ورشة الأزهر لتجديد الخطاب الديني تفتح أفق المواطنة العربية الحديثة

عوامل تجديد الخطاب الديني تكمن في الإسلام في حد ذاته، بل إن النص الإسلامي المقدس هو نص تاريخي بامتياز، يحوي بين طياته آلية تطور ذاتي قوية، بهدف مواكبة التغيرات الإنسانية التي تعد قانونا إنسانيا حتميا. وتعتبر هذه الآلية أساسا آخر من أسس مقاومة التطرف والإرهاب القائم على ثقافة ماضوية حبيسة زمن مضى ومقاومة لفكرة المستقبل بكل ضراوة. بهذا يمكن وضع اجتماعات عدد من العلماء والمفكرين ورجال الدين في الأزهر مؤخرا في إطارها الفكري، فقد التقى كل هؤلاء لمناقشة مسألة تجديد الخطاب الديني ومكافحة الإرهاب والتطرف.
الخميس 2015/07/09
الأزهر يعد مرجعا رئيسيا في كل المحطات المصيرية التي يمر بها الفكر الإسلامي

القاهرة- ناقش شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، مع عدد من المثقفين والمفكرين والعلماء وقادة الرأي، جهود الأزهر المتواصلة لتجديد الفكر والخطاب الديني ومكافحة الإرهاب والأفكار المتطرفة.

واستعرض شيخ الأزهر في لقاء بمقر مشيخة الأزهر الرؤى الخاصة بآليات وضوابط تجديد الفكر والخطاب الديني، تمهيدا لوضع أسس حقيقية وخطط جادة ووثيقة ثقافية تحمي المجتمع من الفكر المتطرف، ونزعات التحلل التي باتت تهدد الاستقرار والأمن المجتمعي.

وتركزت المناقشات حول مضمون الوثيقة التي أصدرها الأزهر في فترة سابقة والموضحة للخطوط العريضة لمشروع تجديد الفكر الديني ومرتكزاته، وقد أشّرت تلك الوثيقة بوضوح إلى الجمهور المستهدف من عملية التوعية والإرشاد الديني وفق المنظور الجديد للإسلام، وهي أساسا الطبقات التي تعاني من تفشي الجهل والأمية بشكل واسع وأيضا الفقر، ولعل ترسيخ مبادئ تكافؤ الفرص وإشاعة التدين السلوكي، بدلا من التدين الشكلي تعد مفاتيح مساعدة على نشر روح الفكر الإسلامي المعاصر والمتنور، ليتسنى مواجهة الخطر الذي أصبح يهدد الدين نفسه من خلال تشويه معالمه، عبر تصحيح الصورة الذهنية لحقيقة التدين.

وأوضح محمد سالم عميد كلية الدراسات العليا التابعة للأزهر أن الهدف من تجديد الخطاب الديني هو “تهذيب الأمور التي تطرأ على الدين نتيجة لاختلاط بعض المفاهيم المغلوطة التي تنسب إليه كذبا”، مشيرا إلى خطورة موجتي الإلحاد والتطرف اللتين يشهدهما المجتمع خلال الفترة الحالية، وسعي الأزهر عبر مجهوداته الدؤوبة لتنقية الإسلام من هاتين الآفتين. وطالب سالم الشباب العربي والمسلم بشكل عام بأن “يكونوا على قدر من الثقافة الدينية التي تمكنهم من مواجهة مثل تلك الأفكار المتطرفة، وحتى لا تصبح عقولهم مجالا للتلاعب من جانب أفراد وجماعات متطرفة”.

الأزهر يقف جدارا عازلا بين الفكر الجهادي والسلم الاجتماعي وضد الجماعات المخربة للعقول بالتطرف والتحريف

وتطرق سالم إلى الهجوم الذي يتعرض له الأزهر في الفترة الأخيرة، حيث أكد أن الأزهر “يقف جدارا عازلا بين الفكر الجهادي والسلم الاجتماعي، وضد الجماعات التي تهدف إلى تخريب عقول شبابنا ودفعهم إلى التطرف، ويحاول أن يعرض الرأي الصحيح في الثغرات التي تظهر بالمجتمع”.

وقد أكدت العديد من الآراء في ذات السياق، أن دور جامع الأزهر في الأزمة العالمية الحالية المتعلقة بالإرهاب هو دور حتمي ولا يمكن تجاوزه أو تعويضه، “فهو الورشة التي سوف تنتج قراءات جدية ومتينة لمحاربة التطرف وإشاعة ثقافة المواطنة بين الناس والمساهمة في إنهاء الأشكال الدينية والطائفية للصراع”.

بدوره أشار عبدالفتاح عبدالغني عميد كلية أصول الدين المصرية، إلى مفهوم تجديد الخطاب الديني الذي عرفه على أنه “مهمة فقهية اجتهادية تقوم في الإسلام على أصول البحث في تطابق النص مع المتغيرات الإنسانية حول المسلمين”. وقد أكد عبدالغني أن هذا التعريف سوف يقود إلى قراءة جديدة للنص الديني “راسخة في التسامح والثوابت النيّرة والأركان المتينة، يحترم من خلالها عقول المخاطبين ويعطى مساحة من الفكر والتأمل، ولا يجبر الفرد على الاعتقاد بفكرة أو بمبدأ يرفضه، وإنما يأخذ بيديه من قبيل الحوار الهادف البناء”.

كما أكد عبدالغني أن تجديد الخطاب يعنى كيفية تعريف الدعاة بسماحة ووسطية الإسلام للعباد، مشيرا إلى أن النبي محمد “قد وضع الركيزة التي يجب أن ينطلق منها كل داعية ومسؤول حتى يعم السلام وتستقر الأحوال ويتحقق الأمن الذي نحتاج إليه”. وأضاف عبدالغني أن الرسول محمد قد وضع حجر الأساس في التعاملات بين المسلم وأخاه، وبين المسلمين والأقباط واليهود، وميثاقا يضبط تعاملاتهم وعلاقاتهم يقوم على الإنصاف ونصرة صاحب الحق إذا تواجد نزاع مهما كانت ديانته.

جهود مكافحة الفقر والجهل تتضافر مع الورشات الفكرية العميقة لتكتمل شروط بناء المواطنة

ورشة الأزهر في البحث في سبل تجديد الخطاب الديني جاءت نتيجة لمحادثات ونقاشات عديدة بين علماء ومثقفين في مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي، خاصة بعد تصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية في الآونة الأخيرة ورصد استقطاب محموم للشباب لتلك الحركات الجهادية التي تزج بالإسلام في خانة العنف والإرهاب وترتكز إلى فهم محرّف وخبيث للنص الديني المقدس لتبرير أعمال القتل والترويع.

يذكر أن الأزهر قد اهتم منذ ثورة يونيو التي أزاحت جماعة الإخوان المسلمين من الحكم بتأسيس حياة دينية جديدة للمصريين تعتمد مرجعية متفتحة ووسطية، ما أدى إلى تحديد انتشار الجماعات الدينية داخل المجتمع وإلى نشر عقلية المواطنة والتسامح.

لكن عديد المراقبين أكدوا أن التأسيس الفكري لنقد الخطاب الديني وتغييره لم يكتمل بعد، ولم تصل النخبة الفكرية والدينية في مصر إلى صياغة المشروع النقدي المتكامل الذي سوف تعتمده الأجهزة الرسمية للدولة.

ولعل انشغال الدوائر الدينية للأزهر وباقي أجهزة الدولة بشكل عام بالأحداث اليومية في مصر والمنطقة والتصدي لمحاولات الجماعات المتطرفة اختراق المساجد والجمعيات والمؤسسات لم يترك مجالا للتعمق أكثر في النقاشات والحوارات الداخلية لاكتمال صياغة الرؤية الدينية الجديدة، ثم إن القيام بمثل هذه الخطوة «يعد أمرا دقيقا ومحسوبا وتاريخيا» حسب تعبير شيخ الأزهر أحمد الطيب، فمسألة القيام بإصلاحات في المرجعيات والخطاب ورشة تستحق الكثير من الوقت والجهد والبحث.

إن إعادة تشكيل الوعي العربي وفق نسق الحياة المعاصرة يمر حتما وضرورة بإعادة تشكيل الرؤية للدين والتراث، وهي رؤية تاريخية عليها أن تكون صلبة ومنحازة للدولة والمواطنة والوحدة الاجتماعية، وبالتالي في نقيض مع الطائفية والدينية والظلام.

13