ورطتي مع بورخيس

الخميس 2014/01/16

منذ أيام كتبت في أحد المواقع عن انحياز الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس لإسرائيل، وقد دعمت ذلك بأدلة من شعره وقصائده التي أهداها لإسرائيل، وزيارته لها عام 1970 لنيل “جائزة القدس".

وقد أخذ عليّ بعض الأصدقاء أنني لم أضع وجهة نظري ككاتبة مقال عربية في موقفه هذا.

لا أظن أن ما كتبته عن موقف بورخيس وميله نحو إسرائيل يحتاج إلى رأيي بقدر ما هو كشف لجوانب خفية قد تهمنا نحن كقراء عرب نعتبر الصراع مع ذلك الكيان المحتل أمرا مصيريا. فردة فعل القارئ غير العربي حول ذلك الموقف يختلف عن ردود أفعالنا كقراء عرب.

عند كتابتي لذلك المقال كان علي البحث كثيرا في المواقع الإلكترونية العربية والإسبانية لأجد أن قليلا جدا من المواقع العربية قد ذكرت ذلك على استحياء، بينما أسهبت المواقع الإسبانية في الحديث عنه.

وللحق فأدب هذا الكاتب الرائع لا يمكن أن يختزل في موقفه هذا الذي أعتبره شخصيا منافيا للإنسانية، وما كنت أحب أن أعرف هذا عنه كي لا تهتز صورة بورخيس في مخيلتي وهو أمر ليس بيدي، فاهتزاز الصورة يتمّ بمجرد مرور ريح قوية من هذا النوع نحوها دون أن تمتدّ إليها أيدينا.

لنقل، إنني شعرت وكأنني في ورطة، فحب القارئ للنص في العادة يدفعه لحب كاتبه، لكنني غضبت، وربما كنت أتمنى لو كان بورخيس حيا كي أوجه له رسالة عتاب.

ربما من الأجدر أن أوجه رسالة العتاب تلك لمعاصريه من الكتاب العرب الذين لم يثيروا ضجة بعد زيارته لإسرائيل، خاصة أن النكسة كانت طازجة والمدّ القومي على أشدّه.

ومما يثير الدهشة أن حب بورخيس لإسرائيل لم يدفعه لكره العرب، فلم يرد على لسانه أنه انتقد العرب أو قلل من شأنهم، بل على العكس تماما، فقد تأثر بآدابهم وكتابات الصوفيين من حضاراتهم تماما كتأثره بالكابالا وهي الصوفية اليهودية. بل إنه في أواخر سني حياته قرر أن يتعلم اللغة العربية، وقد أخذ دروسا مبتدئة بها على يد معلم مصري كما تذكر زوجته.

كنت في محاضرة مرّة عن الأدب اللاتيني في الجامعة الوطنية في مناغوا، وكنا نناقش أدب بورخيس وحياته عندما قال أحد زملائي إن بورخيس تأخر في الزواج لأنه كان يحب أخته الكبرى حبا لم يكن بريئا على أية حال.

هاجت قاعة الدرس، ما بين مطالب بتوثيق المصدر وما بين مؤكد للموضوع، وأنا كنت أستمع حينها لذلك النقاش الدائر الذي لم يخل من وجهات نظر متعددة وضحكات خافتة حينما أعادنا الأستاذ لموضوع المحاضرة الأساسي الذي نسيته تماما وتذكرت منه فقط تلك الجزئية التي لم تؤثر على قراءتي لبورخيس لأنني اعتبرتها -في حال صدقها- أمرا شخصيا، أما الآن فربما أقرأ لبورخيس كمصاب بالسكري لا يستغني عن أكل الحلوى.

كاتبة ومترجمة من فلسطين

14