ورطة السلفيين بين الدولة والإخوان

الاثنين 2013/12/23

في مصر، كما في معظم الدول العربية، أحزاب مختلفة تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، يحسب البعيد أنها تتماهى في الأفكار والطروحات، لكن القريب يجد أن المسافة بينها شاسعة، والتباين في صفوفها أشد وطأة من الاختلاف مع التيارات المدنية. ولعل الحالة التي يعيشها حزب “النور” السلفي الآن، تبين حجم هذه المأساة. فبعد هزيمة جماعة الإخوان في مباراة حكم مصر، انحازت قيادة الحزب للسلطات الجديدة الحاكمة، وفضّت تحالفها السابق مع الإخوان، وهو ما عرضها لانتقادات لاذعة منهم. كما واجه “النور” تشكيكا من جانب عدد كبير من القوى المدنية.

معالم التشابك، تلخصها القصة التي حكاها لي كاتب ينتمي إلى حزب “النور”، فقد كاد أن يدفع حياته وأسرته ثمنا لسلفيته منذ أيام، عندما كان عائدا بسيارته من مدينته الصغيرة في قلب الدلتا إلى القاهرة.

فطوال الطريق الممتد إلى نحو مئة وخمسين كيلومترا وهو يواجه سيلا من الشتائم والاتهامات لا حصر لها من الجميع، خاصة أن لديه لحية طويلة نسبيا وزوجته ترتدي النقاب. فالشخص الذي يقابله وينتمي أو يتعاطف مع جماعة الإخوان يرى أنه “خائن وعميل” ويستحق الموت، عقابا على تعاون حزبه مع السلطات الرسمية حاليا، وبالتالي يدخل وأمثاله ضمن زمرة “المرتدّين” عن الإسلام، ويجب إقامة حد الرجم عليه. والشخص الذي يعارض الإخوان ومحسوب على أحد الأحزاب المدنية (أو العلمانية كما يحلو لصديقنا الكاتب السلفي توصيفه) يرى أنه إخواني متنكر، ومشكوك في أمره، وبعد فترة سيكشف عن تشدده وميله لجماعة ترتكب العنف بلا هوادة، ومن ثم يجب التخلص منه، وكأنه «فيروس» يتسلل إلى الجسم ليفتك به.
ونجا زميلنا بأعجوبة، بسبب وجود زوجته وأطفاله الصغار الذين رق لحالهم الفريقان طوال الطريق. وعلى سبيل الفكاهة، أطلق زميلنا على نفسه لقب “الليبرالي السلفي المنبوذ”.

القصة السابقة تكشف باختصار حقيقة الورطة التي يعيشها حزب “النور”، والمأزق الذي يعاني منه أنصاره، وهم فئة في التيار السلفي، الذي شهد أثناء حكم الإخوان انشقاق جماعة، كونت حزبا باسم “الوطن” بقيادة عماد عبد الغفور مساعد رئيس الجمهورية السابق، وهذا التيار مطاط بحيث يتسع ليشمل الجماعة الإسلامية وأنصار السنة، وبعض الجماعات المتطرفة، لكن حزب “النور” يبدو حالة فريدة، لأنه الوحيد الذي اتخذ موقفا مخالفا لغالبية أنصار التيار الإسلامي، الذين انحازوا للإخوان في السراء والضراء، سواء لعلاقات مصالح تحتية تربط بين الطرفين، أو اقتناعا بالرؤية الإسلامية الزائفة التي تتبناها الجماعة، وفي الحالتين أصبح “النور” شاردا، لأنه لم يكتف بالانحياز للدولة وأجهزتها البيروقراطية، بل شارك في الفعاليات التي تلت عزل محمد مرسي. فقد كان حاضرا ومشاركا في خريطة الطريق التي تسير على هديها المرحلة الانتقالية، وأيد الإعلان الدستوري الذي رسم طريقة إدارة هذه المرحلة، وكان عنصرا مهما في لجنة الخمسين التي وضعت مشروع الدستور الجديد، ويدعمه ويدعو المواطنين إلى التصويت عليه بنعم، ويقيم المؤتمرات والندوات للتوعية بمواده ويشرح فوائدها ومنافعها للبسطاء من المواطنين.

الطريقة اللينة التي تتعامل بها الدولة مع حزب “النور” جعلت الكثير من المراقبين يتوقفون عندها. فهناك من ذهب إلى وجود ميراث طويل من العلاقة الجيدة بين قيادات كبيرة في التيار السلفي وأجهزة الأمن، على طريقة الآية القرآنية “لكم دينكم ولي دين”، حيث انصرفوا طوال فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى الجانب الدعوي ولم يشغلوا بالهم بالواقع السياسي وتعقيداته وتجاوزاته. وهى الصفقة أو الاتفاق الضمني الذي حافظ على علاقة دافئة بين الطرفين. إلى أن جاءت ثورة يناير 2011، فانخرط السلفيون في الفضاء السياسي، وبنوا تحالفا واهيا مع الإخوان، شهد فترات صعود وهبوط، ثم استقر في منحدر عميق من الخلافات، بعد أن ابتعد الجناح الرئيسي في السلفيين عن خطاب الإخوان المسلمين، ووجد من مصلحته الاقتراب من الدولة ومؤسساتها الرسمية. هذه الرؤية السياسية، لم تمنع وجود رؤية أخرى أكثر براغماتية. فالسلطات الحاكمة وجدت أن خروج الإخوان من المسرح، وانحياز غالبية التيار الإسلامي لموقفها، سيعطي إيحاء بالإقصاء لهذا التيار، الذي يملك ثقلا معنويا قابل للتمدد شعبيا، فكان عليها التفكير في بديل تتمكن من التنسيق معه، كرديف للتيار الإسلامي الذي يعبر عنه الإخوان، ووقع الاختيار على حزب “النور”، لسلسلة من التفاهمات والقواسم المشتركة التي تسمح بالتعاون، وسد ثغرات اجتماعية وسياسية في الشارع يمكن أن ينفذ منها الإخوان، ويستفيدوا منها في حشد المظاهرات، ثم تتحول إلى مركز ثقل وتأثير في أي انتخابات.

ووجد “النور” ضالته في تمديد أواصر العلاقات ليكون “الحصان الأسود” والبديل السياسي للإخوان، ويحتل دورهم في المشهد العام، وتبدو أمامه الفرصة مواتية لحصد حزمة جيدة من المكاسب، عبر قنوات ومساعدات يوفرها له النظام الراهن.

التفاهم الذي شهدته لجنة الخمسين في حضور حزب “النور” منح مشروع الدستور غطاء لتمرير بعض المواد الخلافية، والطريقة التي يدافع بها على المشروع، تقول أن لديه استعدادا كبيرا للذهاب لأقصى مدى للتعاون، لمنع الإخوان من تسويق خطاب إسلامي يتهم من يصوتون بـ”نعم” بالكفر، عكس الخطاب الذي منح صك الإيمان والجنة لمن يصوت بنعم إبان دستور الإخوان. لذلك يعد دور حزب “النور” الارشادي مهما لمنع اللغط أو التلاعب بمسألة الكفر والإيمان من قبل الإخوان، أو على الأقل يؤدي الخطابان (الإسلاميان) المتعارضان للتشويش على الأفكار ذات الصبغة الإسلامية، فينتهى المطاف بالمواطن، برفض الانسياق وراء أفكار الإخوان والسلفيين، ويقرر موقفه بعيدا عن المؤثرات القادمة من كليهما. وقد أفضت الضربات الموجعة التي تلقاها “النور” من الإخوان إلى الابتعاد نهائيا عن الجماعة، وعليه أن يثبت دعمه الكبير لمؤسسات الدولة، حتى يتجنب البقاء طويلا في ورطته السياسية.

كاتب مصري

9