وراء الصور الصادمة مصورون اجتازوا خطوطا حمراء ومحظورات

لا تعتبر صورة تعذيب المدنيين في الموصل مجرد أدلة على بشاعة الحرب وقسوتها، لكنها أقحمت الصحافة في مسألة أخلاقية مع اضطرار مصورها لتقديم تنازلات من أجل الفوز بهذه الصور وإظهارها للعالم، لكن الجدل بشأن الصور الصادمة لن ينتهي وسيستمر طالما الحروب مستمرة.
الأربعاء 2017/10/11
الصور الصادمة تحفر في الذاكرة

باريس – مازالت أصداء صور تعذيب المدنيين واغتصاب النساء في مدينة الموصل العراقية حديث وسائل الإعلام العالمية، بعد أيام على فوز المصور العراقي بجائزة بايو أكبر جائزة فرنسية لمراسلي الحرب، وأعادت للأذهان صور سجن أبوغريب في عام 2004، التي صدمت العالم وكشفت ما تعنيه الحرب لأولئك الضحايا الذين يتجاهلهم العالم.

ودار النقاش بشكل خاص حول الصورة الصادمة، واحتدم الجدل أكثر عند تباين الآراء بين أن يكون المصور والصحافي كاتب التقرير جريئا ومجازفا، وبين رغبة وكالات الأنباء بكشف حقائق مغيبة.

ووجدت لجنة تحكيم الجائزة نفسها أمام مواجهة أخلاقية أثناء اتخاذها القرار بشأن مجموعة من الصور بعنوان “تقبيل الموت” التقطها أركادي أثناء مرافقته وحدة من القوات الخاصة العراقية، الأسبوع الماضي، إذ أن ليس المحتوى فقط هو ما أزعج لجنة التحكيم. فقد أقر أركادي (34 عاما) بأنه تعرض للضغط من أجل ضرب اثنين من المشتبه بهم أوقفتهم القوات العراقية، وأنه أقدم على صفع رجل وضرب آخر، خلال جلسة تعذيب بهدف إنقاذ نفسه، وأنه “ليس فخورا” بذلك.

ويطرح متابعون للقضية مسألة الظروف الصعبة التي تفرض على الصحافيين والمصورين ومدى التنازلات التي يجب عليهم تقديمها في أماكن الحروب والصراعات من أجل القصة الصحافية، حيث لا تكفي الشجاعة والجرأة للفوز بالقصة وكشف الحقائق، بل تحتاج إلى نوع من الحكمة والدهاء كما في حالة أركادي.

ويقول جيريمي بوين مراسل الحرب المخضرم من “بي بي سي” عن تلك الصور “إنها أكثر الصور الشريرة والمزعجة التي شاهدتها في حياتي”.

وأضاف بوين الذي رأس لجنة التحكيم لجائزة بايو-كالفادوس أن الصورة ليست “قوية حقا” فحسب، “إنها شريرة”. كما تساءل مراسلي حرب آخرين ما إذا لم يكن تم تخطي خط أحمر. وفيما أصر على أن “الخدمة التي قام بها بالتقاط تلك الصور أقوى من حقيقة ارتكابه بعض الأخطاء”، لم يقنع ذلك آخرين.

جيريمي بوين: صور الانتهاكات في العراق أكثر الصور الشريرة والمزعجة التي شاهدتها

وقال عضو آخر في اللجنة طلب عدم ذكر اسمه إنه يشعر بالقلق إزاء المسائل الأخلاقية التي تثيرها تلك الصور “الصادمة”.

وأضاف “القصة غير واضحة. أشخاص كثيرون يعتقدون أنه أبدى شجاعة كبيرة في إخبار القصة… لكنني أعتقد أننا لا نوجه الرسالة الصحيحة في مكافأة هذا النوع من العمل”.

واضطر أركادي إلى الفرار من العراق مع أسرته في وقت سابق هذا العام حاملا معه صورا وأفلاما قال إنها تثبت ارتكاب “وحدة الرد السريع” التي رافقها لشهرين، جرائم حرب.

وقال أركادي إنه استمر في العمل مع تلك الوحدة بعد حصول التعذيب، لشعوره جزئيا بالذنب، لأنه كان قد رسم صورة بطولية عن هؤلاء الجنود في تقرير سابق لشبكة التلفزيون الأميركية “إيه بي سي”.

وقالت وكالة الصور “VII” (سبعة) التي يعمل لها ومقرها الولايات المتحدة والتي ساعدته على الخروج من العراق، “ما بدأ قصة إيجابية بالنسبة لعلي حول الجنود السنة والشيعة الذين يقاتلون في المعسكر نفسه ضد عدو مشترك، تحول إلى رحلة مروعة تشمل التعذيب والاغتصاب والقتل وسرقة مدنيين أبرياء على أيدي عناصر وحدة الرد السريع”.

وصرح أركادي “رأيت اثنين من الأبطال (قادة الوحدة) يرتكبان أمرا سيئا”، مضيفا “بدأوا بتعذيب أشخاص واغتصاب نساء. كل شيء تغيّر في ذهني، أصبحت مشوشا. قررت أن أقوم بالمزيد من التحقيق”.

ويرى بوين الذي أمضى عقودا في كتابة تقارير عن الشرق الأوسط أن حقيقة كشف أركادي عن انتهاكات لم تكن لتنكشف لولاه، هي العامل الأهم. وقال “أعتقد أن إقراره بالأخطاء التي ارتكبها أمر مهم جدا. أخلاقيا، لم يقم بالتعذيب”.

ورفض شون سميت مراسل الحرب البريطاني من صحيفة “غارديان” والحائز على جائزة بدوره “إدانة” أركادي.

لكن بالنسبة إليه “النظام الذي وضعه في ذلك الموقف، حيث غالبا ما يقوم مراسلون محليون يعملون على حسابهم الخاص بتغطية التقارير من مناطق حروب خطرة، هو المشكلة الحقيقية”. وتابع “النظام كله تخلخل، لأن كبرى المجموعات الإعلامية باتت ترسل عددا أقلّ من أصحاب الخبرة”.وأوضح “لا يوجد أحد. عمليا كل التغطية تأتي من مراسلين يعملون لحسابهم الخاص ومن وسائل التواصل الاجتماعي”.

ويعتمد عمل المراسلين المستقلين إلى حد بعيد على خياراتهم الشخصية ومعاييرهم الخاصة، فـ”إما لا يقومون بأي تغطية، وإما يذهبون إلى تغطية أكثر المواضيع إثارة للجدل. هم فقط يغذون” وكالات الأنباء التي تريد أن تظهر أنها “لا تزال تعمل رغم أنها لم تعد تغطي معظم المواضيع”.

وتابع “وعندما تحدث مشكلة ما، يصبح الشخص كبش فداء ويبدأ الجميع بالكلام عن الأخلاقيات”.

وقال غاري نايت أحد مؤسسي وكالة الصور “VII” (سبعة)، أن الوكالة لم تعرف ما الذي اكتشفه أركادي عندما كان يعمل على التقرير، مضيفا “لم نضغط على علي لنشر الصور”.

وأضاف “اقترحنا عليه التفكير مليا… لأننا كنا نعرف أنه سيضطر إلى مغادرة البلاد حفاظا على سلامته، ربما إلى الأبد، إذا ما قام بذلك”. وتابع إنه قام مع مصوري الحرب المخضرمين كريستوفر موريس ورون هافيف “بتقديم الدعم والنصح لعلي لسنوات”.

لكن سميث يقول إن أركادي لم يكن يجدر به المشاركة في عمليات تعذيب، لكن المصورين أحيانا يجدون أنفسهم في مواقف صعبة.

وأوضح “إذا رافقت أشخاصا كهؤلاء لا يمكنك القول لا أوافق على ما تفعلونه، تسير معهم وتختفي، وربما ينتهي بك الأمر للشرب حتى الثمالة معهم”. وأكد أن هناك دائما “خطرا حقيقيا بأن ينتهي بك الأمر مرميا على جانب الطريق برصاصة في رأسك”.

18