"ورقات من دفتر الخوف" رواية تتهم السياسيين بسرقة الربيع العربي

الخميس 2014/05/01
أبو بكر العيادي لم ينتظر الثورة كي يدين الاستبداد ويعرّي الحكم الفردي المطلق

تحتاج الأحداث الكبرى في العادة إلى اختمار في الذهن أعواما طويلة قبل أن يصوغها الكاتب في أثر يستوفي شروط العمل الفني الجاد، يستخلص فيه دوافعها ونتائجها ويجلو منها أبعادها الإنسانية العميقة، ولكن أبابكر العيادي غامر بتأليف رواية “ورقات من دفتر الخوف” الصادرة مؤخرا في زخم الأحداث التي شهدتها تونس، وانتهى من كتابتها والثورة لم تبلغ بعد شهرها السابع، ولم تنجل عن أفقها المنشود. فكيف استطاع رصد تحوّلات بل تقلبات متسارعة، ومقاربة واقع لا يني يتحوّل؟

الرواية كما يدل عليها عنوانها تصوّر الخوف في أجلى مظاهره، لا كثيمة فلسفية وإنما كحالة عامة تفشت في البلاد واستبدّت بالعباد، تخيّر منها الكاتب أمثلة دالة عما كان الناس يعانونه من قمع وتعذيب ونفي واستيلاء على ممتلكاتهم، وعما كانت البطانة والحاشية تمارسانه من ابتزاز واضطهاد وتجاوز للقانون بمباركة طاغية يسوس بالقهر شعبه، ليحاول تفسير سكوت التونسيين طوال ثلاثة وعشرين عاما عن ظلم ذلك الرجل الأميّ الفاسق الذي وصل إلى السلطة بانقلاب، ويتلمس الطرائق التي توخاها، والوسائل التي استند إليها لزرع الخوف في النفوس، لا يستثني من شعبه إلا من أسلم له القياد راغبا أو راهبا.


محنة البطل


تدور الأحداث في واقعين مختلفين، يراوح السرد بينهما بالتناوب، بضمير المفرد في الغالب، ليروي سيرة مثقف يتابع من منفاه ما يجري في وطنه آناء الليل وأطراف النهار، عبر وسائل الاتصال الحديثة، وأصدائها في وسائل الإعلام، غربية كانت أم عربية، وقد أضحت الثورة حدث الساعة في مختلف مدن العالم.

ترتدّ ذاكرة بطل الرواية إلى وقائع كان طرفا فيها، قبل أن يضطرّ إلى الهجرة، برغبته في المرة الأولى، ومكرها في المرة الثانية.

يبدو أبوبكر العيادي موزعا بين ضفتين، يرصد الوقائع هنا وهناك، ليكتب ذاته والتاريخ في الوقت نفسه

وهذه الوقائع تكشف عن طبيعة هذا النظام الذي صادر رموزه من الأسرة الحاكمة ومقربيها الأملاك والحريات، واستباحت المال والأعراض، في فصول تبدو معزولة منفصلة، ثم تتجمع خيوطها، فإذا هي سبب من أسباب محنة البطل طالب العدل.

ومن ثَمّ، نجد الأحداث تدور أيضا في زمنين متباعدين، زمن الثورة، أو أيامها الخمسة الأولى منذ هروب المخلوع، وهو زمن راهن ينقل فيه السارد حاله وحال أسرته في المنفى وبعض أصدقائه وهم يتابعون في أمل يكتنفه خوفٌ الأخبارَ القادمة من الوطن، ويحللون تطوراتها ويستشفون مآلها، مثلما ينقل موقف المقيمين في باريس، فرنسيين وأجانب، مما يجدّ في تونس، والكوابيس التي راودته. وزمن ماض ينقل أمثلة عمّن كانوا طرفا في استشراء الخوف الذي استبدّ بفئات الشعب كافّة، حتى صار الفرد لا يأنس لمحدّثه ولو كان من المقرّبين، وإذا تكلم قلّب النظر حوله يمنة ويسرة قبل أن يسرّ لجليسه بكلام يمس الأسرة الحاكمة من قريب أو بعيد.


تراث الاستبداد


لم تكتف الرواية بسرد الأحداث الحافة بالثورة أو تلك التي عكست أوجها من الظلم شتى، بل صوّرت الدكتاتور كأبشع ما يكون، وأطلق الكاتب لخياله العنان لتلمس حال الذلّ التي يحياها بعد حياة العز، وقد فقد صولجان الملك وبات مطرودا منبوذا تتناوش الألسن والأقلام سيرته وشخصه في نوع من التشفي والشماتة.

وتوسّل أبوبكر العيادي، في توصيف ذلك، المراوحةَ بين السرد الاسترجاعي والسرد الاستباقي والأحلام والخرافات في لغة أمتن وأصفى، تنأى عن مستويات الخطاب في المواضع الأخرى، كناية عن البعد التراثي للاستبداد، وازدراء بمن يحسبون أن القدر اصطفاهم “ساسة وذادة” على طريقة الأمويين والعباسيين القائلين بالجبر الديني.

كما أدان عجائز العمل السياسي الذين استولوا على ثمار ثورة شبابية، “رجال جثموا على صدورنا منذ عهد البايات كالقضاء المبرم… يظهرون ويختفون في لعبة تبادل أدوار لا تنتهي… يتصدّرون مواقع السيادة بغير انقطاع، وكأن البلاد لم تخلق سواهم”.

صوّرت الدكتاتور كأبشع ما يكون

ومن هؤلاء أيضا مَن أسماهم ثوار الساعة الخامسة والعشرين، أولئك الذين استناموا للخضوع والخنوع سنين، ثم قفزوا إلى الواجهة ليوهموا الناس بأن الثورة من صنعهم، فهم يمارسون “نضالا بعد فوات الأوان، نضالا بمفعول رجعي” على حدّ عبارة المفكر المصري فؤاد زكريا، فضلا عن الحربائيين، الذين انقلبوا على وليّ نعمتهم، يراكمون الهذر النقيض، عسى أن يمحوا ما ترسب في الذاكرة الجمعية من ممارسات ليس أقلها تمسحهم على أعتاب السلطان وتلميعهم لصورته.

فالطاغية لم يحكم قبضته على رقاب الشعب بالبوليس وميليشيات حزبه الحاكم فحسب، وإنما استقوى عليه أيضا باستراتيجيا مكيافيلية محكمة، تقوم على إغواء المعارضة، وتوظيف الإعلام، وتدجين المثقفين، وتركيع القضاء، وتزييف القيم.

فلا غروّ إذن أن يكون حاضرا في كامل فصول الرواية، إما منمّيا للأحداث، أو مسرودا عنه، يتعدّد بتعدّد أسمائه وألقابه، سواء ما كان منها متداولا في العلن، أو مهموسا في البيوت المغلقة، أو معلنا في وسائل الإعلام الأجنبية المندّدة بطغيانه، وكأن في ذلك تشفّيا ممن كمّم الأصوات ولجّم الأقلام عن ذكره إلا بما يليق بقدره من ألقاب العزّ والسؤدد.

ما يشفع لأبي بكر العيادي أنه لم ينتظر الثورة كي يدين الاستبداد ويعرّي الحكم الفردي المطلق، ويفضح سيرة المتسلقين حوله واللاعقين من جفانه، وحسبنا أن نعود إلى روايته “آخر الرعية” التي خضعت للمنع منذ صدورها في باريس عام 2001، لنتبين موقفه من الاستبداد وطبائعه.


خوف في السرد


تبدو الرواية في بعض ورقاتها الأولى مرايا توثق لأحداث نعرفها جميعا، مما يوهم بأنها تستنسخ الواقع، خصوصا وأنه واقع لزج قابل للزيادة والنقصان، فيه ما فيه من الخفايا والأسرار التي لم تنجل بعد، لا في لحظة استهلال الرواية، ولا عند الانتهاء منها، ولكن الكاتب استطاع أن يحيلنا إلى حكايات كثيرة، واستخدم لعبة التقاطعات بمهارة فتداخلت الأمكنة والأزمنة والحالات، وسرى الخوف في أعراق الرواية مثلما سرت الشجاعة، وانجلى النضال ضدّ الطاغية وزبانيته عن سقوط الدكتاتور في انتظار سقوط الدكتاتورية.

لغة العيادي متينة وصافية، تنأى عن مستويات الخطاب المباشر كناية عن البعد التراثي للاستبداد

ولتحقيق ذلك،استخدم ألاعيب الحكي، وعدّد الأصوات ومستويات التبئير، ونوّع الخطاب السردي، وكثّف سجلاّت القول حين يلزم التكثيف، واستبطن شخصياته بمهارة.

يقول خالد الغريبي، أستاذ الأدب المقارن بجامعة صفاقس، “هي سيرة جماعية من خلال سيرة الذات التي تشكل موقفا لشريحة من المثقفين آمنوا بالكلمة الصادقة، وتواروا وراء صدقهم في أزمنة القمع السياسي، دون أن يفقدوا عذارتهم. لا يبتغون مناصب أو شرفا زائلا. لقد ظلوا، وهم في أجلى حالات الانتشاء بانتفاضة المحرومين، يزاولون عملهم النقدي كما التغريب في مسرح بريخت، لا يتماهون مع الواقع المركب، ولا يتطهّرون به، وإنما ديدنهم أن يطهّروا الواقع من بقايا الانتهازية مهما كان مرجعها.

إنها رسالة الأديب المثقف الذي آمن بأن الثورة ليست شعارات، وإنما هي عمل دؤوب صعب ركوب سلّمه”.

بقي أن نقول إن “ورقات من زمن الخوف” تتابع واقعا متحرّكا يكتمل في زمن الرواية، ولا يكتمل في الواقع التاريخي المعيش.

ولكن أليس ذلك هو قدر العمل الفني؟ فالكتاب، كما يقول الياباني ريوكو سيكيغوشي، له نهاية محتومة، ولو كانت منفتحة على أطوار قد تأتي، فيما الواقع ممتدّ لا يعرف نهاية.

كما هو الشأن في روايته السابقة “الرجل العاري” يبدو العيادي موزعا بين ضفتين، يرصد الوقائع هنا وهناك، ليكتب ذاته والتاريخ في الوقت نفسه، ولعل هذا بعض ما يميّز الكتابة المهاجرة، ويضفي عليها خصوصية جدير بنا أن نحلّل مظاهرها الجمالية والمضمونية.

15