ورطة قصصية وقودها القاص والقراءة

السبت 2016/09/24

وكنت نزلت مرة منزل أمسية صاحبة لي كان قوامها قراءة قصة قصيرة، وتوقيع كتاب طازج. كانت قبلها بليلة وكمشة ليال قد ألحّتْ عليّ أن أحضر عرسها القصصيّ، فقلتُ لها يا هداك الله صويحبتي وأنا أخشى عليك من وجع غياب الناس عن مساء قصصك، وهم يفضّلون الشعر المموسق السهل سماعه والترنّم معه، وأما القصّ فهو يُقرأ ولا يُتلى.

ركبت صديقتي الشرسة رأسها المكنفش وحرنت بباب الفكرة حرونا لا سبيل لتبديله بنصح حكيم غير مجرّب.

وقعت الواقعة بمساء مزاجه مستل من منظر عرضيّ لنشرة أخبار دامية بطعم الوغدة أميركا.

كان عدد الجمهرة الحاضرة يلوب على عدد أصابع اليدين والقدمين، وكنت واحدا منهم ومقدّم الحفلة الخفيف ورجلا كبيرا بدا من مكونات وجهه اليائس، أنه حارس المكان وصانع القهوة الأمين الذي اصطفى كرسيا مزروعا لصق كرسيّ رجل الكاتبة المغدور بجلطتين دماغيتين وثالثة قلبية كادت لا تُربّع.

من أثاث الصالة أيضا ثمة امرأة وقورة متصابية بشعر أصفر ماتت نهاياته من قسوة السشوار، ومشية تشبه مشيةَ بطة دار منفوخة. مقدّمو هكذا أمسيات أدبية صرف، غالبا ما يكونون من صنف الأوادم الشاطرين الحيّالين، وهم أقرب إلى خلق الدفّان وقارئ المقبرة الذي يواسي أهل الميت، بصوت رحيم كما لو أنّ الميتة النازلة بحفرة الوداع كانت أمّهُ الحبيبة.

رشّ الولد المتحذلق على الجمهرة، حروف الشكر والمديح والامتنان، ووصفهم بالنخبة التي تجشّمت ألم المجيء، ثمّ التفتَ صوب القاصّة وقال فيها ما لم يقله علّوكي في الخمرة وطقوسها وأهلها، وطلب منها قراءة نصّ من كتابها العزيز، فقرأتْ بصوت ملوّن بلوثات قصيدة شعبية بائرة مدوزنة على سلّم التوسّل.

في ذلك المفصل الرهيب مثل يوم قيامة، كان بمقدوري أن أقنص منظر المرأة القلقة أمّ الشعر الأصفر الصائح، وهي تُخرج من حقيبتها مرآة صغيرة وقلما ذا إيحاءات غير صالحة للكتابة المهذبة جدا.

انتهت واقعة القراءة بزخّة تصفيق شحيح، وبعض نكات وطرف باهتة مثل تلك التي يقولها الناس بمجلس عزاء يتشافى على يومه الثالث.

صاحبتي القاصة كانت حريصة على أن لا تنظر بوجهي أبدا.

24