجهت الحكومة انتقادات خلال الوباء لعدم إخضاعها المواطنين الذين يعبرون حدودها للفحص، بما في ذلك القادمون من إيران، التي شهدت انتشارا مبكرا وكارثيا للفايروس. لكن حركة طالبان تدعي أنها فرضت إجراءات عزل على العائدين من إيران، بل وأنشأت مراكز الحجر الصحي الخاصة بها.

العنف المتزايد في أفغانستان يعطل الوصول إلى الرعاية الصحية وسلاسل الإمداد
العنف المتزايد في أفغانستان يعطل الوصول إلى الرعاية الصحية وسلاسل الإمداد

وكتبت آشلي جاكسون في 6 مايو، أن هذه الرسائل هي عبارة عن جزء من استراتيجية دعائية أكبر، ونشرت الجماعة المتمردة مقاطع فيديو وإعلانات تشير إلى أنها استطاعت احتواء فايروس كورونا في المناطق التي تسيطر عليها، من خلال قيامها بإجراءات فحص درجات الحرارة إلى إنشاء فرق للتوعية الصحية.

وتجادل جاكسون بأن المدنيين الذين يعيشون تحت سيطرة طالبان لا يزالون يعانون على الأرجح بشكل غير متناسب طالما أن العنف المتزايد يعطل الوصول إلى الرعاية الصحية وسلاسل الإمداد.

وكتب روبرت موغاه في 8 مايو “شهدت دول مثل المكسيك والبرازيل والسلفادور زيادة في العنف على أيدي عصابات المخدرات وعصابات المافيا، التي تستغل فرصة الوباء لبناء القوة الناعمة من خلال توفير السلع والخدمات الأساسية للفئات الضعيفة”. وفي العديد من الأحياء الفقيرة، تفرض الجماعات الإجرامية، بدلا من الشرطة، أوامر الإغلاق وحظر التجول.وقال موغاه “قد تنمو جاذبيتهم في وقت تفتقر فيه القيادة الحكومية إلى القدرة على إدارة الأمور. وبالإضافة إلى تأجيج العنف المتزايد، يمكن للوباء أن يعزز النفوذ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لبعض المنظمات الإجرامية بنفس الطريقة التي ظهرت بها المافيا الإيطالية ويكوزا اليابانية بشكل أقوى بعد الاضطرابات الكبيرة في الحرب العالمية الثانية”.

وخلق اقتصاد إيطاليا المتعثر فراغا جديدا للمافيا. ففي حين تجنبت المناطق الجنوبية للبلاد إلى حدّ كبير أسوأ الآثار الصحية للوباء، أدى الإغلاق الذي أعقب ذلك إلى فقدان العمل بالنسبة لعشرات الآلاف من العمال غير الرسميين، حسبما أفادت ستيفانيا ديغنوتي في 4 مايو. وتستغرق البلديات وقتا أطول من المتوقع لتوزيع أموال الإغاثة من الحكومة المركزية، تاركة مجالا للجريمة المنظمة للتدخل.

وتقول ديغنوتي “في نابولي، تدخلت المافيا كمزود لطرود غذائية وقروض. وبحسب ما ورد شوهد شقيق زعيم المافيا في باليرمو وهويوزع عبوات الطعام في أفقر أحياء المدينة”.

وتقدم بعض المدن مثل باليرمو برامجها الخاصة للمساعدة الغذائية والنقدية في محاولة لمنع شبكات المافيا من استغلال أولئك اليائسين والعاطلين عن العمل لطلب شكل من أشكال السداد في وقت لاحق. وقال عمدة باليرمو “نعرف جيدا كيف نرد على كل تلك الممارسات، لاسيما وأن باليرمو قاتلت ضد المافيا لعقود. نحن بحاجة فقط إلى أن نكون أسرع ما يمكن، وسنتجاوز هذا الأمر أيضا”.

وقال كل من نينا هاتشيغيان وأنتوني بيبا إن “فشل النظام العالمي المتعدد الأطراف في مواجهة فايروس كورونا بشكل مباشر خلق فرصة للسلطات المحلية في المدن والولايات لاتخاذ إجراءات أكثر حسما. وتتعاون المدن مع بعضها البعض لسد الفجوة التي أحدثها قصور التعاون العالمي”.

6