"وردي 2022".. السودان يحتفي بفنان أرخ لنصف قرن بالغناء

محمد وردي الفنان السوداني الذي أنشد بأصوات أفريقيا.
السبت 2021/09/25
فنان الشعب الماثل برمزه الثقافي والحضاري الخالد

إذا كان لكل شعب رمزه الثقافي والحضاري الخالد الذي ينعش وجدانه ويحفظ وهج الانتماء فيه، ويصل ماضيه بحاضره ليبقى عنوانا لمستقبله، فإن للسودان محمد وردي، المطرب والموسيقار الراحل الذي أحبه الشعب فجعل منه رمزا لوحدته وأيقونة للفن والغناء حتى اجتمع على احترامه الفرقاء، ورقص على موسيقاه القادة والزعماء والنخب والدهماء، وردد أغانيه المتعلمون والأميون والأغنياء والفقراء.

تحولت أعمال الفنان السوداني الراحل محمد وردي إلى سجل يوثق الأحداث ويدوّن لحظات التاريخ ويصوّر المواقف والقصص الإنسانية ويعبّر عن المشاعر والأحاسيس بتدفق مذهل، فتحوّل إلى أسطورة تجاوزت حدود بلاده إلى دول الجوار، وامتلك مقومات الزعامة الفنية بثقافته الواسعة والتزامه الراسخ بدوره، وحمل عن جدارة لقب "فنان الشعب" و"مطرب أفريقيا الأول".

ومن منطلق التقدير لتاريخه ورصيده الفني قرر السودان إحياء الذكرى التسعين لميلاده بإعلان “وردي 2022” عاما لاستلهام “مسيرته الفنية الكبرى في حاضر الوطن وثورته ومستقبله، باعتبار أن مشروع الرمز الوطني الكبير محمد وردي كان تعبيراً عن ترسيخ الهوية السودانية والاحتفاء بالتعددية الثقافية والانفتاح على مكونات الوطن جميعها، والتغني بآمال الشعب وطموحاته في حياة حرة كريمة تظللها رايات السلام والحرية والعدالة، ولم يكن ذلك من وردي مجرد شعارات بل تطبيقاً عملياً عاشه في حياته واتسم به عبر مسيرته الطويلة، وفي كل مراحل حياته وإبداعه. وقد أحدث مشروع وردي في كل هذه الاتجاهات إسهاماً بارزا في دوائر الإقليم وقارات العالم”، وفق ما أكدته لجنة التنظيم.

وقالت اللجنة إن “أبناء من السودان قد تنادوا طوعاً من شتى قطاعات المجتمع ومن كل أنحاء الوطن وخارجه، وتشكلت أول العام الحالي من أجل هذا الهدف ‘اللجنة العليا لعام محمد وردي 2022’ لتضع هذا العمل في أيدي الجميع داخل الوطن وخارجه، حتى يكون عام وردي احتفاءً ثقافياً ضخماً يستمر طوال أيام العام 2022، تعبيراً عن مجمل ثقافات وفنون البلاد؛ ويشمل العام أنشطة واحتفالات وندوات ولقاءات ومعارض ومسارح وفنون تستصحب كل مجالات الإبداع السوداني بكل مدارسه واتجاهاته الفنية والثقافية، وفي مجال الغناء والأداء الفني والتأليف والموسيقى والشعر والتشكيل والمسرح والرسم والنحت والدراسات وتاريخ الفنون وتعبيراتها عبر كل أقاليم السودان، ويهتم في جانب آخر بالتوثيق من أجل حفظ وإحياء الذخائر التي أبدعها وردي طوال مسيرته وعبر مراحل مشروعه في مجال التلحين والأداء والمعالجات الفنية والتجديد وانتخاب المضامين الفكرية والاستشرافية والإنسانية والنضالية والتأليف الموسيقي والانفتاح على الفنون الشعبية والتراثية، ومساهماته في نشدان قيم الحق والخير والجمال والوطنية الباذخة، ومساهماته في الولاء للفن وترسخ كرامة الفنان والارتفاع بقيمته ودوره المركزي في نهضة المجتمعات وفرض الاحترام للإبداع والمبدعين. وهذا عمل تتنادى له كل طوائف أهل الثقافة ومراكز الإبداع وهيئات ومؤسسات الدولة الرسمية والأهلية والمهنية".

محمد وردي 2022

الجالس على مسيرة ثقافة بأكملها

سيكون من أبزر الأحداث التي تصاحب التظاهرة تدشين مركز وردي الذي يتم خلال العام 2022 حتى يكون مجمعاً ضخما للفنون والثقافة والآداب والإبداع حاوياً لكل التعبيرات في مجال الثقافة والفنون والغناء والموسيقى، على نمط المراكز الثقافية الكبرى المؤهلة وبتخطيط علمي دقيق معماراً ومحتوى، ليكتسب جدارته المستحقة من حيث الموقع والمباني والوظيفة، وحتى يكون من بين ما يشتمل عليه المسرح والمكتبة والأستوديوهات والقاعات والمراسم وغرف للتوثيق الأرشيفي بالصوت والصور الفيلمية والتسجيلية لأعمال وردي وأخرى تعرض هذه المحتويات بصفة دائمة، بالإضافة إلى متحف يجمع كل ما يتصل بالفنان وردي وبعض مقتنياته وآثاره.

محمد وردي: أنا إنساني وكل كائن إنساني يعارض الدكتاتورية فالحرية عامل أساسي لكي تزدهر الفنون

وتستضيف جامعة الخرطوم في التاسع عشر من فبراير 2022 مؤتمرا علميا عن دور الموسيقار محمد وردي وإسهامه عبر عدد من المحاور مثل تطوير الأغنية والموسيقى السودانية ونشر الأغنية السودانية وخاصة في أفريقيا وتنمية الحس والشعور الوطني من خلال الأغنية الوطنية وترسيخ مفاهيم الحرية والسلام ومحاربة الظلم والاستبداد، وتعزيز النسيج الاجتماعي السوداني وقيم الجمال المرتبطة بالسودان والسودانيين وتأسيس الأغنية النوبية الحديثة شعرا ولحنا وأداء.

وسيشارك في المؤتمر بأوراق علمية محكمة علماء وأكاديميون وباحثون في مجال الموسيقى والثقافة وعلم الاجتماع والتاريخ، كما عقدت لجنة الموسيقيين بالداخل للجنة العليا لعام وردي 2022 اجتماعها الأول بقاعة المؤتمرات في كلية الموسيقى والدراما بالخرطوم بحضور ممثلي كافة اتحادات وتشكيلات وتجمعات الفرق والجماعات الموسيقية الحديثة والشعبية بما فيها الفرق الموسيقية العسكرية وبمشاركة عدد من المؤلفين والموزعين. وتم الاتفاق على فعاليات الأشهر الأربعة الأولى من عام محمد وردي 2022 والتي ستتضمن فعاليات عدة من بينها كرنفال نهاري وحفل ليلي في الأول من يناير، وحفل إحياء ذكرى رحيل وردي في الثامن عشر من فبراير وحفل بمناسبة اليوم العالمي للمرأة.

وتم الاتفاق على أن يقدم كل عضو رؤيته الخاصة لكيفية تنفيذ الفعاليات شكلا ومضمونا كتابةً مع إتاحة الفرصة للجميع لإضافة مقترحات لفعاليات في الفترة المحددة، وبالنسبة إلى أقاليم السودان ومدنه الكبرى سيتقدم المندوبون في تلكم المناطق بمقترحات مفصلة عن كيفية الاحتفالات في مناطقهم.

وكان رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك دشن في يوليو الماضي مشروع تخصيص عام 2022 كعام للمهرجانات والفعاليات الفنية والثقافية احتفاء بالموسيقار الراحل محمد وردي الذي يعتبر الفنان الأكثر تأثيرا في الوجدان السوداني والذي عرف بمزجه بين ثنائية الغناء العاطفي والثوري الذي مازال يشكل مصدر إلهام للسودانيين رغم مرور عشر سنوات على رحيله.

وقال الحمزة بلول وزير الثقافة والإعلام إن عام 2022 سيكون عاما لوردي، خاصة وأنه تغنى بأشعار الكثير من أبناء السودان وعكس وحدة السودان في أغنياته ومثل الشعب السوداني عبر أغانيه في الكثير من الدول خاصة أفريقيا، لافتا إلى أن المهرجانات الثقافية خلال الفترة المقبلة سيكون للموسيقار وردي فيها دور كبير من خلال عكس أغانيه.

سيرة موجعة

مسيرة خالدة

ووردي من مواليد 19 يوليو 1932 في قرية “صواردة” بأقصى شمال السودان في أسرة تنتمي إلى النوبة، ونشأ يتيما بعد وفاة والديه وهو في سن مبكرة. ثم انتقل إلى مدينة شندي لإكمال تعليمه بالمرحلة المتوسطة ثم عمل مدرسا في مدارس وادي حلفا والتحق بعد ذلك بمعهد التربية لتأهيل المعلمين بشندي حيث تخرج فيه معلماً وعمل بمدارس المرحلة المتوسطة ثم المدارس الثانوية العليا في كل من وادي حلفا وشندي وعطبرة والخرطوم.

وكانت مدرسة الديوم الشرقية بالخرطوم آخر مدرسة عمل فيها قبل استقالته من التدريس في عام 1959 ليحترف الغناء، وهو يقول عن ذلك “إن التدريس كان بالنسبة إليّ الرغبة الثانية بعد الغناء ولكن لو خُيّرت بين التدريس والغناء لفضلت الغناء ولو خيرت بين التدريس وأي عمل آخر لفضلت التدريس، وأعتقد أن الفن يعتبر أيضاً تدريسا”، خاصة وأن موهبة الغناء موروثة في كل الأسرة فوالدة محمد وردي وإخوانها وأولاد عمومتها كانوا جميعا فنانين معروفين بأداء الغناء، وكذلك عرفت عن شقيقته فتحية وردي موهبة العزف على العود.

بدأ وردي الغناء من باب الهواية حتى عام 1957 عندما تم اختياره من قبل الإذاعة السودانية في أم درمان بعد نجاحه في اختبار أداء الغناء وإجازة صوته ليقوم بتسجيل أغانيه في الإذاعة، وبذلك تحقق حلمه في الغناء في الإذاعة بين فنانين سودانيين كبار أمثال عبدالعزيز محمد داؤود وحسن عطية وأحمد المصطفى وعثمان حسين وإبراهيم عوض وغيرهم.

وردي غنى لعدد من الشعراء السودانيين ورغم أن العربية ليست لغته الأم باعتباره نوبيّا إلا أنه أتقنها وجعل منها صهوة عبقريته الفنية

وتمكن وردي خلال عامه الأول في الإذاعة من تسجيل 17 أغنية مما دفع مدير الإذاعة في ذلك الوقت إلى تشكيل لجنة خاصة من كبار الفنانين والشعراء الغنائيين كان من ضمن أعضائها إبراهيم الكاشف وعثمان حسين وأحمد المصطفى لتصدر اللجنة قرارا بضم محمد وردي إلى مجموعة مطربي الدرجة الأولى كمغنِ محترف بعد أن كان من مطربي الدرجة الرابعة بالإذاعة. لكن السنوات اللاحقة كشفت عن عميق التأثير الذي ستتركه تلك الأغاني في وجدان الشعب، فبمناسبة استقلال السودان في العام 1956 سجل أشهر أغنية أصبحت شعار الاحتفال بعيد الاستقلال في الأول من يناير كل عام “اليوم نرفع راية استقلالنا.. ويُسطّر التاريخ مولد شعبنا يا إخوتي غنوا لنا.. غنوا لنا”.

وبعد الاستقلال بعامين وقع انقلاب 17 نوفمبر 1958 بقيادة الراحل الفريق إبراهيم عبود، ودخل وردي إلى أستوديوهات الإذاعة السودانية ليصدح بأغنية مطلعها “17 نوفمبر هبّ الشعب طرد جلاده”، التي صاغ كلماتها ولحنها وأداها بنفسه تمجيدا لرجال حركة نوفمبر. ثم غنى نشيد “يا ثوار أفريقيا يا صناع المجد”، من كلمات الشاعر الدبلوماسي صلاح أحمد إبراهيم، والذي تحور بعد ثورة أكتوبر إلى “يا ثوار أكتوبر”، ونشيد “يقظة شعب” للشاعر النوبي مرسي صالح سراج، وكان وقتها وزير الاستعلامات والعمل اللواء طلعت فريد -وهو أحد رجال نوفمبر- يتابع عن كثب “بروفات” هذا العمل.

وذات مرة طلب من الشاعر أن يحاول إدخال الفريق إبراهيم عبود في أحد مقاطع العمل، لكن وردي وشاعر الأغنية رفضا بقوة الطلب.

صوت الثوار

صوت الثوار الخالد

ترحيب وردي بعبّود لم يمنعه لاحقا من معارضته، وعندما انتفض الشعب السوداني في العام 1964 للإطاحة بالنظام العسكري سارع الفنان إلى تقديم أغنيته الشهيرة “باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني/ والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمني/ والكنوز انفتحت في باطن الأرض تنادي/ باسمك الشعب انتصر/ حائط السجن انكسر، والقيود انسدلت جدلة عـُرس في الأيادي”، وهي من كلمات الشاعر محمد المكي إبراهيم. ومن قصائد الشاعر محمد الفيتوري غنّى وردي قصيدة “أﺻﺒﺢ ﺍﻟﺼﺒﺢ فلا ﺍﻟﺴجن ﻭﻻ ﺍﻟﺴﺠﺎﻥ ﺑﺎقٍ/ وإذا الفجر جناحان يرفان عليك/ وإذا الحزن الذي كحل تلك المآقي/ والذي شد وثاقا لوثاق/ والذي بعثرنا في كل وادٍ/ فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي”، وهي القصيدة التي انتشرت على نطاق واسع ولا تزال تمثل صرخة في وجه الظلم والقمع والاستبداد.

أصبحت تلك الأغاني والأناشيد صوت الجماهير الثائرة في السودان المتطلع على الدوام إلى الحرية، وعندما وصل جعفر النميري إلى الحكم في مايو 1969 غنى وردي نشيد “في حكاياتنا مايو”، ومن كلماته “أنت يا مايو بطاقتنا التي ضاعت سنينا / أنت يا مايو ستبقى بين أيدينا وفينا / لم تكن حلماً ولكن كنت للشعب انتظاراً”، كما أدى نشيد “إنت يا مايو الخلاص يا جداراً من رصاص” وأنشودة “يا حارسنا وفارسنا”. لكن دكتاتورية جعفر النميري دفعت بوردي إلى الانقلاب عليه بعد ما سمي بالثورة التصحيحية في العام 1971، وهي حركة عسكرية قادها الضابط الشيوعي هاشم العطا واستمرت ثلاثة أيام فقط سجل خلالها وردي أغنية “راكب هنتر وعامل عنتر” في السخرية من النميري الذي ما إن عاد الى السلطة حتى بطش بالانقلابيين ودفع ببعضهم إلى منصات الإعدام وبالبعض الآخر إلى السجن، وكان نصيب وردي السجن لمدة عامين.

الحمزة بلول: 2022 سيكون عاما لمحمد وردي وبامتياز فني وتاريخي

ويقال إن النميري دعا كعادته عددا من كبار المطربين السودانيين إلى حفل انتظم في مدينة جوبا بمناسبة عيد الوحدة الوطنية في مارس 1972 وكان حضور وردي ملحوظا، ولما كان الرئيس يتبادل قفشات ظريفة مع الفنانين بادره المطرب عبدالعزيز داؤود بالقول: لدي سؤال بخصوص محمد وردي، فرد النميري منزعجا: محمد وردي ماله؟ فلاحظ داؤود ذلك الانزعاج وتابع: أقصد متى ستعدمونه؟ فكانت بداية تفكير النميري في الإفراج عنه ولكنه لم يفعل، وفي مايو في العام ذاته حل الرئيس التشادي فرانسوا تومبلباي بالخرطوم لحضور الذكرى الثالثة لحركة مايو، ولاحظ خلال السهرة الفنية غياب وردي، فسأل عنه نظيره السوداني، ورد عليه النميري بأن وردي ترك فن الغناء الذي يجيده ودخل غمار السياسة وانضم إلى الشيوعيين وهو في السجن، فدعاه تومبلباي إلى عدم استعداء الفنانين والعفو عن المطرب الكبير، ثم تدخل بعض السياسيين وأكدوا للنميري أن وردي غير منتظم سياسيا وليس شيوعيا كما يعتقد وإنما فقط متعاطف مع اليسار، ومن داخل المعتقل كان الفنان الكبير يتطلع إلى الحرية، وفي أحد الأيام طلب من مأمور السجن أن يسمح بإدخال عوده إليه، فرد عليه المأمور: يا وردي نحن لم نقبض عليك وأنت على ظهر دبابة، لقد جئت إلى هنا بسبب ذلك العود.

لم يتخلّ وردي عن مواقفه من نظام النميري رغم أن الأخير حاول استرضاءه، وعند سقوط النظام في العام 1985 كانت أغانيه تتردد على ألسنة الجموع الهادرة، وقال في تصريحات له "لا أخاف أن أسجن مرة أخرى ولست نادما على سنوات الاعتقال".

وأضاف "أنا إنساني وكل كائن إنساني يعارض الدكتاتورية وسأواصل التنديد بها". وتابع قائلا إن "الأجواء الحالية لا تشجع على الإبداع فالحرية عامل أساسي لكي تزدهر الفنون".

وكانت لورد علاقة خاصة بليبيا وكان الزعيم الراحل معمر القذافي من محبي أناشيده، حتى أن نشيد "أصبح الصبح" تحول إلى شعار رسمي مع إعلان العقيد عن هدم السجون في العام 1988، وكان وردي يحيي حفلات في ليبيا في العام 1991عندما قرر عدم العودة إلى بلاده، واختار الاغتراب لمدة ثلاثة عشر عاما متنقلا بين دول عدة بسبب موقفه من حكم جبهة الإنقاذ، وعندما عاد إلى السودان في العام 2005 بعد إصابته بفشل كلوي رحب به الرئيس عمر حسن البشير الذي كان من عشاق ومرددي أغانيه، وعندئذ قال وردي “لم أكن أعرف أن السياسيين يحبون الأغاني”، وفي العام 2007 اصطحبه البشير معه في الطائرة الرئاسية إلى أديس أبابا لحضور الاحتفال بالألفية الثالثة حسب تقويم السنة القبطية، ودعاه إلى مناسبات عدة، وعندما توفي وردي كان البشير في مقدمة مشيعيه إلى مثواه الأخير في الخرطوم في فبراير 2012.

النوبي أتقن العربية

النوبي الغارق في موروثه

غنى وردي لعدد من الشعراء السودانيين مثل عمر الطيب الدوش ومحمد مفتاح الفيتوري وإسحاق الحلنقي وعبدالرحمن الريح والسر دوليب وأبوآمنة حامد وإسماعيل حسن وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم والتجاني سعيد وشاعر الشرق كجراي ومحجوب شريف، ورغم أن العربية ليست لغته الأم باعتباره نوبيّا إلا أنه أتقنها وجعل منها صهوة عبقريته الفنية بأجنحة السلم الخماسي وعلى إيقاعات العود والطمبور، وكسب خلال رحلته الفنية احترام الجميع من اتحاديين وشيوعيين وقوميين وانفصاليين وإسلاميين، وكان صديقا لقادة الجنوب وأبرزهم جون غرنغ، وكانت له مكانة خاصة في الشمال، ورقص الزعماء على أغانيه حتى وإن لم تعجبهم مواقفه من سياساتهم، وكما ترددت أغانيه في ثورة أكتوبر 1964 وانقلاب 1969 وفي الثورة على نظام النميري في أبريل 1985 ترددت كذلك في الثورة على نظام عمر البشير في 2019، وكانت عنوان اللحظات الكبرى في الحرب والسلام والثورات والانتفاضات، وكأنها تختصر التواريخ والأحداث والمشاعر العامة والخاصة.

16