وزارة التعليم المصرية تستبدل العقاب البدني بآخر تربوي

الثلاثاء 2015/04/28
العقاب بالكتابة يدفع التلميذ نحو تربية نفسه بنفسه

العنف البدني في المدارس المصرية مثل إشكالية مزمنة تعترض وزارات التعليم المتعاقبة، وأشارت دراسات مختلفة إلى أن حوالي 30 بالمئة من طلاب المدارس في مصر اختبروا العنف البدني، إما من قبل المدرسين أو من قبل زملائهم الطلبة.

في محاولة جادة لمواجهة تفاقم ظاهرة العنف في المدارس الحكومية لجأت وزارة التربية والتعليم في مصر مؤخرا، إلى تفعيل نظام لمعاقبة التلاميذ المشاغبين يقضي بإلزامهم بأداء واجب منزلي يتضمن كتابة عبارة واحدة 300 مرة، يؤكد فيها الطالب التزامه بعدم تكرار السلوك المشاغب الذي ارتكبه.

هذا النظام يشبه إلى حد كبير ما يحدث في حلقات مسلسل “ذي سيمبسونز” الأميركي الشهير. ويقوم القرار الجديد، الذي تهدف من خلاله الوزارة تحويل العقاب البدني إلى تربوي، على أن تكون معاقبة الطالب الذي يرتكب مخالفة داخل المدرسة بأن يتم إلزامه بواجب منزلي عبارة عن جملة واحدة يؤكد فيها عدم تكرار سلوكه المخالف مجددا، مثل “لن أكذب مرة أخرى” أو “لن أصرخ مرة أخرى” أو “لن أتطاول على زميلي مرة أخرى” وهكذا، بحيث تتم كتابة كل جملة (300 مرة) في مفكرة خاصة بذلك.

كانت الوزارة قد منعت تعدي المعلمين بالضرب بشكل نهائي على الطلاب، أو الإمساك بالعصا داخل المدرسة، والاكتفاء بتطبيق مثل هذه الإجراءات. كما ألزمت أولياء الأمور بالموافقة الكتابية على لائحة العقوبات الجديدة، كشرط أساسي لقبول الابن أو البنت في المدرسة، حيث يوقع أولياء الأمور على إقرار بهذا المعنى يتضمن اسمه واسم طفله والمدرسة التي يلتحق بها ويكون ساريا طوال مدة بقاء الطالب في المدرسة.

العقاب التربوي يجعل الطالب يعاقب نفسه بنفسه، ويعلمه الطرق السليمة لتجنب التجاوزات بعيدا عن إهانته وإذلاله

وتشير دراسات قام بها باحثون في الوزارة إلى أن الواجب المنزلي الجديد يستغرق من كل طالب معاقب ما لا يقل عن 3 ساعات تضاف إلى الوقت الذي يقضيه في أداء واجباته المنزلية المعتادة، ليكون الهدف إرهاقه، حيث يلتزم بتسليمه إلى المعلم في اليوم التالي، وفي حال تخلفه يحق للمعلم أن يضاعف الواجب.

العقوبات الجديدة التي أقرتها المؤسسات التعليمية تنهي عقودا طويلة من العقاب البدني للطلاب الذين كان يتوفى بعضهم من شدة الضرب. هكذا قيّم حسن مختار شحاتة الخبير التربوي وأستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة عين شمس التجربة، وقال لـ“العرب” إن النظام الجديد مفيد، مشيرا إلى وجود حالات اعتداء داخل المدارس خلال العام الدراسي الحالي، أبرزت خطورة الوضع الذي استدعى لجوء الوزارة إلى هذا النظام الذي يمنع الضرب نهائيا.

وقال إن العقاب الفكري إجراء جيد من شأنه أن يخفض حدة العنف بنسبة كبيرة، لكنه يحتاج إلى إجراءات جديدة للأفعال التي لا يصلح معها واجب مدرسي، مثل تعدي الطالب على المعلم أو العكس.

وأشار إلى أن الوزارة تحتاج إلى إجراء حملة توعية بنظام العقوبات الجديد بين أولياء الأمور، لأنهم عندما يصبحون شركاء في تعليم أبنائهم الأسس السليمة للحياة في المدرسة والمنزل والشارع، سيكون لمصر طلاب على جانب كبير من الخلق السليم، بعيدا عن فوضى التدني الأخلاقي المنتشرة في المجتمع.

القرار الجديد يراه الخبير التربوي رضا مسعد خطوة غير مسبوقة في المؤسسات التعليمية، خاصة وأن بعض المعلمين يعتبرون أن إرهاب الطالب المخالف بالعصا هو الحل الوحيد لمنع تكرار الخطأ.

وأوضح في تصريحات لـ“العرب” أن العقاب التربوي يجعل الطالب يعاقب نفسه بنفسه، وهو وسيلة جيدة تعلم التلاميذ الطرق السليمة لتجنب الأخطاء والتجاوزات بعيدا عن إهانتهم وإذلالهم بالضرب المتكرر أمام زملائهم، بما قد يؤدي لإصابتهم بدنيّا بصورة بالغة في بعض الأحيان.

وزارة التعليم أصدرت عام 2008 قرارا بمنع التعنيف الجسدي بجميع أنواعه، لكن القرار لم يتم تفعيله بسبب ضعف الرقابة على المدارس

نادية فكري، معلمة بإحدى مدارس المرحلة الابتدائية بحي المطرية الشعبي بالقاهرة، تحفظت على النظام الجديد، لأنه كما قالت لـ“العرب” يجبر المعلم على استقطاع جزء كبير من وقته لمراجعة الواجب المدرسي الذي يعاقب به الطالب، فتصحيح 300 جملة متكررة، يمثل صعوبة على أي معلم.

مع ذلك أكدت قبولها به، إذا كان يضمن تربية الطالب على عدم استخدام العنف، أو ارتكاب أفعال لا تتناسب مع التربية داخل المؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى أنه سوف يعتاد على أن يعامل الناس معاملة حسنة، حتى في الحياة العملية عند الكبر.

ولأن موضوع العنف البدني في المدارس يمثل صداعا مزمنا أصاب وزارة التعليم، فقد أصدرت عام 2008 قرارا بمنع التعنيف الجسدي بجميع أنواعه، لكن القرار لم يتم تفعيله بسبب ضعف الرقابة على المدارس.

وسبق أن أفتى الدكتور علي جمعة عندما كان على رأس دار الإفتاء المصرية، بتحريم ضرب التلاميذ في المدارس، انطلاقا من أن الإسلام دين الرحمة، وأولى الناس بها هم الأطفال، كما أن الضرب يولد عادة السلوك العدواني لدى الطفل المعاقب.

وقال إن الأصل في الشرع حرم الإيذاء بكل صوره وأشكاله، لذلك رأى ضرورة منع ضرب التلاميذ، الذين لم يصلوا إلى سن البلوغ، أما عن تلاميذ المرحلة الثانوية فالتعامل معهم يكون من منطلق أنهم مكلَّفون بالغون، والبالغ لا يضرب إلاَّ في الحد أو التعزير، وله مواضعه المعروفة في الفقه الإسلامي، وهو أيضا من سلطة ولي الأمر ولا يكون إلا بإذنه.

كذلك يعاقب القانون المصري من يعتدي بالضرب على طفل ويحدث به إصابة بالسجن 3 سنوات، تقل إلى 6 شهور، إذا لم يحدث به إصابة، بينما تكون عقوبة التعذيب المتعمد للأطفال السجن 5 سنوات.

17