ورقة منتهية الصلاحية: اللاجئون السوريون لم يعد مرحبا بهم في تركيا

تحذر منظمات الإغاثة من تزايد مشاعر العداء تجاه اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن، وهى البلدان التي تستضيف أكبر عدد منهم، في ظل تراجع الأوضاع الاقتصادية وتغير المشهد السياسي في المنطقة.
الأربعاء 2018/03/07
منظمات الإغاثة تحذر من ترحيل قسري للسوريين

لندن- قبل أقل من عامين، وعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمنح الجنسية التركية للاجئين، لكنه اليوم يقول في أحد خطاباته “نريد من إخواننا وأخواتنا من اللاجئين أن يعودوا إلى أرضهم ومنازلهم. لا يمكننا أن نبقي 3.5 مليون شخص هنا إلى الأبد”، ما يؤكد صحة التحذيرات التي أطلقها ناشطون في مجال قضايا اللاجئين والإغاثة الإنسانية وسياسيون أوروبيون من أن تركيا ليست بلدا آمنا للاجئين كما كانت تدعي خلال مفاوضاتها مع الأوروبيين.

عندما أغرقت تدفقات اللاجئين أوروبا في عام 2015، لم يستطع الاتحاد الأوروبي إيجاد حل متوافق عليه حول هذه الأزمة، وفي خضم الجدل الذي قسم الدول الأوروبية حول حصص توزيع اللاجئين، لم يكن هناك من خيار مطروح أفضل من الاتفاق مع تركيا.

نجحت تركيا في ابتزاز دول الاتحاد الأوروبي التي كانت تبحث عن معالجة تدفق اللاجئين بأي ثمن، حتى لو كان اتفاقا مثيرا للجدل مع تركيا. تم التوصل إلى هذا الاتفاق في مارس 2016، يقضي بكبح تدفق الهجرة واللجوء عبر بحر إيجه مقابل مزايا سياسية ومساعدات مالية لأنقرة.

في تلك الفترة، استثمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قضية اللاجئين بشكل كبير وعلى مختلف الأصعدة، فوظفها كورقة في حملة الانتخابات وفي الترويج لصورة أنقرة في الخارج، فتحدث عن تجنيس اللاجئين السوريين وعن إدماجهم في المجتمع ودورهم في تنمية الاقتصاد التركي، ومؤخرا استغل ورقة اللاجئين لتبرير العملية العسكرية في عفرين، حيث يقول أردوغان إن أحد الأهداف الرئيسية للعملية العسكرية في عفرين تمكين اللاجئين من العودة إلى ديارهم، على الرغم من أن معظم اللاجئين في البلاد ينحدرون من أماكن أخرى في سوريا.

نقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن خبراء أن هناك ضغوطا متزايدة تمارس على اللاجئين لمغادرة البلدان المضيفة لهم والعودة إلى سوريا، التي وصفها البعض بـ”الآمنة”، حيث تناسى البعض أن الحرب الدائرة في سوريا هي في الأصل حرب بين قوات النظام والمعارضة، وليست حربا عابرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، التي انتهت بسيطرة قوات الأسد على المناطق التي احتلها داعش

كان الضجيج الكبير في العلن عن “إنسانية” تركيا المستعدة لفتح أبوابها للاجئين الذين تفرضهم أوروبا، يغطي على مقايضة تركيا للدول الأوروبية والضغط عليها من أجل تسديد المساعدات لتركيا وإلغاء تأشيرات دخول الأتراك إلى أوروبا وتسهيل محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وخلال المفاوضات كانت تركيا تضغط على الدول الأوروبية بتهديدها بفتح حدودها للاجئين المجودين على أرضها ليتدفقوا نحو الاتحاد الأوروبي.

بموجب الاتفاق سميت تركيا “بلدا ثالثا آمنا”. وبلد ثالث آمن، يعني وفق القوانين الأوروبية والدولية بلدا يتوقع أن يجد فيه العائدون عملية لجوء تتسم بالنزاهة والكفاءة، ومن ثم ينبغي أن يتمتع أولئك الذين يريدون التقدم بطلبات لجوء سليمة وسارية، بالمعاملة الحسنة والحقوق النموذجية المنصوص عليها في اتفاقية اللاجئين لعام 1951.

لكن مع مرور الوقت، وتغيّر معطيات كثيرة تبين أن هذا البلد لم يعد آمنا بالنسبة للاجئين بعد أن أصبحوا ورقة مستهلكة بل ومصدر ضغط على النظام مع تصاعد تذمر المواطنين الأتراك وتخوّفهم من أن اللاجئين السوريين باتوا يزاحمونهم في وظائفهم ومساكنهم ومدارسهم وجامعاتهم ويؤثرون عليهم على مختلف الأصعدة في تركيا، التي تعاني من ارتفاع كبير في البطالة بنسبة 11.1 بالمئة، وتواجه حربا مع الأكراد وسياسة داخلية وخارجية مضطربة.

انتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش تركيا لاستخدامها “القوة المميتة” ضد النازحين السوريين الذين يحاولون العبور إلى أراضيها، ودعت أنقرة إلى التوقف عن إعادتهم “قسريا” وفتح الحدود أمامهم. وشددت على أن “الظروف في سوريا ليست آمنة لعودة اللاجئين”.

وفي مثال على تصاعد النبرة التركية الرافضة للاجئين السوريين، تنقل صحيفة فاينانشال تايمز، عن ساكيب أويار، أنه صوت لصالح أردوغان في الانتخابات التركية الأخيرة، لكنه الآن غاضب على الرئيس. فقد سئم من رؤية أعداد اللاجئين السوريين تتزايد في منطقة ألتن داغ في أنقرة.

ويقول أويار، واصفا المنطقة، “إنها أصبحت أشبه بحلب. هم (اللاجئون السوريون) يستحوذون على الوظائف ويساهمون في رفع أسعار الإيجار. لن أصوت لأردوغان مرة أخرى، إذا لم يعدهم إلى بلادهم”. ولم يكن أويار وحده؛ فقد تزايدت مشاعر العداء تجاه الملايين من السوريين الذين فروا من ويلات الحرب الأهلية المندلعة منذ سبع سنوات إلى تركيا ولبنان والأردن، وهي الدول التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين.

وأشاد المجتمع الدولي بجهود تركيا التي فتحت أبوابها أمام 3.5 مليون سوري هربوا من الحرب. لكن التوترات الاجتماعية تأخذ في الارتفاع، خصوصا في المناطق الشعبية، حيث تتركز الطبقات العاملة، ويتنافس السوريون مع السكان المحليين من أجل الحصول على سكن بأسعار معقولة ووظائف منخفضة الأجر.

وتكشف شاهدة أخرى، وهي ربة منزل في منطقة ألتن داغ بأنقرة، لفاينانشال تايمز، عن مظاهر هذا التوتر، بقولها “نحن أفقر منهم”، فيما تقول إحدى مؤيدات الحزب الحاكم أيضا إن القضية السورية كانت إحدى أكبر وأخطر القضايا التي اتخذت فيها الحكومة قرارا خاطئا، مضيفة “لقد ارتكبت الحكومة خطأ في السماح لمثل هذه الأعداد الضخمة بعبور حدودها. يجب أن يعودوا إلى ديارهم”.

وتنقل شبكة إيرين للأنباء الإنسانية عن جويل عيد، المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي في تركيا، أنه كان من المقرر أن تكون الإعانة الشهرية أكثر من 100 ليرة، ولكن وزارة شؤون الأسرة والسياسة الاجتماعية في تركيا كانت غير مرتاحة لإعطاء اللاجئين إعانة أعلى من تلك التي يحصل عليها مواطنوها بموجب نظام الرعاية الاجتماعية في الدولة.

ووجدت دراسة حديثة أجرتها جامعة بيلجي في إسطنبول أن 75 بالمئة من المواطنين الأتراك يعتقدون أن المجتمعات التركية والسورية لا يمكن أن تعيش في سلام. وقال ما يقرب من ثلثي المستطلعة آراؤهم، بمن فيهم 45 بالمئة من مؤيدي أردوغان، إن سياسات الحكومة تجاه السوريين كانت خاطئة. كما شكلت مشاعر العداء تلك الخطاب السياسي المغاير تجاه اللاجئين، خصوصا وأن الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي انهار شكليا، على وقع استفزازات تركيا للدول الأوروبية وخلافاتها المتواصلة مع عدد منها.

ضغوط متزايدة

 أردوغان يقول إن أحد الأهداف الرئيسية للعملية العسكرية في عفرين هو تمكين اللاجئين من العودة إلى ديارهم، على الرغم من أن معظم اللاجئين في البلاد ينحدرون من أماكن أخرى في سوريا
 أردوغان يقول إن أحد الأهداف الرئيسية للعملية العسكرية في عفرين هو تمكين اللاجئين من العودة إلى ديارهم، على الرغم من أن معظم اللاجئين في البلاد ينحدرون من أماكن أخرى في سوريا

تحذر جماعات الإغاثة من أن اللاجئين السوريين يتعرضون لضغوط سياسية متزايدة في الدول المضيفة لكي يعودوا إلى ديارهم. ويقول دانييل غوريفان، من المجلس النرويجي للاجئين، “هناك رد فعل مضاد للاجئين يتزايد باستمرار، فضلا عن زيادة المناقشات حول عودة اللاجئين والتي لا تتطابق مع ما يحدث الآن على الأرض السورية”. وعلى الرغم من أن اللاجئين يحققون فوائد اقتصادية من خلال إنفاق المال، وعمل المشاريع التجارية وتوفير العمالة الرخيصة، إلا أن الحكومات المضيفة تنفق المليارات من أجل دعمهم، الأمر الذي يثقل كاهل دول هشة اقتصاديا، ولم تحظ باتفاقات مثل الاتفاق الذي وقعته تركيا.

وتؤكد ساسكيا باس، رئيسة منصة ديورابل سوليوشنز، وهي مبادرة بحثية معنية بمستقبل اللاجئين السوريين على المدى الطويل، قولها إن “الدعم المقدم إلى اللاجئين في المنطقة لم يكن كافيا لمساعدة الحكومات المضيفة”.

وأضافت باس “لا يمكن أن تتوقع من الدول أن تعتني بهذه الأعداد من اللاجئين لهذه الفترة الطويلة من الزمن في الوقت الذي تعاني فيه شعوب تلك الدول المضيفة”؛ ففي لبنان يوجد سوري بين كل أربعة أشخاص. ويقول المسؤولون إن أزمة اللاجئين كلفت لبنان أكثر من 20 مليار دولار، بينما تقول السلطات الأردنية إن الأزمة كلفت البلاد 10 مليارات دولار.

وكان صندوق النقد الدولي قال هذا العام إن التقديرات تشير إلى تجاوز الدين العام اللبناني 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2017، ومن المتوقع أن يزيد بسرعة في ظل عجز في الميزانية يتجاوز العشرة بالمئة في الأجل المنظور.

وقال رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري لدى افتتاح مؤتمر “الاستثمار في البنى التحتية في لبنان” إن الوضع الاقتصادي في البلاد صعب ويواجه تحديات كبيرة، مشيرا إلى أن “الأزمة في سوريا ألقت بثقلها على الاقتصاد الوطني وحركة الصادرات الوطنية وتدفق

الاستثمارات الخارجية، إضافة إلى تداعيات موجة النزوح الكثيفة التي أثقلت البنية التحتية والخدمات العامة وعجز الخزينة والاقتصاد بشكل عام”.

ومنذ الحرب التي اندلعت في سوريا المجاورة قبل سبع سنوات يستضيف لبنان نحو 1.5 مليون نازح سوري، بحسب أرقام الحكومة اللبنانية. وأضاف رئيس الوزراء اللبناني “إن الأزمات المتلاحقة التي تعرض لها لبنان في السنوات الماضية، سواء الداخلية أو الخارجية منها، استنزفت الاقتصاد الوطني واستنزفت مناعته وأضعفت مؤسسات الدولة”.

وألقى هذا الوضع بظلاله على اللاجئين السوريين، الذين لئن لم يكن لهم أي يد في ما يقترفه نظامهم، ولا في وضعهم الحالي، فإنهم وجدوا أنفسهم يتحملون المسؤولية، وباتوا يتعرضون لمضايقات كثيرة من اللبنانيين. وتتحدث فاينانشال تايمز عن حالة حسن، الذي يعمل كموظف في بيروت، والذي فشل في تجديد تصريح إقامته في أكتوبر الماضي قائلا “ألقى مسؤول تجديد التصاريح طلبي على الأرض وقال لي إن كفالتي لم تعد صالحة للاستخدام”. ثم قال له المسؤول “داعش غادر مدينته وأن عليه العودة إلى بلده الآن”. ويعيش حسن الآن في بيروت ويعمل بطريقة غير شرعية.

وتضيف فاينانشال تايمز أن المضايقات التي تستهدف ترهيب اللاجئين في ازدياد في جميع أنحاء لبنان. ففي إحدى الحوادث، قال لاجئون سوريون في بيروت إن قوات الأمن قامت باقتحام شققهم وفتشت منازلهم وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم ثم شرع رجال الأمن يصيحون في وجوههم. وقال أحدهم “تم جمع الشبان السوريين وإذلالهم. وعندما اشتكى اللاجئون، صاح الجنود في وجوههم مطالبين إياهم بالعودة إلى سوريا”.

75 بالمئة من المواطنين الأتراك يعتقدون أن الأتراك والسوريين لا يمكن أن يعيشوا في سلام

وتغذي مواقف السياسيين هذه المشاعر، من ذلك ما أدلى به وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، مؤخرا، حين قال إن بلاده عانت كثيرا جراء اللاجئين السوريين ولا حل للأزمة “إلا بعودة النازحين”، في تأكيد على موقف بلاده الرافض لتوطين السوريين. جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره البرازيلي، الويزيو نونيس فريير، خلال زيارة الأخير لبيروت. وطالب باسيل من نظيره البرازيلي “مساندة لبنان في تغيير المفاهيم، التي تحاول اتباعها مجموعة من الدول، ممن تسعى لفرض اندماج النازحين داخل مجتمعات دول صغيرة مثل لبنان”.

ولفت الوزير اللبناني إلى أنّ “أثر فرض الاندماج والتوطين على الدول المضيفة للنازحين يؤدي إلى تغييرات سياسية دراماتيكية كبيرة على الصعيد الدولي”. وحذر من التداعيات “الخطيرة للنزوح السوري، ليس فقط على لبنان، بل (أيضا) على دول قريبة في أوروبا ومنها إلى باقي الدول”.

الترحيل القسري

تحذر جماعات حقوق الإنسان من تزايد عمليات الترحيل القسري، على خلفية انتهاء الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وسيطرة قوات النظام السوري على الأراضي التي كان يحتلها داعش، وكأن هناك تصورا بأن الصراع السوري قد انتهى تماما.

لكن الحرب السورية معقدة للغاية ولا تزال تقف بعيدة عن خط النهاية، لا سيما أن بعض المناطق السورية تشهد الآن أصعب الأيام الدموية في تاريخها؛ وهو أمر يؤكد عليه أيضا العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، الذي أشار في تصريحات إلى أن الحل السياسي للأزمة السورية يتطلب وقتا ولا يمكن الاستعجال بالتخفيف من عدد اللاجئين السوريين في الأردن، حتى وإن كان عددهم الكبير يشكل ضغطا شديدا على البنية التحتية الاقتصادية والموارد في الأردن.

ويقول الخبراء إن الضغوط المتزايدة التي تسبق أوانها من أجل عودة اللاجئين إلى ديارهم قد تتفاقم بسبب فشل الدول الأخرى في اتخاذ خطوة.  وتستضيف الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي نحو مليون سوري، ثلثاهم في ألمانيا والسويد، مقارنة بـ 5.2 مليون في تركيا والأردن ولبنان. ولكن انخفضت أعداد اللاجئين في هذه الدول الأوروبية، بناءا على رد فعل غربي وقرار الرئيس دونالد ترامب خفض الجانب الأميركي نصيبه من اللاجئين.

6