ورثة الطبيعة

الاثنين 2017/05/08

السعادة لا يُمكن إخفاؤها، وهنا يكمن عيبها، السعداء كائنات غير مخيرة في إخفاء ما تشعر به، يربكها أنها مختلفة في خروجها على المنطق الذي يفرض الكآبة شرطا للرزانة، ولأن السعداء كائنات حرة فإن حريتهم غالبا ما تزعج.

الحرية تُقلق لأنها فعل هدم، الحرية تهدم ما قبلها حين تهبه هيأة غازية وتهدم ما بعدها حين تكسبه هيأة سائلة، لذلك فإن الحرية حين تلمس إما أنها تنزلق مثل قطرة مطر أو ترتفع كعطر وردة.

الحرية تختفي مثل السعادة، ما نبقيه يؤكد مرورها، مَن لا تمسه السعادة هو إنسان محروم من شروط إنسانيته وأولها الحرية، ليست السعادة ثقيلة إلا لمَن حرم نفسه منها، وهي ممكنة مثل الحرية، لكن بشرط أن نتوجه إليها بقلوب مفتوحة، يملأها الشغف بالحب، كونه مغامرة الخلق الأولى، فلولا الحب ما كنا، به ومن خلاله تنفتح حقول جاذبية معكوسة تصعد إلى السماء.

الكائنات المحبة هي كائنات سعيدة، تحلم بالحب وهي تعيشه، تعيش الحب ولا تتوقف عن تخيله، سعادتها تكمن في المضي قدما وراء زقزقة عصفور وخفقة عشبة وضربة جناحين وبوح فراشة وانزلاقة ضوء شبيهة بالفكرة التي تولد بيضاء لتكتسب زرقة متخيلة مستلهمة من البحر.

من غير الحب ما من شيء اسمه الحرية، وما من شيء اسمه السعادة، بدوره فإن الحب يبدو صحراء قاحلة إذا لم تروه السعادة بمطرها ولم تمشط سنابل حقوله عواصف الحرية.

كما الحب، كما الحرية السعادة جميلة، جمالها يهب الحياة معنى، تتماهى من خلاله الصور بما تختزنه من أصوات، هي في حقيقتها صدى لإيقاعات الطبيعة.

السعيد هو كائن تقترحه الطبيعة ليكون نموذجها الذي تقدمه من أجل أن يكون العالم أجمل، في السعادة ومن خلالها تجد الطبيعة فرصتها لكي تعبر عن رخائها.

ما لا نراه من كرم الطبيعة يمكن لكائن سعيد أن يضعه على المائدة أمامنا، السعداء هم ورثة الطبيعة الحقيقيون.

كاتب عراقي

16