ورقة مرشح الرئاسة تكتيك النهضة لضمان تحالفات ما بعد الانتخابات

الأحزاب السياسية توجه بوصلتها نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة لكن جلها ما زال يعيش في مرحلة تعثر وضبابية بشأن تقديم مرشحين للمنافسة على منصب الرئاسة.
الاثنين 2019/04/22
التركيز على جدل الرئاسة لضمان الفوز في التشريعية

لم يعد يفصل تونس عن موعدي الانتخابات التشريعية (6 أكتوبر) والرئاسية (17 نوفمبر)، سوى بضعة أشهر، إلا أن أهم الأحزاب الكبرى والفاعلة، لم تعلن بعد عن مرشحيها للمنافسة خاصة على منصب الرئاسة وذلك بعد أن أعرب الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي عن عدم رغبته في الترشح لولاية ثانية. كما زادت الإطلالة الإعلامية الأخيرة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد في تعقيد المشهد خاصة أنه لم يعلن عن نواياه للترشح للرئاسة، كما أنه لم يعلن صراحة عن تزعمه لحزب “تحيا تونس”، ما أجبر الأحزاب الكبرى وفي مقدّمتها حركة النهضة على التريّث قبل الإعلان عمّن سيساندونه في الاستحقاق القادم.

تونس- رغم أن تونس تعيش منذ أشهر على وقع تبدّل موازين القوى السياسية، خاصة بعد تقهقر حزب نداء تونس وانشطاره مرة أخرى إلى شقين حتى بعد عقد مؤتمره الانتخابي مؤخرا، أو صعود حزب تحيا تونس بسرعة فائقة، إلا أن شكل التحالفات المرتقبة في فترة ما بعد الانتخابات القادمة لم يتحدّد بعد.

وتوجه كل الأحزاب السياسية بوصلتها نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة في شهري أكتوبر ونوفمبر، لكن جلها ما زال يعيش في مرحلة تعثر وضبابية بالنظر إلى عدم وضوح الرؤية بشأن تقديم مرشحين جديين للمنافسة على منصب الرئاسة.

وبخلاف أحزاب المعارضة التي وإن لم تعلن رسميا عن مرشحيها وتعيش بدورها مرحلة شد وجذب لعدم التوافق على مرشحين، إلا أن الأمور تبدو واضحة بالنسبة إليها، حيث إن مواقف وقرارات أحزاب الحكم ما زالت في مرحلة مخاض بالنظر إلى عاملين أساسيين وهما عدم إفصاح كل من رئيسي الجمهورية الباجي قائد السبسي وكذلك رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن حقيقة نيتيهما بخصوص تقديم ترشحيهما من عدمه.

وبعدما أثار تصريح الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في الفترة الأخيرة عن عدم رغبته في الترشح لولاية ثانية، مبقيا الباب مفتوحا على كل السيناريوهات، زاد رئيس الحكومة يوسف الشاهد بدوره في تعقيد المسألة بعدم خوضه مطلقا خلال خطاب توجه به إلى التونسيين مؤخرا لا بشأن التسريبات التي تقول إنه سيكون مرشح بعض القوى الحداثية للرئاسة ولا عن نيته تزعّم حزب “تحيا تونس” الداعم للحكومة الحالية برفقة حركة النهضة الإسلامية.

أثار تخصيص يوسف الشاهد كامل كلمته الأخيرة لخارطة الطريق الاقتصادية خلال الستة أشهر القادمة أو اكتفائه بتشخيص الوضع السياسي العديد من التساؤلات لدى المراقبين ولدى الفاعلين في المشهد السياسي خاصة وأن بعض الأحزاب بقيت رهينة معرفة نوايا الشاهد في ما يتعلق بالترشح للانتخابات خاصة في ما يتعلق بحزب حركة النهضة الإسلامية أو فروع حزب نداء تونس المنشقة عنه سابقا، كـ”تحيا تونس” أو حركة مشروع تونس التي يتزعمها محسن مرزوق.

هذا التطورّ الجديد، دفع برئيس حركة النهضة إلى التطرق إلى نوايا حركته الإسلامية في ما يخص من سيكون مرشحها لقصر قرطاج (قصر الرئاسة)، حيث قال راشد الغنوشي السبت، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية التونسية إن “الحركة لم تحسم موقفها بخصوص مُرشّحها للانتخابات الرئاسية المقبلة”.

وما أعطى أهمية لهذا التصريح الأخير أنه جاء بعد يوم فقط من لقاء الغنوشي بالرئيس الباجي قائد السبسي بقصر قرطاج الجمعة، وهو أحد أهم اللقاءات النادرة التي عقدت منذ أعلن قائد السبسي عن قطع تحالفه السياسي مع حركة النهضة.

رياض المؤخر: حزب تحيا تونس يبحث عن تحالفات بهدف خوض الانتخابات التشريعية
رياض المؤخر: حزب تحيا تونس يبحث عن تحالفات بهدف خوض الانتخابات التشريعية

وأوضح الغنوشي في تعليق، على هذا اللقاء وربطه من قبل بعض المراقبين، بمسألة الانتخابات أو عودة الوئام والتوافق مع الرئيس التونسي، أن “النهضة لم تقطع التوافق من جهتها وكنت أكدت من قبل، لرئيس الدولة أن التوافق شراكة وهي شراكة لم نقطعها ولا نزال متمسّكين بها”، مضيفا قوله “أتصور أن للرئيس الباجي قائد السبسي طبيعة توافقية وهو الذي يرعى سياسة التوافق”.

وشدد الغنوشي رغم كل الخلافات بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحزبه الأم نداء تونس على أن “الحكومة القائمة لا تزال حكومة توافقية بين حركة نداء تونس وفروعها والنهضة ومشروع تونس”، ملاحظا أن النهضة في شراكة مع الجميع.

يرجح الكثير من المتابعين أن النهضة ستنسج على منوال انتخابات 2011 و2014، أي عدم تقديم مرشح من داخلها للمنافسة على منصب الرئاسة، وفي المقابل يكون تركيز كل جهودها على الانتخابات التشريعية لإدراكها أن البرلمان هو الذي يحدد سياسات البلد وخاصة هو من يتحكم بأي رئيس حكومة ستتم تسميته في فترة ما بعد الانتخابات.

وبخصوص موقفها الجديد، الذي ورد على لسان الغنوشي، فيصنفه المتابعون للشأن السياسي التونسي في خانة ترقب الحركة الإسلامية لإعلان رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن نواياه بصريح العبارة من الترشح للرئاسية من عدمه.

في المقابل، تذهب بعض الآراء إلى اعتبار أن حركة النهضة تعلب كعادتها على هذه الورقة أي عدم الحسم في مرشحها للرئاسية لضمان التحالفات الممكنة في فترة ما بعد الانتخابات.

وفي هذا الصدد، قال المسؤول عن الهياكل داخل حركة النهضة بدرالدين عبدالكافي، إن “حركة النهضة معنيّة بالانتخابات الرئاسية وسيكون لها موقف واضح خلال الأسابيع القادمة بخصوص مساندة مترشح من خارج النهضة إن لم تُقدم مرشّحا لها”، ملاحظا أن “الحركة لم تحسم بعد في مسألة المترشح أو مساندة من تراه صالحا”.

وكانت حركة النهضة قد عقدت تحالفا سياسيا عبر لقاء باريس الشهير من قبل مع الرئيس الباجي قائد السبسي قبل انتخابات 2014 التي فاز بها الأخير على حساب الرئيس السابق المنصف المرزوقي.

هذا الترنح وعدم الوضوح، لا يقتصر فقط على حركة النهضة بل إن كل الأحزاب المنحدرة والمنشقة في الأصل عن حزب نداء تونس ما زالت تنتظر معرفة حقيقة نية يوسف الشاهد الذي ما زالت مواقفه تحرج حزب “تحيا تونس” المقبل على تنظيم مؤتمره الانتخابي لكنه ما زال يسابق الزمن لإعلان رئيس الحكومة عن تزعمه للحزب.

ورغم ما يُتهم به حزب “تحيا تونس” في الساحة السياسية التونسية، من إعادة نفس خطأ نداء تونس عبر إحياء التوافق مع حركة النهضة، إلا أن تصريحات جل قياداته تحيل إلى أن الحزب لن يتحالف مع الإسلاميين عقب الانتخابات وأنه يتناقش ويتباحث مع أحزاب حداثية قصد الدخول في جبهة انتخابية تحد من تغوّل حركة النهضة على البرلمان.

وفي هذا السياق، قال الوزير السابق والقيادي بحركة تحيا تونس رياض المؤخر الأحد، إن حزبه يُراهن على الاستحقاق الانتخابي القادم، مشددا على أن الحزب سيكون رقما كبيرا في الانتخابات التشريعية.

مواقف أحزاب الحكم مازالت في مرحلة مخاض بالنظر إلى عاملين أساسيين وهما عدم إفصاح كل من السبسي وكذلك الشاهد عن حقيقة نيتهما الترشح للانتخابات الرئاسية

وعبر رياض المؤخر عن انفتاح تحيا تونس على الجميع، مشيرا إلى أن الحزب يبحث عن تحالفات ودخل في نقاشات بهدف خوض الاستحقاق الانتخابي التشريعي بصفة موحدة.

ويثير عدم وضوح رئيس الحكومة العديد من التعقيدات خاصة في ما يتعلق بمستقبل حكومته، فمن الناحية السياسية والأخلاقية، يتطلب ترشحه للانتخابات الرئاسية التخلي عن منصبه وبالتالي إدخال البلاد الغارقة في أزماتها السياسية والاقتصادية في مطبّات أخرى لتركيز حكومة بديلة تحت مسمى “حكومة انتخابات”.

وزاد تعمق أزمة نداء تونس ببروز معارك شقوقه مرة أخرى حول عدم التوافق على قيادة حزبية بعد الجدل الذي أثاره إفراز مؤتمره الانتخابي لقيادتين أولاهما يقودها النائب بالبرلمان سفيان طوبال والثانية يقودها نجل الرئيس حافظ قائد السبسي، في خلط الأوراق خاصة أن الباجي قائد السبسي أوحى من قبل أن ترشحه لعهدة ثانية من عدمه سيحدده بصفة قاطعة نجاح مؤتمر نداء تونس.

ويعتقد البعض من الملاحظين، أن حركة النهضة الاسلامية تعد أكبر مستفيد في الساحة السياسية التونسية من هذه اللخبطة التي تعيشها الأحزاب العلمانية، ما يجعلها تغير مواقفها وتعدلها في كل مرة، والدليل على ذلك أن رئيس الحركة راشد الغنوشي كان قد دعا في وقت سابق عام 2017 يوسف الشاهد بالتعهد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية لمساندته ودعم بقائه على رأس الحكومة، إلا أن جل التسريبات اليوم، تؤكّد أن انقطاع حبال الود مع الرئيس قائد السبسي دفعت الحركة إلى تغيير خططها والمراهنة على اسم رئيس الحكومة ضمن خطة سياسية متفق عليها منذ منح الشاهد ثقة مواصلة الحكومة منذ شهر نوفبمر 2018 في مواقف معاكسة لرغبة رئيس الجمهورية وحزبه نداء تونس.

7