وزارات الثقافة تغيّر استراتيجياتها في زمن كورونا

وزارات الثقافة في الدول العربية تتجنّد للترفيه عن المواطنين وتجنّب الملل من الحجر المنزلي الصحي.
الخميس 2020/03/26
الفن ضدّ الملل

اختارت وزارات الثقافة في الدول العربية أن ترسم خططا ظرفية وبرامج تثقيفية مجانية ومتاحة عبر الإنترنت في محاولة للتخفيف من الضغط العصبي الذي قد ينجم عن الحجر المنزلي الصحي والذي فرضته الحكومات لمكافحة تفشي وباء كورونا.

وسارعت وزارة الثقافة الأردنية إلى استخدام صفحتها الرسمية في فايسبوك لبثّ مجموعة من المسرحيات القصيرة عن كورونا، على غرار "وصايا العم غافل" للفنان المسرحي حسين طبيسات.

وتبثّ الصفحة بعض الأغاني والقصائد الشعرية وعددا من الأعمال التشكيلية وبحوث عن تاريخ الفنّ التشكيلي في المملكة ومقالات عن الفنانين الأردنيين.

واقترحت الوزارة على متابعيها "وصفة جديدة" للمناعة ضدّ كورونا تتمثّل في اختيار كتاب وتمضية الوقت في قراءته أو ممارسة الرياضة أو الاستمتاع بالهوايات، وهي تذكر متابعيها بالـ"وصفة" في شكل فيديو يبث بشكل يومي.

وكان الأردن قد أعلن في آخر احصائية عن تسجيل 26 إصابة جديدة بفايروس كورونا، ما أدى إلى ارتفاع الحالات إلى 153 حالة بالعزل الصحي.

وتعتمد الوزارة كلمة السرّ الخاصة بها للوقاية من فايروس كورونا "التباعد الاجتماعي".. ابق في بيتك"، مشجعة بذلك العائلات على تنمية مهارات أطفالهم وحثّهم على القراءة والكتابة وممارسة هواياتهم لكن دوما "داخل حدود المنزل".

أما في مصر، التي سجلت 402 حالة إصابة بالفايروس بينهم 20 حالة وفاة، فقد اختارت وزارة ثقافتها، في إطار حملة "خليك بالبيت الثقافة بين إيديك" أن تعرض على قناتها الخاصة بموقع يوتيوب عددا من الحفلات التي كان من المقرر عرضها خلال هذه الفترة لكنها ألغيت بسبب الحجر، أو حفلات موسيقية تم عرضها في السابق.

وتقدم القناة كل ليلة حفلا خاصا لمتابعيها لمدة ساعة ونصف أو أكثر، وتراوح بين العروض الموسيقية والمسرحية والراقصة.

ولتوضيح هذه الخطوة الفنية الجديدة، قالت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبدالدايم إن مبادرة " خليك فى البيت .. الثقافة بين ايديك " تهدف إلى بث نوادر أرشيف الابداع الوطني والمعرفي التراثي والمعاصر عبر قناة وزارة الثقافة باليوتيوب وحسابات السوشيال ميديا الخاصة بها.

وفي عرض خاصّ قدمت الوزارة حفلا بتقنية الهولوغرام للمطربة أم كلثوم في محاولة لجذب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى الفن الراقي في ظلّ موجة انتشار الابتذال في الفن والموسيقى وخاصة في فترة الحجر الصحي.

الناقد السينمائي المصري أحمد عسر في تصريح لـ"العرب أونلاين" اعتبر أنّ مبادرة وزارة الثقافة المصرية خطوة جيدة لتخفيف حدة الضغط النفسي الذي يعيشه المواطن بسبب دخوله في حجر صحي اجباري لأول مرة في حياته، مما يجعل الوضع غامضا بالنسبة له.

ويقول عسر إن عروض الأعمال الثقافية وخاصة التي تخضع لمعايير الجودة الفنية هي بمثابة حلّ للترفيه عن المواطن وتثقيفه وملء وقت فراغه الطويل بمادة فنية تثنيه عن البحث في وسائل أخرى قد تكون غير نافعة لتمضية الوقت الكثير الذي يقضيه في منزله.

وأضاف أنّ الحجر الصحي صار بمثل هذه المبادرات التثقيفية فرصة للمشاهدة الجماعية وبالتالي للنقاش الجماعي أيضا في كل الأعمال الفنية التي تعرض، وهو فرصة لاكتساب معلومات أكثر ووجهات نظر مختلفة.

وانخرطت وزارة الثقافة الجزائرية في هذه المبادرات، ضمن برنامج افتراضي متكامل تحت شعار #أبقاو_في_الدار_برك، لتنقل لمتابعيها في كل ساعات اليوم عروضا موسيقية وفنية وسينمائية ومقتطفات من أعمال مسرحية تاريخية وكتبا صوتية وعددا لا يحصى من الانتاجات الثقافية المتاحة أونلاين عبر المؤسسات التابعة لها.

وفي خطوة مختلفة، أعلن المركز الوطني للسينما والسمعي البصري الجزائري عن مسابقة الأيام الافتراضية للفيلم القصير ويمكن لجمهور الفن السابع أن يتابع خلال أسبوع عددا من الأفلام القصيرة والتصويت على من سيكون الفائز من بينها.

وفي فلسطين، أين سجّلت 83 إصابة بفايروس كورونا، اختارت وزارة الثقافة أن تقدم لمتابعيها فيديوهات مختلفة يقدمها مبدعون فلسطينيون في الداخل وفي الشتات لحثّ الناس على الالتزام بتدابير الوقاية من كورونا وفي أولها عدم الخروج من المنزل.

وتحت هاشتاغ  #وطنك_صحتك_الك  تنشر الوزارة فيديوهات تكشف كيف يقضي المثقفون من كتاب وشعراء وموسيقيون ورسامون أوقاتهم في المنزل، كخطوة لتوعية الناس باتباعهم نجومهم المفضلين في المجالات الثقافية المختلفة.

وفي العراق، تحوّلت صفحة وزير الثقافة العراقي، عبدالأمير الحمداني إلى فرع من شارع المتنبي، أين ينشر منذ فترة مجموعة من الكتب والدراسات حاثا متابعيه على القراءة، تحت شعار  #القراءة_بمواجهة_كورونا.

وفي خطوة مختلفة، اختارت وزارة الثقافة السعودية أن تركّز اهتمام متابعيها على تعلّم فنّ الخط العربي، فهي تعرض لهم مجموعة فيديوهات لخطاطين من المملكة يقدمون دروسا مجانية عبر الأنترنت في الخطّ.

وتذكر الوزارة السعوديين أن البقاء في المنزل للوقاية من كورونا يمنحهم وقتا خاص لممارسات ثقافية وفنية، وهو فرصة يعيدون من خلالها اكتشاف مواهبهم وإبداعاتهم.

عاطف الحمروني: الخدمات الإتصالية لم ترتق إلى مستوى التطور التكنولوجي العالمي
عاطف الحمروني: الخدمات الإتصالية لم ترتق إلى مستوى التطور التكنولوجي العالمي

هذه المبادرات المختلفة، اعتبرها خبير المهارات الحياتية والتنمية البشرية، عاطف الحمروني في تصريح لـ"العرب أونلاين" "فكرة ممتازة، تنمّ عن وعي جديد فرضته أزمة فايروس كورونا لتغيير استراتيجيات عمل المؤسسات الثقافية الحكومية، واهتمامها بعالم السوشيل ميديا الذي يجذب جمهورا كبيرا".

وانتقد الحمروني تعاطي المؤسسات الثقافية وكذلك الاقتصادية الصغرى مع تقنيات السوشيل ميديا عبر اكتفاءها بنشر بلاغات ومقالات إن وجدت عن أعمالها، لكنها لم تبلغ بعد مرحلة التواصل الفعال مع مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والأنترنت عموما.

وأكد في تصريحه لـ"العرب أونلاين" أنّ الخدمات الاتصالية في تونس على سبيل المثال، لم ترتق إلى مستوى التطور التكنولوجي العالمي وهو ما تكشفه الأزمة الحالية، التي وضعت الحكومات والمؤسسات الثقافية الخاصة في أزمة اتصالية أكبر مفادها كيفية التمكن من تطويع التقنيات التكنولوجية ووسائل التواصل الحديث لتجاوز فترة الهلع والخوف الذي يسيطر على الذات البشرية، والسعي إلى وضع تطبيقيات خاصة بالجانب الفني والثقافي الذي يرفّه عن الإنسان".

وشدد الحمروني على أن هناك حلولا مهمة في الجانب الترفيهي يجب على الحكومات الاستثمار فيها لتجاوز الأزمات الطارئة والمفاجئة كأزمة الكورونا وبالتالي العمل على بناء مجتمعات سليمة بإمكانها أن تظل متصلة بالعالم حتى ولو أجبرت على ملازمة منازلها.

وفرض عدد من الدول العربية حجرا صحيا منزليا وحظرا للتجول إلى غاية الأسبوع الأول من شهر أبريل في محاولة للحدّ من تفشي وباء كورونا، إلا أن الحظر قد مثّل خطرا حقيقيا يهدد الثقافة ووجودها في حياة الإنسان وفتح المجال أمام عدد من مشاهير سوشيل ميديا لنشر أعمالهم التي لا ترتقي في مجملها إلى مستوى الأعمال الثقافية.