وردة التناقضات تتفتح في "فيلا 69" للمخرجة أيتن أمين

الجمعة 2014/02/07
فيلم "فيلا 69" التفاتة ذكية إلى نهاية عقد الستينات وصعوباته

القاهرة - منذ البداية تبدأ الكاميرا في التقاط التفاصيل والسمات التي تحيط بتلك الشخصية المتشرنقة في حيزها حيث العزلة والانعزال عن العالم الخارجي. حسين مهندس معماري عاد إلى مصر بعد فترة عمل بباريس، ليستقر في النهاية بفيلا رقم 69 التي يمتلكها والده. وبمرور الوقت نكتشف حياته الرتيبة التي يشكل المرض بطلها الأول.

في هذه الفيلا لا شيء سوى الروتين اليومي، العامل الذي يقرر تركه حسين عندما يكتشف حقيقة مرضه، والممرضة التي تأتي بشكل منتظم لتتابع حالته الصحية وتعطيه الأدوية المطلوبة. بمرور الوقت نكتشف أن الممرضة هي إحدى الشخصيات المقهورة أيضا نتيجة تعرضها لعنف وضرب مبرح من أخيها، نتيجة خلافات حول الميراث وقطعة الأرض التي تشكل مفتاحا من أجل زواجها بشاب يعاني ضغوط الحياة.


نظام وصرامة

الحياة في الفيلا شديدة الصرامة والنظام، لا جديد سوى الجرائد اليومية وبعض الإسطوانات الموسيقية لموسيقار الأجيال “محمد عبدالوهاب”. إلى أن تطل على سطح الأحداث شخصية “نادرة” أخت حسين التي تؤديها الفنانة “لبلبة” وابنها “سيف”؛ حيث تطلب منه المكوث عدة أيام ريثما ينتهي العمال من صيانة شقتها. بالرغم من الأوامر والقواعد الصارمة التي يضعها حسين أمام سيف طوال الوقت، إلا أنها تبدأ في التلاشي تدريجيا لوجود بعض العوامل المشتركة بينهما.

حسين الذي يصبح النوم ملاذه الوحيد للأحلام والجلوس مع حبيبة وصديقين ينتمون إلى الماضي. فشخصية حسين الفظ، الصارم، المتشرنق، صاحب المزاج الخاص، والذي يسدد الشتائم إلى كل من حوله، تكشف في العديد من المشاهد عن قلب نضر يميل إلى الحرية والجمال بمفاهيمه الزمكانية.

حسين لا يحب من الشعر سوى “أمل دنقل” والذي يشير إليه في أحد المشاهد بعدما يقرأ جزءا من قصيدة له، ثم “فؤاد حدَّاد” الذي ينصح الشاب سيف بأن يقرأ له. كما أنه لا يحبّ من الغناء سوى “أم كلثوم” و”محمد عبدالوهاب”.

لحظات المرض والضعف التي يمرّ بها حسين تعدّ من أكثر مشاهد الفيلم واقعية وخصوبة، شريط ممتد تلتف حوله الذكريات واللقطات العابرة. وبالرغم من تلك الحياة القاسية التي يعيشها حسين، تنجح شخصية أنثوية في التسلل إلى عالمه، نعرف فيما بعد أنها ابنة أحد أصدقائه، وهو فنان تشكيلي يقيم أحد المعارض الفنية بالخارج.

إلا أن هذه الشخصية بالرغم من التفاوت العمري بينهما، تبدأ في الولوج إلى عالم حسين والتشبث به، وربما تقع في غرامه أيضا. تظن نادرة أن هناك حالة انجذاب من ابنها سيف تجاه سميرة المصورة، فتحاول أن تبعدها عنه وتخرجها من المنزل إلا أن حسين يتصدّى لها ويخبرها أن هذه الفتاة من معدن آخر.

نهاية الستينات

التفاتة شديدة الذكاء ربما في الرقم (69) الذي يشير إلى نهاية عقد الستينات بكل ما فيه من صعوبات ومشاكل والانتقال إلى مرحلة جديدة أراد جيل بأكمله أن تتسم بالحرية والثورة على الثوابت والأفكار المتحجرة. إنها سيمفونية الحياة اليومية للتغلب على القمع والمرض والعزلة عن طريق الاحتفاء بالمفردات الرقيقة التي مازالت خضراء بداخلنا.

الصمت والحوار المتقطع طوال الفيلم يوفران حالة من التساؤل حول ماهية الحياة والحرية والعزلة والعدل الذي يمكن أن يتحقق في أحد الأيام.

طوال الفيلم يظل سؤال وحيد يتردد: كيف ستكون النهاية بعد أن اقتربت نهاية حسين مع اشتداد أعراض المرض عليه؟ بالرغم من خشونة الحياة التي لا يظهر منها في الخارج سوى شخص كبير السن يعمل بالمؤسسة الأمنية ويتعاطى الفيتامينات اليومية، في التفاتة من النصّ حول تجدّد العصا الأمنية وتحوّرها بشكل يميل إلى الترميز والاستنباط. أخيرا بعد هذه العزلة الطويلة يقرر حسين بإرادته الخروج من شرنقته ومواجهة العالم الخارجي بعدما يصطحب معه سيف وآية. في حركة أشبه بخطوات المشي تصل الكاميرا الرائعة إلى “جراج الفيلا”، ويأمر حسين الشاب سيف (18 عاما) بالسيطرة على مقود السيارة مع بعض النصائح والتوجيهات البسيطة حتى يتفادى التخبط وتجريح جسد السيارة.

في النهاية ينجح سيف في سياقة السيارة، حيث يرافق حسين وآية في رحلة تمتدّ من موقع الفيلا إلى كوبري قصر النيل، فميدان التحرير والشوارع الجانبية لمنقطة وسط البلد التي تتشح جدرانها بجرافيتي الثورة والشهداء، إلى أن ينتهي الفيلم وتستمرّ السيارة في رحلتها.

17