وزارة الثقافة السعودية بين الواقع والتطلعات

مثقفون وباحثون سعوديون يؤكدون أن آمالهم كبيرة في ثقافة تفتح آفاق المستقبل، والثقافة والإبداع والركض في حلباتها يتطلب المزيد من الجهد الدؤوب والمثابرة.
الجمعة 2019/03/29
المرأة مع الرجل جنبا إلى جنب لتحقيق رؤى المستقبل

استبشر السعوديون وخاصة المثقفين والمبدعين منهم بقرار إنشاء وزارة للثقافة، خاصة مع ما تزخر به السعودية من ثراء ثقافي وحضاري كبيرين، ومع مناخ الانفتاح الذي تشهده مؤخرا مدعوما برؤية سياسية مستقبلية طموحة، حيث تجاوز عقبات الماضي والتأسيس لحياة أفضل لكافة شرائح المجتمعـ وخاصة منها المرأة. ومؤخرا دشنت وزارة الثقافة نشاطها بالإصغاء إلى المثقفين وهواجسهم وآمالهم ونقدهم. “العرب” توقفت مع مجموعة من المثقفين والباحثين السعوديين للوقوف على مرئياتهم واستشرافهم للوزارة بين التطلعات والآمال.

مساء 27 من مارس، دشّنت وزارة الثقافة السعودية نشاطها، بحضور وزير الثقافة وعدد من المثقفين والدبلوماسيين ووسائل الإعلام، وذلك في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في الرياض. وتضمن حفل التدشين الإعلان عن رؤية الوزارة وتوجهاتها، ومجموعة من المبادرات التي تندرج تحتها، والقطاعات الثقافية التي ستدعمها، إضافة إلى إطلاق الموقع الرسمي لوزارة الثقافة وحساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي.

تحتوي رؤية وتوجهات الوزارة مبادرات متنوعة تغطي جميع اتجاهات النشاط الثقافي، وتشتمل على دعم كيانات وقطاعات ثقافية، بهدف تمكين كل المنتسبين للمجال الثقافي من ممارسة إبداعاتهم، وتوفير منتج ثقافي مميز يساعد على رفع مستوى جودة الحياة في جميع مناطق السعودية.

يذكر أن وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان قد التقى خلال الفترة الماضية عددا كبيرا من المثقفين السعوديين، وذلك من أجل الاستماع لآرائهم ومعرفة العقبات التي تحول دون تحقيق تطلعاتهم.

أمل في المستقبل

في أولى المداخلات يقول الروائي أحمد الدويحي “مبهج جداً أن يجد المثقف السعودي ذاته وسط هذا الحراك الثقافي المزمع استخلاص رؤيته من المثقفين، ويأتي هذا عبر سعي وزارة الثقافة إلى الوصول إلى أفضل نظام، لتطوير قطاع الثقافة بما يحقق أهدافها ضمن برامج “رؤية المملكة 2030″، ويجعل من الثقافة أسلوب حياة، ورافدا مهماً في الاقتصاد الوطني، والمثقفون هم الذين يعنون بالثقافة بالدرجة الأولى، وهم الذين ينتجون ثقافة بعيداً عن سطوة وعقلية الموظف، ويبدو أن لقاءات الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة تشكل حجر الزاوية في هذه الرؤية، لوضع استراتيجية طموحة تتناسب والرؤية الوطنية المرتجاة”.

رؤية الوزارة الجديدة تستدعي مواجهة صريحة للآلية البيروقراطية وتطويعها لخدمة التغييرات الإستراتيجية للتكيف الإيجابي مع النهضة الشاملة

ويرى الدويحي ضرورة دراسة الواقع بشمولية، والنظر إلى جملة من التوصيات التي أفرزتها مؤتمرات الأدباء السابقة، منوهاً بأن السعودية شاسعة وثرية وتحوي على ثقافات متنوعة ومغرية في كافة المجالات الأدبية والفنية والفكرية، يحسن استثمارها كافة بما يعود بالنفع على الوطن والثقافة، ومؤكداً أن ذلك لا يتم إلا بإمكانية استيعابها، ومن ثم تنظيمها، وإشراك كافة الشرائح في هذا الحراك، بداية بالمؤسسات الثقافية القائمة، ويعني الدويحي بها الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون، حيث يطالب في مداخلته بجعلها حاضنات وبيئات ثقافية جاذبة لكل الشرائح من الجنسين، وليست طاردة، والاستفادة من سلبيات المرحلة السابقة التي استنفذت، والبحث عن نظام معاصر وملائم لجعل الثقافة واقع عضوي وحراك فعلي، وليس مجرد شكل فلكلوري وأداء وظيفي.

ويتابع “إن صناعة الكتاب قد أصبحت مجالاً استثماريا، لدور النشر العربية في السوق السعودية، وحان بالضرورة قيام هيئة عامة للكتاب، والسعي إلى استخلاص تجارب من سبقونا كالكويت ومصر، وحققوا نتائج جذابة على أكثر من صعيد ثقافي لأوطانهم، والشيء بالشيء يذكر ونحن نشاهد حركة صناعة الفيلم، فلا بد أيضا من قيام هيئة عامة للسينما، تنظم هذا المجال الحيوي الهام”.

ويقول “هناك أفكار كثيرة جدا للمسرح وغيره من الشتات الثقافي، نحلم بأن يكون الواقع الثقافي مبهجاً ومغرياً، كلما نظرنا إليه بعيون مفتوحة، ووضعنا أمالنا على عجلة التنمية الثقافية المباركة”.

التكامل بين عالم الترفيه وبين الثقافة كمصدر ورافد وأساس تقوم عليه الفنون
التكامل بين عالم الترفيه وبين الثقافة كمصدر ورافد وأساس تقوم عليه الفنون

وبدوره أكد الشاعر زكي السالم على أنه منذ فجر توحيد السعودية، عام 1932، علا الاهتمام بالثقافة والمثقفين ومنحهم فرصا للنهوض بإبداعهم وتجلياتهم في محاولة لإعطاء الفكر دوره الريادي. يقول “استمر هذا العطاء متدفقًا طيلة الثمانين عامًا الماضية. ولكن وبرأيي إن الثقافة والإبداع والركض في حلباتها يتطلب المزيد والمزيد من الجهد الدؤوب والمثابرة المستمرة، والتي لا تعترف بالعقبات والمعوقات في طريقها”.

ويستشرف السالم المستقبل الثقافي بصورة متفائلة، حيث يرى أن رؤية 2030 فيها مؤشر لخير وفير سيخدم الثقافة في سبيلها للرقي، ولذا يتوجب زرع هذا المنجز والمطمح الثقافي في عقول الناشئة منذ سني تعليمهم الأولى ليدركوا أن الثقافة ضرورة حياتية لا ترهلا معيشيا، فيحيونها كائنا يبعث فيهم الشعور بالحياة، ويروّي فيهم ظمأ المعرفة بمعين الإدراك.

ويقول “لا أود أن أسهب في تفصيلات وروافد تخدم هذا الجانب المهم في حياتنا فيقيني أن بوزارة الثقافة عقولا أقدر مني على تلمس هذا الهم وفهم حاجياته لبلوغ هذا الهدف النبيل والذي قصدته وركزت عليه رؤية 2030، ولكنها رغبة ملحة من شخصي المتواضع في أن يكون لي إسهام صغير لعلي أنال شرف المشاركة في هذا الهم. ختامًا، وكشاعر من هذا البلد الطيب، أملي كبير في مستقبل زاهر حتما سيكون للثقافة قصب السبق فيه”.

الحركية والتنافس

يذهب الكاتب حسن العوامي إلى أن رؤية الوزارة الجديدة تستدعي مواجهة صريحة للآلية البيروقراطية وتطويعها لخدمة التغييرات الإستراتيجية للتكيف الإيجابي مع النهضة الاقتصادية والحضارية والاجتماعية الإنسانية. ويدلل على ذلك بالقول “تسعى الرؤية إلى تأكيد تجذّرها وانطلاقة الوطن الشاملة ضمن خارطة طريق المستقبل التي أمر بها من خلال نظرة أمل الوطن ولي العهد التقدمية لدخول دهاليز التنافس العالمي حضاريا واقتصاديا وحضاريا (رؤية 2030) الواعدة، نحتاج إلى وقفات مهمة في سبيل انطلاقة الثقافة الوطنية كقوة ناعمة مؤثرة اقتصاديا واجتماعيا وسياحيا”.

ويضع العوامي مجموعة ملاحظات يراها جديرة بالعناية حتى تحقق الوزارة تطلعاتها، وهي: الحرية في الكتابة وخلق الشجاعة الأدبية في استبصار حاجات الوطن ضمن معطيات المستقبل وتحدياته، وإشراك حقيقي فاعل لدور الشباب من الجنسين وتعويض المرأة في التعبير الأدبي عن معوقات دخول المرأة المؤثر في العقود المنصرمة.

وزارة الثقافة عليها الالتفات إلى الغنى والتنوع الثقافي للمجتمع السعودي، والذي لا شك أنه سيعمل على كسر الصورة النمطية

ويؤكد العوامي على أن جذور الفلسفة التي تشير إلى أن الأصل المادي هو أساس التصور المعنوي وقاطرة المسيرة الفكرية، وينوّه بضرورة تأسيس قانوني قوي لهيئة دعم الإنتاج الفكري الثقافي ماديا، وشراء المنتج الفكري وحمايته بموجب قانون الحماية الفكرية، وتشجيع المواهب الشابة من الجنسين بسخاء في مجالات البحوث الإنسانية والمقارنات الفكرية في ميادين الآداب والثقافة العالمية والبيئية المحلية الغنية والمتنوعة في مناطق السعودية، وتقويم علمي محايد للإصدارات والبحوث ومدى تأثيرها على الحركة الفطرية الاجتماعية في كافة مناطق ومحافظات البلاد. مع تشجيع ملموس لفنون الموسيقي والطرب والترفيه التراثية لإعطاء المجال لها في المنافسات والتلاقح مع ثقافات شعوب العالم المختلفة.

ويقول “بلادنا تتمتع بحق بتراث إنساني وترفيهي زاخر، يرتقي بجماله درجات الإبهار للشعوب والمجتمعات في الشرق والغرب، وإن السعودية تملك من الإمكانات والموارد بحيث تجيّر طاقات شبابها وفتياتها لتطوير التراث وجوهره لخدمة المسار الحضاري الموعود بقوة واقتدار. إن أمر الثقافة وروافدها يحتاج إلى رافعة الهمة السياسية والقدرة الاقتصادية في دخول غابة التنافس في عصر تسارع فتح أبواب المخترعات وظهور أجيال متلاحقة في حقول العلم والمعرفة، أما عطاء الماضي الإنساني السحيق الذي أورث أرض الوطن بالآثار المدهشة فإنه قاعدة لا تقدر بثمن في هذا العصر، فكنوز الماضي وما خلفته الحضارات البائدة في سطح أرض البلاد وما دفنته رمال الصحراء فهي قاعدة صلبة لانطلاقة سياحية مدهشة. ميدان الثقافة مرتبط ارتباطا مباشرا بالتراث والآثار والتاريخ السياسي والبيئي الطبيعي في مناطق السعودية كافة، والأمل كبير في توربينات الدفع السياسي والاقتصادي في مسيرة الوطن وأعني بها رؤية 2030″.

ومن جانبها توضح الباحثة المتخصصة في علم اجتماع المعرفة والثقافة الشاعرة رباب إسماعيل أن السعودية في مرحلة تاريخية على جميع المستويات المجتمعية خاصة الثقافيّة والمعرفية، وفي رأيها إن تدشين وزارة للثقافة في هذه اللحظة الفاصلة بالذات هو على درجة كبيرة من الأهمية تفوق أي وقت آخر.

ثقافات متنوعة ومغرية في كافة المجالات الأدبية والفنية والفكرية
ثقافات متنوعة ومغرية في كافة المجالات الأدبية والفنية والفكرية

تقول “ما يحدث اليوم من تغيّر اجتماعي، هو أكثر ما يتعلّق بالثقافة والبنية المعرفيّة وفي هذا الحال من المتوقع من الوزارة أن تقوم بالدراسات اللازمة لاحتواء هذه التغيرات وتوجيهها بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030، وذلك من خلال جعل هذا الانفتاح والتطور يسير بالاتجاه المرسوم له، وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة جوهرية، وهي ضرورة التكامل في الجهود بين عالم الترفيه الذي حظي بجهود عظيمة مؤخرا وبين الثقافة كمصدر ورافد وأساس تقوم عليه الفنون كوسيلة وأداة للترفيه بمعناه العميق والوازن كما يليق بالمملكة العربية السعودية”.

وتضيف “نحن نجد بوادر تحقق الأهداف اليوم بشكل فعلي، وفي هذا الإطار نتوقع من وزارة الثقافة الالتفات للغنى والتنوع الثقافي للمجتمع السعودي، والذي لا شك أنه سيعمل على كسر الصورة النمطية التي حُبس داخلها الفرد السعودي مطولا سواء في نظرته حول ذاته أو نظرة الآخر له، والأهم من كل ذلك هو تعزيز الروح الوطنية التي سيجدها السعودي في ذاته كلما تمّ تمكينه من العطاء”.

وبشكل إيجابي ترى الشاعرة رقية الفريد أن إنشاء وزارة الثقافة يخدم الفرد السعودي وطاقاته ويبرزها، وتجد أن هذا الوقت هو أنسب الأوقات حتى وإن كان بعد كل هذه الفترة الزمنية من الركود القاسي على المثقف المُعطي، الذي عاش -حسب رأيها- في عزلة، والذي كوّن نفسه فيها، صار أكثر تشبعاً ولديه مخزون هائل لبدء انطلاقة لن يُكتب لها التراجع.

تقول الفريد “رغم أننا في مرحلة تسابق زمني، إلا أن المملكة كانت حاضرة لهذا السباق. وبما أننا نعيش هذا التعدد فنحن نتشارك الكثير مع الدول ثقافيا، خصوصا بعد افتتاح مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) ليكون منصة هائلة ونقطة اجتماع للرواد بأطيافهم وفئاتهم كافة بهذا المجتمع الثقافي الكبير، وما يندرج تحت مسمى الثقافة سواءً في المجالات الفنية أو الأدبية. الثقافة ستكون في حركة دائمة، لذلك لن يهدأ عمل الوزارة الفاعل وسيلقى امتدادا ملحوظا وجاذبا لشخوص لهم حضورهم عربيًا وعالميًا. وفي عمق هذا التعدد، وبنظرة أكثر وعي بعد تدشين وزارة الثقافة، سنتمكن من الإفصاح عن موروثنا الثقافي المتنوع″.

15