ورشة الكتابة

لا يمكن أن نفصل صيغة الورشة عن عقيدة بناء الثروة، عبر البحث عن أساليب وأسماء غير مستهلكة صالحة لإنتاج نصوص جماهيرية في مدة وجيزة، قبل أن تنطفئ بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
الأربعاء 2018/12/19
ورشات الكتابة تزاحم محترفات التشكيل والفنون البصرية (لوحة ساشا أبوخليل)

قبل أربع سنوات اقترح علي روائي عربي أن أشاركه في تأطير ورشة للكتابة الروائية، تحتضنها إحدى عواصم الخليج، وافقت على الاقتراح ورتبت بعض التصوّرات والمداخل لتبسيط امتلاك ما تصوّرته من مهارات أولية في الكتابة السردية، قبل أن تحول ظروف دون مساهمتي الفعلية في تلك التجربة.

بعدها بقيت أتابع أخبار عدد كبير من ورشات الكتابة، القصصية والشعرية والمسرحية والروائية، التي التأمت في إقامات فنية بعواصم شتى، وأخرى ضمن مساقات دراسية بجامعات أوروبية وأميركية، إلى أن تحوّل الأمر إلى ما يشبه ظاهرة في البلدان العربية في الثلاث سنوات الأخيرة، بحيث باتت ورشات الكتابة تزاحم محترفات التشكيل والفنون البصرية، في كثرتها وإصرارها على استنبات أسماء جديدة. دون أن يطرح أحد سؤال لماذا؟ وهل نحتاج فعلا إلى أن نعلّم كل فرد عربي، صاحب مال، كيف يعيش دور الكاتب؟

والحق أنه حين نعيد اليوم التأمل في الظاهرة، التي بدأت تنحسر في البلدان الغربية، إثر وصولها إلى أفق مسدود، فإننا لا يمكن أن نفصل صيغة الورشة عن عقيدة بناء الثروة، عبر  البحث عن أساليب وأسماء غير مستهلكة صالحة لإنتاج نصوص جماهيرية في مدة وجيزة، قبل أن تنطفئ بالسرعة نفسها التي ظهرت بها، أي إنتاج آلية مؤقتة للربح عبر الكتابة، سرعان ما يتم القذف بها في سلة المهملات، والبحث عن أسماء جديدة؛ شيء مماثل لصيغ التنويع والموضة المهيمنة في كل دوائر الصناعات الحديثة.

يستهدف منظّرو الورشات الشعرية والروائية والمسرحية صناعة أسماء ببصمات أسلوبية تتمكّن من إنتاج نصوص تستجيب لمتطلبات سوق القراءة، والعثور أحيانا على مواهب مهملة أو غير مدركة لقيمة ذاتها.

كما تفترض الورشة أن الكتابة عبارة عن قواعد ومهارات تمكن الأفراد من التعبير بشكل مقنع وصالح للتداول، منطلقة من مبدأ عام يرى أن الكائن المعاصر لديه رغبة في أن يعيش أدوارا لم تكن متاحة لكل الناس في العصور السابقة، ومنها دور الكاتب، فهذا الأخير شخص يستجيب لرغبة ذاتية في التعبير.

ومن ثم فليس لكل الناس توق إلى أن يكونوا مثل المتنبي أو شكسبير أو تولستوي أو بروست أو نجيب محفوظ، وإنما يبتغي جلهم أن يؤلفوا نصوصا، تحكي حكاياتهم الشخصية المثيرة والمختلفة عن حكايات باقي الناس، دونما حاجة لتزيد في القول، إذ القصد هو تعلّم حرفة بمقابل مادي، ليتمكّن متعلمها في النهاية من صياغة “كتابه الخاص”، وليس مهمّا بعد ذلك أن يدخل تاريخ الأدب أو تاريخ الجنون.

14