وديعة سعودية لمساعدة باكستان على استعادة توازنها

الاهتمام بالحفاظ على تماسك إسلام آباد واستقرارها خدمة لمفهوم الأمن الإقليمي الشامل.
السبت 2018/12/15
حين تتوقف عجلة الاقتصاد تدور رحى التشدد

مساعدة المملكة العربية السعودية لباكستان ماليا تتجاوز مجرّد كونها حركة ودية تجاه بلد تعود الصداقة معه إلى عدّة عقود، إلى كونها جزءا من عمل استراتيجي أبعد مدى يتمثّل في مساعدة بلد كبير على التماسك حفاظا على دوره في حفظ التوازن داخل منطقة ملتهبة بالصراعات وعرضة للمطامع ونوازع التمدّد خارج الحدود.

إسلام آباد - أظهر الإعلان عن وديعة مالية سعودية لدى البنك المركزي لباكستان، مجدّدا انخراط الرياض في جهود إعادة التوازن لهذا البلد الآسيوي الكبير الذي واجه صعوبات وتحديات سياسية واقتصادية وأمنية من شأنها الحدّ من الدور المأمول أن يؤديه في منطقته.

وأودعت السعودية، مليار دولار لدى البنك المركزي الباكستاني، لدعم وضع الاحتياطيات المتدهور، في أحدث دفعة للمساعدة على تجنّب أزمة في ميزان المدفوعات وفق صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

واهتمام السعودية بالحفاظ على تماسك باكستان واستقرارها جزء من تطبيق مفهوم الأمن الإقليمي الشامل الذي يقوم على إنشاء منظومة من الدول المشتركة في الرؤى والأهداف في مواجهة المخاطر والتهديدات سواء كان مأتاها منظمات إرهابية أو دول طامحة للتمدّد على غرار إيران.

وتستمد باكستان التي تعدّ قرابة الـ297 مليون ساكن، غالبيتهم من المسلمين السنّة، جزءا من أهميتها من موقعها الجغرافي إلى جوار كل من أفغانستان غير المستقرّة منذ عقود، وإيران الطامحة إلى مدّ نفوذها خارج حدودها، ما يجعل لإسلام آباد دورا مهمّا في الحفاظ على توازن المنطقة.

كما تجاور باكستان، الهندَ وتخوض معها صراعا على منطقة كشمير المتنازع عليها وهو من العوامل التي أثقلت كاهل الباكستانيين، وحرمت البلدين معا من فرص تعاون كبيرة.

وتواجه باكستان مصاعب اقتصادية ذات أثر واضح على الوضع الاجتماعي الذي بدأ تراجعه يشكّل أرضية لمزيد من صعود حركات إسلامية راديكالية، على غرار حركة “لبيك باكستان” بقيادة رجل الدين المتشدّد خادم حسين رضوي، وهي ذات الحركة التي أشعلت الشارع مؤخّرا باحتجاجات عارمة بعد قرار القضاء الباكستاني تبرئة امرأة مسيحية من تهمة التجديف.

كما سجّلت علاقات البلد بالولايات المتحدة تراجعا في عهد الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب الذي ألغت إداراته في سبتمبر الماضي مساعدات عسكرية لإسلام آباد بقيمة 300 مليون دولار على خلفية اتهامها بـ”التقاعس عن اتخاذ إجراء حاسم ضد المتشددين”، وهذا المبلغ جزء من مساعدات أكبر لباكستان كان الرئيس ترامب أعلن تعليقها بداية العام الحالي.

وتشير الأرقام إلى تلقي باكستان لحوالي 33 مليار دولار كمساعدات أميركية منذ عام 2002 من بينها 14 مليار دولار من برنامج تابع للبنتاغون يستهدف تعويض الحلفاء المخرطين في عمليات مكافحة الإرهاب.

ويحذّر خبراء استراتيجيون من أن معاملة واشنطن لإسلام آباد على أسس مالية وفق مفهوم الربح والخسارة المباشرين قد يدفع بباكستان نحو مدار الصين وروسيا، وهو ما قد يمثّل ضربة حاسمة للاستراتيجية الأميركية تجاه النفوذ الإيراني في المنطقة، ويمنح طهران منفذا استراتيجيا يمكنها من مقاومة عقوبات غير مسبوقة فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد قراره في مايو الماضي الانسحاب من الاتفاق النووي.

معاملة واشنطن لإسلام آباد على أسس مالية وفق مفهوم الربح والخسارة قد يدفع بباكستان نحو مدار الصين وروسيا

ونقلت الفايننشال تايمز عن عابد قمر المتحدث باسم البنك المركزي الباكستاني قوله إنّ الوديعة السعودية جاءت في إطار اتفاق بين الرياض وإسلام آباد.

وفي أكتوبر الماضي وافقت السعودية على إقراض باكستان 6 مليارات دولار نصفها ودائع لتعزيز احتياطيات البنك المركزي والنصف الآخر قيمة مدفوعات مؤجلة لشراء شحنات نفطية.

وجرى الإعلان عن الاتفاق عقب اجتماع بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان خلال فعاليات منتدى مستقبل الاستثمار بالرياض في أكتوبر الماضي.

وتوقّع مسؤول آخر في المركزي الباكستاني في حديثه لفايننشال تايمز أن تتلقى بلاده مليار دولار آخر مطلع العام 2019، لدعم احتياطيات البنك. ويقول المحللون إن وفاء السعودية بالتزاماتها، وفّر ما يكفي من الوقت لباكستان لوضع اللمسات الأخيرة على قرض جديد مع صندوق النقد الدولي.

ومن المتوقع أن تعقد الجولة القادمة من المفاوضات بين ممثلي وزارة المالية الباكستانية ومسؤولي صندوق النقد الدولي بحلول منتصف يناير المقبل.

وجرى انتخاب رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في يوليو الماضي بفضل وعوده بمحاربة الفساد وإصلاح الاقتصاد.

وتعهد نجم الكريكيت الدولي السابق بتوفير 10 ملايين فرصة عمل وتيسير الأمور للقطاع الخاص لبناء 5 ملايين مسكن منخفض التكلفة والحد من ارتفاع الأسعار ومعالجة أزمة الطاقة مع إيلاء أهمية كبيرة للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

وتواجه باكستان أزمة اقتصادية ناتجة عن اتساع عجز ميزان المعاملات التجارية بمقدار 43 بالمئة ليصل إلى 18 مليار دولار بينما قفز عجز الموازنة إلى 6.6 بالمئة. ودفع ذلك إسلام أباد إلى التفكير في اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لاقتراض ما بين 8 و12 مليار دولار ضمن حزمة إنقاذ، مع التراجع السريع في احتياطات باكستان من النقد الأجنبي. لكن حكومة خان ألمحت أنها قد تتجه إلى مصادر تمويل أخرى منها الاقتراض من طرف ثالث.

3