وداعا للمطوّع

لم أسمع أن مطوّعا قال للناس: هناك رجل مقعد هلّا ساعدتموه على عبور الشارع.. سنودعه قريبا ولن يأسف على فراقه غيري.
الثلاثاء 2018/04/24
المطوّع يحب أن ينهى عن المنكر فقط

كان السائد في إنكلترا أول معرفتي بها، في السبعينات، شراء الحليب من “المِلكمان” (بيّاع الحليب) الذي يطوف منذ ساعات الصباح المبكرة على البيوت مقدما زجاجات الحليب الطازج والبيض والخبز والزبدة أيضا.

الملكمان شخصية ملء العين والوجدان: طلق اللسان بشوش وضاحك وينثر النكات لإضحاك ربات البيوت. وهو يجيد التحدث إلى النساء بلغتهن ووفق اهتماماتهن. وهو أيضا، في بعض الأحيان، كاتم أسرارهن في القمار والرهان على سباقات الخيل ونتائج مباريات كرة القدم. يطوف على ربات الحجال الإنكليزيات ويدفعن له ثمن الحليب والبيض وما تيسر من رهان على نتيجة مباراة آرسنال وليفربول السبت المقبل.

وبلغ ارتباط بياع الحليب بربات البيوت أن المرأة إذا ولدت طفلا جميلا يقولون لها “يا شيطانة، من هو بائع الحليب الوسيم؟” نعم، الملكمان متهم بقلة الأدب أيضا.

انكمش حضور بائع الحليب تدريجيا مع اتساع السوبرماركت وعبوات الحليب الرخيصة. وكاد الملكمان أن يتحوّل إلى واحد من معروضات المتاحف المحلية حيث يأخذ الأب ابنه في عطلة نهاية الأسبوع ليقول: هذا هو الملكمان وكان يجيئنا بالحليب كل صباح. لكن هذا لم يحصل. انتبه الناس إلى قرب استحالة الملكمان إلى شيء من التاريخ فتلافوا الأمر وعادوا، ولو جزئيا، إلى الشراء منه، وظل بائع الحليب يسعى وأراه كل صباح.

لكننا للأسف لا نتدارك المهن المهددة بالانقراض من ندّاف القطن إلى دقاق النحاس إلى الروّاف الذي يسمونه في مصر الرفّاء. وقد استحال أصحاب بعض هذه المهن إلى شيء من التاريخ فعلا، وصاروا دمى من الشمع ألبسوها ملابس تقليدية ووضعوها في المتحف. في المتاحف دائما يسرفون في فولكلورية الملبس؛ ألم تلاحظوا أن دمى المتاحف كلها تشبه رئيس أفغانستان السابق حميد كرزاي؟ واضح أن كرزاي أرادته وزارة الخارجية الأميركية أن يبدو أفغانيا تقليديا، فصار أفغانيا من وجهة نظر السياح.

لكن ما كل الوظائف يريد لها الجمهور البقاء. أراقب التغييرات في السعودية ويبدو أنها ستؤدي إلى نهاية “المطوّع″، ولا يبدو أن أحدا يكترث لغيابه، بل إن القطاع الأوسع يريد له أن يتحول إلى شيء من التاريخ، ولكن لا يريدون له حتى الظهور في المتحف.

والمطوّع هذا فرد بلحية صحية ودشداشة ضامرة، له وظيفتان يقوم بواحدة منهما ويهمل الأخرى؛ المفروض أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكنه يحب أن ينهى عن المنكر فقط. لم أسمع أن مطوّعا قال للناس: هناك رجل مقعد هلّا ساعدتموه على عبور الشارع.. سنودعه قريبا ولن يأسف على فراقه غيري.

24