ورطة النهاية في رواية "الطلياني"

لا اختلاف على أن الرواية هي أسلوب بالأساس، أسلوب جامع مفتوح على أنماط عديدة من الأساليب، لكنها أيضا بناء كامل المعالم مرصوص الأركان، وإن اختلفت هذه البنية لتكوّن أشكالا وأنساقا متعددة ومتوالدة ومفتوحة على إمكانات البناء الروائي، فإن كاتب الرواية في النهاية مجبر على اتخاذ بناء ما لعمله. ومثلما كانت القصائد الطوال قديما تتمايز في ما بينها بحسن المطالع والخواتيم، فذلك ينسحب أيضا على الرواية، التي يمسك بناؤها ضرورة ضفتي البداية والنهاية.
السبت 2015/06/27
المبخوت واجه مشكلة في تحديد مرفأ مريح ومقنع لتأمين العودة

في رواية “الطلياني” لشكري المبخوت يشكل منطق العلاقة بين البداية والنهاية موضوع هذه القراءة. نعرف أن كل نص له منطقه الخاص به، وتشريح العلاقات التشابكية للنص هي التي تحدّد مناطق القوة والخلل فيه، إن وجدت.

البداية مهمة جدا في العمل الروائي، فهي التي تشدّ القارئ من تلابيبه لمتابعة القراءة بحثا عما يروي غليل الأسئلة التي زرعتها البداية في عقله وخياله، أو أنها تصدّه وتنفّره منها لسبب أو لآخر، والنهاية مهمة أيضا لأنها تساعد على فهم حركة النص الداخلية والخارجية.

ارتباك البداية

في بداية الرواية استوقفني سؤالان؛ أولهما: لماذا ضرب عبدالناصر إمام المسجد “علاله”. والثاني: لماذا قالت الحاجة زينب، أم عبدالناصر عن ولدها “ولد الحرام لا ينتظر منه غير العيب”. ولاحظت أن النص حفر في سيرة عبدالناصر الاجتماعية والأيديولوجية والسياسية وكذلك في سلوكياته، لكي يصل إلى الإجابة على السؤال الأول، أما السؤال الثاني فقد تجاهله النص تماما ولكنه بقي عالقا في الذاكرة، مما ترك وشوشة مزعجة في ذهني، كمتلقٍ، لم يكن لها ما يبررها فنيا أو موضوعيا. فإذا كان كلام المرأة القوية دون أهمية أو صلة بالحكاية فقد كان من الحكمة عدم ذكره. وهذا من وجهة نظري يشكل هنة واضحة في هذه الرواية.

الإنسان هو الإنسان، وقد يقوم بتصرفات غريبة، قد لا تكون مقبولة من الناحية المثالية، ولكنها مفهومة ومقدرة

على أيّة حال، هذه المقالة تحاول تسليط الضوء على سؤال “افتراضي”: هل واجه الكاتب مشكلة في البحث عن محطة مقنعة لنهاية الرواية؟ تتطلب الإجابة على هذا السؤال التوقف عند مقطعين: الأول على الصفحة 316 وهو يصوّر لحظة السخونة بين عبدالناصر وريم حتى تلك اللحظة التي استدارت فيها إليه بمؤخرتها، والمقطع الآخر جاء على الصفحة 322 وهو دخول رأي نقدي يحاول تبرير ما حدث في المقطع الأول وإن كان بصيغة استفهامية.

ولتكون الصورة أوضح دعونا نبدأ بالمقطع الأول: بدأت نفساهما تنشرحان. شربا كأسا أولى على وقع قبلات أذابتهما كالزبدة وهيجته كثور. جاءت مكالمة “يسر” أخت عبدالناصر وهي تصرخ باكية “مات أبي.. مات الحاج..”.

ولكن ما الذي حدث بعد ذلك النبأ العائلي المفجع؟ تابع عبدالناصر مغامرته: حملها إلى غرفة نومه. كانت تضع يديها على رقبته كالمستعدة للحرث. نزع ثيابه بسرعة هي ملقاة على السرير تنتظر ما سيفعل بها.

نزع ثيابها بسرعة أيضا. وضعت يديها على موضع السر كأنها تتغطى بهما. تركته يسرح في مروجها الغضة. لم يكن ما يفعله خاليا من الخشونة والعنف. لم تكن تتفاعل معه.

حين اقترب من موضع السر أحكمت وضع يديها في مستوى العانة وقالت له “لا.. لا.. أنا عذراء!”. استدارت. فهم أنها تعرض عليه شيئا آخر. جن جنونه ولكنه لم يحرك ساكنا. لم تكن تنظر إليه. لم تفهم ما وقع. التفتت إليه. وجدته شاخصا بعينيه، شارد الذهن كمن يستذكر شيئا. سألته “ما بك؟”. لم يجبها. رأت قطعة الحبل مرتخية…

الرواية كشفت قوة أسلوب شكري المبخوت وارتباك أفكاره

ولكن، ليس هذا هو المقطع الذي أثار تساؤلي لأن الإنسان هو الإنسان، وقد يقوم هذا المخلوق بتصرفات عجيبة غريبة، قد لا تكون مقبولة من الناحية المثالية، ولكنها مفهومة ومقدرة. ولهذا قد يؤاخذ القارئ عبدالناصر بكيفية تصرفه بعد سماعه هذا الخبر المفجع، ولكنه سوف يتفهمه بشكل أو بآخر وقد يبحث له عن مبرر مقبول.

إذن، ما هي المشكلة إذا كان تصرفه هذا يمكن تبريره لدى البعض، وإن لم يكن من قبل الكل؟ المشكلة قد تكون في ارتباك وعدم قناعة الكاتب، على لسان الراوي، بالموقف ذاته.

توقفت عند هذا المقطع “…لم أصرّ على مواصلة المداعبات والملاطفات مع تلك الشابة الطالبة رغم هاتف يسر والنبأ الموجع؟ كيف أمكنه أن يواصل ما كان فيه؟ وبأية نفسية؟”. بالنسبة إليّ، هذا صوت ناقد يحاول تبرير المشهد، بشكل مكشوف، وعلى رأي المثل الخليجي “جاء يكحلها عماها”. بعد هذا المقطع المباشر لتبرير صياغة لم يتهمه أحد بضعفها، كان من الطبيعي التساؤل عن احتمال أن يكون الكاتب قد واجه مشكلة في تحديد نقطة العودة لإنهاء الراوية بشكل يقنعه هو قبل غيره؟

مشكل النهاية

بالنسبة إليّ أرجح أن كاتب “الطلياني” قد واجه مشكلة في تحديد مرفأ مريح ومقنع لتحديد العودة، وذلك لعدة أسباب منها: هذا التصرف -ما بعد معرفة موت والده- سوف يكشف للقارئ أن عبدالناصر هو مجرد “كومة زيف”، وهذا الكشف قد يكون مؤلما للكاتب، لسبب أو لآخر، ويبدو أنه حاول أن يخفف من مساحة القبح والفجور الداخلي لهذه الشخصية التي جاهد لأن يظهر بعدها العقائدي وذكاءها ووسامتها، إلخ… وأن يغطي على قبحها الداخلي من خلال الإيحاء بتعجرف “زينة” وإهمالها له، ومن ثم الإيحاء بأنه ضحية.

أحد المفاصل المهمة في النص، هو أنه بني بوعي ودراية، لدى الكاتب، على تكنيك “الفلاش باك”. فبداية النص قوية جدا، حيث اعتدى عبدالناصر على “علاله” إمام المسجد، وحدث ذلك في لحظة حرجة، أي لحظة إنزال والده في لحده، وما تبع ذلك من كلام حول عبدالناصر، سواء من قبل أفراد أسرته أو جيرانهم في الحي، مما ترك فضولا لدى القارئ لمعرفة أسباب ذلك الاعتداء وملابساته.

ومن الطبيعي أن يكون هذا هو الطعم المغري الذي جرّ القارئ لمتابعة أحداث النص، ومن الطبيعي أيضا أن يحتفظ الراوي بتغطية هذا الطعم حتى اللحظة التي يراها الكاتب مناسبة وليسمح لفضول القارئ أن يمزق بعينيه غلاف ذلك الطعم بشرط ألا يخل ذلك بالصورة التي ينشدها الكاتب. بمعنى أن صيغة النهائية كانت متصوّرة لدى الكاتب منذ البداية، ولكن تحديد مكانها ولحظتها هي التي أربكت المشهد.
رواية الطلياني نص حفر في سيرة بطله عبدالناصر الاجتماعية والأيديولوجية والسياسية وكذلك في سلوكياته

لم تكن هناك حاجة للربط بين حركة ريم والاستثارة لرؤية الشيخ في المقبرة، يكفي أن يصادف عبدالناصر وجه علالة في المقبرة لكي يستعيد كل ما حدث ببشاعته، وهذا في حدّ ذاته سيكون كافيا ومقنعا للمتلقي -كما أعتقد-. والربط الذي حدث كان نوعا من القسر.

لكي تكون اللحظة مناسبة، ومنطقية، ومقنعة للمتلقي، فلا بدّ أن تكون في سياق مناسب لروح النص وأحداثه، فليس صحيحا أن تكون هذه هي أول مرة يرى فيها عبدالناصر مؤخرة امرأة، يكفي لإعادته إلى تلك النقطة (تذكر ما حدث له على يد علاله) أن نتخيل ممارساته مع نجلاء وهو “فارس مغوار” على كل الجبهات، أو ما سمعه عبدالناصر على لسان زينة التي تمّ اغتصابها من الجهتين. ولهذا فالإيحاء بأن استدارة ريم أشعلت ذاكرة لاوعيه هو أمر مبالغ فيه، وغير مقنع.

لقد استنزف الكاتب الكثير من شخصية عبدالناصر، وبدأ يكرر مغامراته الجنسية ومنازلاته وأطروحاته الفكرية والسياسية، وأحسّ بأن اللحظة قد آن أوانها وإلا فإن الترهل سيصيب النص، وكان عليه المسارعة بإنهائه.

ورطة البدايات والنهايات في الأعمال السردية ليست مشكلة جديدة. ففي بعض الأحيان ينغمس الراوي في سرد الأحداث التي تغريه لذة الإبحار فيها دون الانتباه إلى البوصلة التي تحدد نقطة الأمان ومرفأ العودة، وفجأة يكتشف تلك المعادلة، فيضطرّ إلى الاستعانة بأدوات أخرى قد تكفيه مؤونة الحرج، وقد لا تفعل.

17