وردة الحب الصافي

لعل أجمل ما في هذه الوردة هو هشاشتها، على الأقل تلك التي أرادت أن تظهر بها أمام أمير طفوليّ لتستوحذ على كامل قلبه.
الجمعة 2018/03/16
ورود عاشقة

كلمات الحب الراقية التي كتبها الشاعر أحمد رامي لأغنية محمد عبدالوهاب البديعة “يا وردة الحب الصافي” كان باستطاعتها أن تكون اللسان الشادي لحال الأمير الصغير، وهو يناجي وردته الجميلة التي نبتت على كوكبه من بذرة “جاءت من حيث لا يدري”، والتي جلبت له الحزن والخوف من فقدانها.

لعل أجمل ما في هذه الوردة هو هشاشتها، على الأقل تلك التي أرادت أن تظهر بها أمام أمير طفوليّ لتستوحذ على كامل قلبه.

وما كانت لتكون مناجاة الأمير الصغير لوردته صائبة بكلمات أغنية محمد عبدالوهاب لولا الشبه الكبير ما بين ما يناجيها، أي كلمات محمد عبدالوهاب المُغناة، ووردة الأمير الصغير التي استوحى “شخصيتها” الكاتب أنطوان سانت إكزيسبوري من علاقته بزوجته كونسيويللو بالغة الحساسية والحنان، والتي كتبت لاحقا بعد وفاة الكاتب رواية بيوغرافية سردت فيها تفاصيل الحب القويّ الذي جمعها بالكاتب، والذي كان موشوما بسلسلة من الخيانات وصراعات لا تنتهي، ولا هي استطاعت أن تتحملها دون أن يؤثر ذلك في شكل علاقتهما.

طلبت الوردة العاشقة من الأمير الصغير في نهايات القصة أن يرفع عنها الوعاء الزجاجي الواقي، الذي أحضره إليها بناء على طلبها، بحجة أنها لم تعد تحتاج إليه، طلبت منه ذلك بعد أن ضاق ذرع الأمير بشكوكها وطلباتها فقرّر أن يغادر كوكبه.

جولات من الكر والفر والبعاد والتلاقي وشمت العلاقة الإستثنائية التي جمعتهما وأورق بها الحب الصافي شفافية وهشاشة وخوفا لا يهدئ من كل أشكال النهايات.

إذا غادرنا أجواء الورود الحقّة وما مثّلته من حب عميق وخوف من خسارته في الشعر والمغنى والأدب وعدنا إلى عالمنا المعاصر، فسنعثر على مفهوم آخر للحب ولدوام نعمة الحب

فجاءت على هذا النحو كلمات الأمير/الكاتب إلى الوردة/الزوجة لتتوّج حالة حب لا يغادره القلق “ألقت بسحر عطرها وضوءها عليّ.. يا ليتني فهمت الحب الغامر الذي اختبأ خلف تصرفاتها”، أو ربما جاءت  كلماته عن أحوال قلبه مُقتبسة من الأغنية البديعة “يا هل ترى انكتب للفؤاد/ شوك الضنى ولاعبير الوداد/ هبّ النسيم من بهاك/ عطر بحسن الآماني/ يا ريت يدوم لي بهاك..”.

أما إذا غادرنا أجواء الورود الحقّة وما مثّلته من حب عميق وخوف من خسارته في الشعر والمغنى والأدب وعدنا إلى عالمنا المعاصر، فسنعثر على مفهوم آخر للحب ولدوام نعمة الحب، أو ما قد يشير إلى هذا الدوام من رموز بصرية كالوردة الحمراء.

ومن آخر صرعات تجلي فكرة الحب وطمأنينة دوامه في مقابل الخوف من خسارته ومُداراته باهتمام شديد، ما قدّمه الفنان كيفن أبوش، والذي إلى جانب كونه رساما، فهو مصوّر فوتوغرافي وفنان في حقل التجهيز الفني و”الفيديو انستالايشن”.

أما ما قدّمه هذا الفنان، فهو عبارة عن صورة ديجيتالية لوردة حمراء لن تفنى بيعت بمليون دولار لعشرة أشخاص ليتشاركوا فيها في ذات الوقت أو دوريا، مع كل ما قد توحي به لنا هذه الحالة من أفكار متناقضة، ويعتبر سعر هذه  الوردة أعلى ما تمّ تقديمه لقاء عمل افتراضي حتى الآن.

أما اسم هذا العمل الفني فهو “الوردة الأزلية” قدّمها أبوش خلال هذه السنة احتفالا بـ”الفالنتين داي” أو عيد الحب، وقال صاحب العمل في مناسبة إطلاق عمله الديجيتالي “صحيح أنه لا يمكن لمس هذه الوردة أو الشعور بعطرها، ولكن يمكن لمالكيها أن يستمتعوا بمنظرها وأن يقدّموها أو يبيعوها متى ولمن شاءوا”.

لا داعي للخوف من فناء الحب ورموزه بعد الآن، لأن الخوف بات في مكان آخر تماما قد لا نكون أمعنا التأمّل بماهيته وفداحته بعد، لشدة انتشائنا بجديد التقنيات وصرعات الكثير من فنون ما بعد الحداثية.

وهكذا تكون وردة محمد عبدالوهاب لقت مصرعها بشكل نهائي، ويكون الأمير الصغير قد وجد ضالته بعيدا عن الوردة الحقّة في أحضان نسخات أثمانها غالية في السوق، ولكن رخيصة في المعنى.

17