وداع مباغت

السبت 2016/04/02

وهذا مكتوبٌ جديدٌ سأسميه مكتوب الوداع الأخير، للمستطيل الجميل الذي أحرث فيه منذ نحو سنتين، وتظهر حروفهُ المبكيات المسعدات، صباح كلّ سبتٍ فوق أخيرة جريدة العرب اللندنية البديعة. لقد كانت صحبة طيبة معكم، حتى صار واحدكم مثل أُمٍّ إنْ غاب وليدها عن الدار ساعة بعد منتصف الليل، تحولت عيناها إلى مضيف لنجمات السماء الساهرات.

غدا وعند غبش الصبحية، سأركب طائرة فخمة محلقة صوب بغداد العباسية العزيزة، وسأتخذ من بناية القشلة التأريخية وساعتها المشهورة، مكان عملٍ عظيم، سينتج عنه مولود مذهل، قد يكون أحد أفخم مشروعات الثقافة والفن في الشرق كلّه، وبتمويل سخيّ غير منّان ولا طنّان من دولة اليابان الطيبة الكريمة. تلفزيون فضائي كوني غير مسبوق، له مجسات مزروعة على طول الأرض وعرضها. نافورات عملاقة تطلق أعذب موسيقى وأذان فجر وأجراس كنائس. مسرح فرجة متطور يأكل نصف جرف دجلة، الذي يبوس القشلة ويؤذن مع ساعتها العالية، أذانا رحيما موقوتا حسب دقات قلب بغداد وما حولها. استملاك المنطقة التراثية المستطيلة الممتدة من جسر باب المعظم شمالا حتى جسر الشهداء العتيق جنوبا، بما فيها منطقة جديد حسن باشا والحيدرخانة وساحة الميدان، التي ستبزغ منها بناية ضخمة لإيواء سيارات الزائرين، وتحويل المنطقة إلى محمية تراثية مذهلة، بمعونة من أشهر شركات ومكاتب حماية التراث في الكون.

ستتحول البيوتات البغدادية التراثية هناك، إلى فنادق ونزلٍ صغيرةٍ لمنام الزوار وضيوف المهرجانات البلدية والعالمية، وسيطلق على كلّ نزلٍ منها اسمُ أديبٍ أو فنان أو عالم رافديني معروف. ستحتفظ المقاهي والمطاعم والحانات والمانات والأزقة والدكاكين والمغازات القديمة والقائمة حتى الآن، بأسمائها التي ظهرت عليها أول مرة، ومنها مقاهي أم كلثوم وحجي خليل والزهاوي وحسن عجمي حبيبتي والبرلمان والأعيان والشابندر، ومطاعم كبة السراي وكباب الإخلاص وابن سمينة وشربت زبيب حجي زبالة وكعك السيد. سيقتصر التنقل داخل هذا المستطيل العجيب على الربلات الحديثة التي تجرّها الأحصنة القوية الرائعة.

سيقوم الفنان الكبير معاذ الآلوسي برسم خارطة دارٍ تراثية تبنى فوق قطعة أرضٍ فارغةٍ قريبةٍ من الإعدادية المركزية، لتكون بيت العمر الذي سأعيش فيه صحبة عائلتي.

في النهاية أحبتي وحبيباتي، سأعترف لكم بأنني كتبتُ هذا المكتوب البارحة، لمناسبة يوم مولدي ببغداد أُم البلاد، في الأول من أبريل وقبل خمس وخمسين سنة، وهذا اليوم تسميه الناس، يوم الكذب العالميّ الأبيض، والعتب على اليابان التي ورّطتني بهذا الحلم اللطيف!

24