ورشة البحرين ترف سياسي في منطقة تغلي

حسابات أميركية خاطئة تربط السلام بالاستثمار وتقايض الحرب مع إيران بصفقة القرن.
الأربعاء 2019/06/26
صفقة مبنية على أوهام

تنظم الولايات المتحدة مؤتمرا اقتصاديا في البحرين، الثلاثاء والأربعاء، يعتبره المتابعون الخطوة الأولى في رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط. تأتي هذه المبادرة بعد تاريخ طويل من مساعي السلام التي كان مصيرها الفشل في التغلب على عقود الارتياب والعنف. اختار الرئيس الأميركي، ومستشاره جاريد كوشنر، القادمين من عالم المال والأعمال، أن يطرقا باب البحث عن السلام في الشرق الأوسط من خلال عالم الصفقات والاستثمار. وقدم البيت الأبيض المؤتمر على أنه محاولة لجمع 50 مليار دولار في صورة استثمارات، لكن الفلسطينيين، وأغلب المتابعين، يقولون إن خطة “الاقتصاد أولا” مآلها الفشل.

المنامة - على الرغم من التفاؤل الذي حرص مستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، على بثه في مسألة التقدم في الخطة الأميركية لإرساء السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن التفاصيل والملابسات المحيطة لا تقدّم أي دليل حسي يؤكد على أن هناك شيئا ما بالإمكان تحقيقه في ما يتعلق بالخطة الاقتصادية التي يروّج لها كوشنر في مؤتمر المنامة، الذي قال عنه الخبراء إنه ترف سياسي في منطقة تغلي.

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “صفقة القرن”، بشقيها الاقتصادي والسياسي، بقي الحدث إعلاميا يثير ضجيجا ملتبسا ويسيل حبرا كثيرا، دون أن يصدر عن المنابر الرسمية، الإسرائيلية والعربية والدولية، أيّ موقف يفيد بأن ما تحيكه واشنطن ممكن أن يجد له صدى ما يفكك عقدة الصراع القديم في الشرق الأوسط.

ويُشبّه دبلوماسيون عرب أمر ورشة البحرين، التي يترأسها جاريد كوشنر، بأمر أيّ قمة عربية لجهة الاهتمام بشأن من حضر ومن غاب، وماهية مستوى المشاركة، على نحو يفيد أن الحدث لا يعدو كونه إعلاميا ستنتهي مفاعيله بانفكاكه، وأن المنطقة والعالم لا يعوّلان كثيرا على مداولاته ولا ينتظران شيئا من مآلاته.

الطريق الخطأ

ينعقد المؤتمر بحضور عربي ضعيف لا يمثل أيا من الهرم السياسي أو الحكومي لدول المنطقة. وتغيب عنه الحكومة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. في المقابل يشارك فيه وفد من رجال الأعمال الإسرائيليين الفلسطينيين، ومن جنسيات أخرى نجح مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنر في جلب اهتمامهم من خلال العروض المغرية التي تعد بها الصفقة الاقتصادية.

بموجب الخطة ستساهم الدول المانحة والمستثمرون بنحو 50 مليار دولار في المنطقة منها 28 مليارا للأراضي الفلسطينية و7.5 مليار للأردن وتسعة مليارات لمصر وستة مليارات للبنان. ومن بين 179 مشروعا مقترحا، هناك طريق بتكلفة خمسة مليارات دولار لربط الضفة الغربية وقطاع غزة. كما تنصّ الخطة على تخصيص عشرات الملايين من الدولارات لعدة مشروعات تهدف إلى تحقيق اتصالات أوثق بين قطاع غزة وسيناء من خلال الخدمات والبنية التحتية والتجارة.

وخلال المؤتمر قدّم جاريد كوشنر، خطته في كتيبين مليئين بالرسومات والإحصائيات التي تشبه نشرات الاستثمار. وقال إنه على الرغم من غياب الحكومتين الإسرائيلية والفلسطينية عن اجتماع البحرين فإن وجود رجال أعمال إسرائيليين وصحافيين مع نظرائهم من العالم العربي مهم.

وأضاف قائلا، في تصريح زاد من غضب الرافضين للمؤتمر وكل ملابسات صفقة القرن، “أضحك عندما يهاجمون هذا باعتباره ‘صفقة القرن‘”. وأردف قائلا “ستكون ‘فرصة القرن‘ إذا تحلّوا بالشجاعة لتنفيذها”.

ويعكس مثل هذا التصريح، نقصا في خبرة كوشنر وفي اطلاعه على مسار هذا الملف الشائك. فضخّ مليارات الدولارات من الاستثمار لن يكون مسعف الجرح الغائر. ودون اتفاق سلام منصف يعترف ويحمي حقوق الفلسطينيين في دولتهم وإدارة اقتصادهم، لا يمكن لأي قدر من الاستثمار أن ينهي هذا النزاع.

ويرى مراقبون أن مسألة “صفقة القرن”، سواء في ما يُسرّب أو في الشق المتعلّق بما يجري في البحرين، لا تعدو كونها عملية علاقات عامة يريد فريق ترامب المعني بهذا الملف أن يروّج من داخلها إلى جدية ما يشتغل عليه كوشنر وفريقه.

ويضيف هؤلاء أن المسألة باتت في صلب النقاش الأميركي-الأميركي حول نجاعة هذا المسعى، خصوصا أنه يأتي مخالفا لكل السياق التاريخي الذي قاربت به كافة الإدارات الأميركية هذا الملف، وفي صلب تشكيك خفي بجدارة كوشنر على إدارة ملف معقّد من قبل أوساط داخل الحزب الجمهوري قبل الحديث عن أولئك داخل الحزب الديمقراطي.

يتضمن الشق الاقتصادي من صفقة القرن تنفيذ استثمارات بقيمة 50 مليار دولار في قطاع غزة والضفة الغربية والدول العربية المجاورة
يتضمن الشق الاقتصادي من صفقة القرن تنفيذ استثمارات بقيمة 50 مليار دولار في قطاع غزة والضفة الغربية والدول العربية المجاورة

تعارض العواصم العربية والدولية المقاربة الأميركية كونها تتعامل مع الصراع التاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين تعاملا حسابيا يعتبر أن المشكلة مالية اقتصادية وأن حلّها يتطلب التفتيش عن مصادر التمويل.

ويرى خبراء في شؤون القضية الفلسطينية أن هذه القضية سياسية بامتياز وأن الحلول الاقتصادية يجب أن تتبع الحلول السياسية ولا تسبقها، وأنه لا طائل من وضع الحصان قبل العربة. لذلك تبدو توقعات نجاح الخطة التي يستعرضها كوشنر في المنامة ضعيفة.

وقالت الرئاسة الفلسطينية إن الورشة الأميركية الاقتصادية “ولدت ميتة”. وشدّد الناطق باسم الرئاسة نبيل أبوردينة، في بيان، على أن “هدف ورشة المنامة هو التمهيد لإمارة في غزة، وتوسيعها والتخطيط لفصلها عن الضفة الغربية، وتهويد القدس”، مؤكدا أن أي خطة لا تمر عبر الشرعية الفلسطينية مصيرها الفشل.

ويقر فريق ترامب بأن الخطة الاقتصادية، التي يطلق عليها “السلام من أجل الازدهار”، لن تُنفذ إلا إذا تم التوصل إلى حلّ سياسي للصراع. وأيّ حلّ من هذا القبيل يجب أن يعالج القضايا القائمة منذ زمن بعيد، مثل وضع القدس والحدود المتفق عليها وتهدئة المخاوف الأمنية لإسرائيل والمطالب الفلسطينية بإقامة دولة ومصير المستوطنات الإسرائيلية والوجود العسكري في الأراضي التي يريدها الفلسطينيون لإقامة دولتهم.

وتدور تساؤلات حول الخطة بأكملها وما إذا كان فريق ترامب يخطط للتخلّي عن “حلّ الدولتين”، الذي يتضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة جنبا إلى جنب مع إسرائيل. وقدّم كوشنر لمحة نادرة عن الجوانب السياسية المحتملة للخطة، قائلا إن الصفقة لن تلتزم بمبادرة السلام العربية، وهي مبادرة تقودها السعودية وتحظى بإجماع عربي منذ عام 2002.

وقال “أعتقد أن علينا جميعا أن نعترف بأنه إن كان من الممكن التوصل لاتفاق، فإنه لن يكون على غرار مبادرة السلام العربية. سيكون في منطقة وسط بين مبادرة السلام العربية وبين الموقف الإسرائيلي”.

ويرى جوزيف دانا، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن ترامب من خلال خطته، “أزال قناع الحياد”، واصفا الورشة الاقتصادية في البحرين بأنها “صفحة من كتاب الألعاب الأميركية القديم”.

وقال موضحا “إن ما يلفت الانتباه حول خطة ترامب ليس أنها تمثل تحولا جوهريا في السياسة الأميركية ولكنها تمثّل تحوّلا في اللهجة. فعلى الرغم من دورها الرسمي كوسيط، ظلت الولايات المتحدة تقف إلى جانب إسرائيل دائما، في الوقت الذي كان ينادي فيه الرؤساء الأميركيون بإقامة سلام عادل بين إسرائيل والفلسطينيين”.

نقطة في رصيد ترامب

خبرة قليلة
خبرة قليلة

خلال تجوالهما مع مبعوثين آخرين في أبرز العواصم المعنية في المنطقة، لم يسمع كوشنر ومبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، جايسون غرينبلات، ما يفيد تأييدا ودعما لمشروع واشنطن لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. أصغت العواصم واستمعت وبقي موقفها رماديا يتجنب الإدلاء بدلو حاسم (وخصوصا سلبي) بشأن أفكار متبعثرة لا قاعدة منطقية لها ولن تصل بالضرورة إلى صياغة ترقى إلى مستوى أن تكون مشروع حلّ.

ورأت مصادر دبلوماسية عربية أن الدول العربية تحترم مقاطعة السلطة الفلسطينية لكافة أنشطة “صفقة القرن”، بما في ذلك ورشة البحرين، وهي، وإن يحضر ممثلين عن بعضها أعمال المؤتمر المنامة، تبقى ملتزمة بكافة القرارات الصادرة عن القمم العربية ومتمسكة بالالتزام العربي في دعم القضية الفلسطينية، وغير مستعدة للتنازل عن السقف الذي وضعته المبادرة العربية ومشروع العرب للسلام. مع ذلك، يحرص العرب على عدم المخاطرة بعلاقاتهم ومصالحهم مع الولايات المتحدة من خلال اتخاذ مواقف شعبوية غير مفيدة. ويعبر مستوى ومحدودية المشاركة العربية الرسمية وغير الرسمية عن الطابع النسبي المنخفض الذي يتعامل به النظام السياسي العربي مع مشروع ترامب للسلام.

بالمثل، تنظر دول الاتحاد الأوروبي بكثير من التحفظ والحذر إلى “صفقة” واشنطن، خصوصا أنها تأتي من خارج أي تشاور أميركي أوروبي كما من خارج قرارات مجلس الأمن والمرجعيات الدولية المعتمدة. وترى بروكسل أن دول الاتحاد غير مهتمة بالتعامل مع أبجديات أميركية مترجلة وطارئة في شأن مرتبط بالضفة الجنوبية المواجهة لأوروبا من البحر المتوسط. وهناك دول أوروبية بدأت تعبّر عن تضامن مع موقف واشنطن حيال إيران، خصوصا بريطانيا، غير أن كافة دول الاتحاد الـ28 لم تعبّر عن أي تفهّم للصفقة التي يعمل عليها كوشنر وفريقه.

بين صفقة القرن وإيران

 عشية مؤتمر المنامة، أصدرت الإدارة الأميركية عقوبات جديدة بحق المرشد الأعلى في إيران ومجموعة من قيادات الجرس الثوري الإيراني، ضمن تصعيد أميركي يستهدف إيران. وهنا، يستغرب خبراء من أن تتواكب التحرّكات الأميركية بشأن قضية مركزية في العالم العربي مع مسألة تفرّغ إدارة ترامب لإدارة الصراع مع إيران. ويشتبه هؤلاء بأن الأمر ليس صدفة وأن إدارة ترامب تود أن تجعل من الأمر مقايضة، بحيث يقدّم العرب فيها تنازلات في المسألة الفلسطينية مقابل الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة ضد إيران.

وتؤكد مصادر دبلوماسية خليجية أن النظام السياسي العربي لا يربط أبدا، حتى في كواليسه الداخلية، ما بين مواجهة نفوذ إيران وسلوكها في المنطقة والموافقة على أيّ حلّ يأتي من واشنطن بشأن فلسطين لا يحظى بموافقة فلسطينية وإجماع عربي.

ويخلص هؤلاء إلى أن ورشة البحرين وكل المداولات الرديفة المتعلّقة بالصفقة الموعودة تبدو أنها ترف بالمقارنة مع مستوى المعضلات التي تعاني منها المنطقة، سواء في الشقّ المتعلّق بمواجهة الإرهاب ومكافحة التطرّف، أو في الشقّ المتعلّق بإخماد الصراعات الكبرى الملتهبة في سوريا واليمن وليبيا.

تؤكّد كل المتابعات والتصريحات الرسمية وغير الرسمية على أن حلاّ تاريخيّا للمسألة الفلسطينية لا يمكن أن يكون صفقة أميركية مرتبطة بشخص الرئيس وأجندته الانتخابية، كما أنه لا يمكن لهذا الحلّ أن يمرّ في عزّ الاختلالات التي طرأت على النظام السياسي الدولي، لاسيما في الجانب الذي تختلط فيه حدود التحالفات، بحيث تبدو واشنطن قريبة إلى موسكو في بعض الملفات أكثر من قربها من الحلفاء في الأطلسي، فيما تغيّب الحرب التجارية الصينية الأميركية حقيقة الصراع الخفي على السيطرة على العالم في المستقبل بين بكين وواشنطن.

6