وزير التربية: لابد من ثورة ثقافية في المدارس التونسية

راهنت تونس، منذ استقلالها، على التعليم كمبدأ لتطور المجتمع ودافع لتحقيق ازدهار اقتصادي وثقافي تتوارثه الأجيال في كل مرحلة من مراحل بناء الدولة الحديثة، لكن وبعد أن وصل التعليم في تونس إلى مرحلة نموذجية مقارنة بالتجارب العربية والأفريقية، وحتى على مستوى دولي، شهد في السنوات الأخيرة تراجعا، ووصل الأمر إلى حد وصف وزير التربية والتعليم التونسي ناجي جلول، الوضع بـ”الكارثي”، محللا في حوار مع “العرب”، أسباب هذا الوضع، وسبل تجاوزه، ليستعيد التعليم دوره كرافد من ورافد بناء الفكر الحداثي ضمن مشروع حضاري مقاوم للمشاريع الظلامية، وهو الذي يؤمن بأن “إصلاح المنظومة التربوية سبيلنا إلى إنقاذ تونس”.
الثلاثاء 2016/11/15
مرحلة إصلاح جديدة لأجيال تونس الجديدة

تونس – منذ أن تم تعيينه وزيرا للتربية في حكومة الحبيب الصيد، في فبراير 2015، ليستمر في منصبه في حكومة يوسف الشاهد الحالية، اختار ناجي جلول، السير في طريق وعرة أدخلته في صراعات كبيرة مع ممثلي قطاع التعليم في تونس، وبعض الأولياء، نظرا للقرارات التي جاء بها وأصر على تطبيقها، في طريق تحسين هذا القطاع الحيوي.

باعتراف الخبراء والمراقبين والمعنيين بالشأن التعليمي، شهد قطاع التعليم في تونس، بالأساس في مراحله الثلاث الرئيسية، الابتدائية والإعدادية والثانوية، تراجعا كبيرا، بما يؤثر سلبا على مستقبل البلاد ككل، باعتبار أن المراحل الأولى من الدراسة هي الأساس لتكوين الأجيال الناشئة التي ستقود البلاد.

ويعود هذا التراجع، إلى ما قبل أحداث 14 يناير 2011، لكنه تضاعف خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، منذ سقوط النظام، وما أعقبه من تعدد في الحكومات والوزراء، بما جعل هذا القطاع متذبذبا شأنه شأن بقية القطاعات، يأخذ طابع كل حكومة تشكل وكل وزير يتم تعيينه في وزارة التربية.

ومنذ تعيين ناجي جلول، عالم وخبير في التاريخ الإسلامي في جامعة منوبة ومتخصص في الحركات الإسلامية، تلقى دراسته الأولى في تونس ثم أكمل دراسته العليا في جامعة السوربون بباريس، بدا واضحا الخط الذي تبناه، والذي ينقسم إلى جزأين؛ إعادة الجودة لقطاع التعليم التونسي ومحاربة الأفكار المتشددة التي بدأت تتسلل عبر المدارس.

وتجلى هذا الخط التقدمي في تطوير التعليم من خلال أول القرارات التي اتخذها بمنع ارتداء النقاب في المؤسسات التربية، مع التشديد على تنفيذ القرار، إلى درجة إيقاف معلمات وموظفات في هذه المؤسسات أصررن على خرق القانون.

قطاع التعليم في تونس بحاجة إلى مواكبة التطورات التي شهدها العالم في المجال الرقمي، والثورة الرقمية هي تطور طبيعي لثورات الحداثة في العالم منذ الثورة الزراعية

توالت بعد ذلك القرارات والتصريحات التي تصب في صالح تنقية التعليم من كل وسائل الأدلجة والتأثير، إلى حد إدلاء الوزير ناجي جلول بتصريح جديد أثار الكثير من الجدل، من بعض الجهات الرافضة لهذا التوجه، فيما استقبلته باستحسان نسبة هامة من التونسيين.

تعلقت تصريحات الوزير الأخيرة، محل الجدل، بمقترح تقليص ساعات تدريس المواد العلمية للتلاميذ على غرار الرياضيات والفيزياء والعلوم مقابل إفساح المجال والوقت أكثر لمواد ترفيهية أخرى كالرقص والموسيقى والرياضة بهدف خلق “طفل سعيد ومتوازن”.

جاءت تصريحات ناجي جلول، خلال حديثه، في أحد البرامج التلفزيونية، عن رؤيته لـ”فلسفة الإصلاح التربوي” ويأتي من ضمن مقترحاتها تقليص ساعات تدريس المواد العلمية للتلاميذ على غرار الرياضيات والفيزياء والعلوم مقابل إفساح المجال والوقت أكثر لمواد ترفيهية أخرى كالرقص والموسيقى والرياضة بهدف خلق “طفل سعيد ومتوازن”.

ووجه نشطاء التواصل الاجتماعي، ومعلمون ونقابيون، والبعض من أولياء التلاميذ، انتقادات لاذعة للوزير بسبب ما اعتبروه “تمييعا” للتدريس، فيما رحب آخرون بالفكرة، خاصة وأن الدراسات أثبتت أن التلاميذ والطلبة من دارسي العلوم الصحيحة هم الأكثر عرضة للأدلجة والاستقطاب من قبل الجماعات المتشددة من دارسي الأدب والفنون.

ويؤكد جلول في حوار مع “العرب”، بخصوص هذا الجدل، ضرورة إعادة هيكلة التعليم لتكوين إنسان متوازن وسعيد يحب الحياة، وهو ما “يستجوبه توفير فضاء مدرسي لائق وتحفيز الأنشطة الثقافية في المدارس، كما كنت صرحت بضرورة توفير ساعات أكثر للرقص والموسيقى التي انتقدت ووصفها البعض بالمستفزة، دون إدراك لقيمة الثقافة في معالجة مثل هذه الظواهر الخطرة على المجتمعات، كالإرهاب”.

ويضيف أن “أميركا اكتشفت منذ سنة 1972 أن طلبة الهندسة هم حاملو الفكر اليميني والمتطرف، ورأت أن معالجة التعصب تبدأ بإثراء المساحة الثقافية في المدارس والجامعات”، لذلك يؤمن ناجي جلول بأن التعليم هو السلاح الأمثل ضد التطرف.

الوزير يشير إلى معضلة الدروس الخصوصية التي يعتبرها كثيرون السبب الرئيسي في تدهور مستوى التعليم وتراجع مهنية المدرسين

التعليم.. المستقبل

يؤكد ناجي جلول مراهنته على التعليم للخروج بتونس من أزمتها، فهو سبيل النمو ومقياس لتقدم الشعوب، لذلك يحمل مشروع إصلاح التعليم في تونس فائق الأهمية واختار هيكلته من خلال اعتماد منظومة تقييمية وهي أول منظومة يتم إدراجها في بلدان العالم الثالث.

ويقول ناجي جلول “نسبة الأمية في تونس تبلغ حوالي 18.9 بالمئة، لذلك قمنا بإدراج منظومة تقييم تونسية وهي أول مرة تقوم دولة من العالم الثالث بذلك”.

وخلال عملية تقييم أطلقتها الوزارة، توصلت إلى أن هناك نقاط ضعف عديدة في المنظومة التعليمية في تونس تجعلها لا تواكب المنظومة العالمية، فترتيب تونس العالمي 59 على 64.

ويكشف التقييم أن تونس متأخرة بثلاث سنوات في مستوى تحصين التلميذ، مقارنة بالمقاييس العالمية، كما أن معدل أيام الدراسة يعتبر أضعف معدل في العالم، فيما تم تسجيل أكثر من مئة ألف تلميذ منقطع عن الدراسة جزء كبير منهم ينقطع منذ مرحلة التعليم الأولى.

ويرجع ناجي جلول تراجع التعليم إلى عدة أسباب، منها البنية التحتية غير اللائقة، فعدد كبير من مؤسسات التدريس غير مجهزة، وبعضها، في المنطاق الداخلية، لا يصلح للتدريس أصلا، فيما تبعد المدارس في بعض القرى مسافات تتجاوز خمسة كيلومترات أحيانا.

وجزء هام في المدارس بالريف التونسي مازال يعتمد نظام الفرق أي تجميع السنة الأولى والثانية ابتدائي في نفس الفصل، وهذا أحد أسباب انقطاع التلاميذ عن الدراسة، وترهق مثل هذه الأوضاع التلاميذ والمعلمين.

ويتوقف الوزير عند معضلة البطالة التي حاولت الدولة إيجاد حلول لها على حساب قطاع التعليم، حيث تم انتداب خريجي جامعات لم يقع تكوينهم للتدريس، وأيضا لتواجد منظومة مديرين غير جيدين لم يخضعوا للتكوين، وأغلبهم يكون قد شغل منصب مدرس لسنوات، وفجأة تم تحويله للقيام بهذه المهمة الإدراية التسييرية بالأساس.

وأضاف جلول أن أول محطة تقييمية يخضع لها التلميذ هي في سنة الباكالوريا، أي السنة التي سيدخل التلميذ بعد اجتيازها الجامعة.

ناجي جلول: علينا أن نتخلى عن الشعور بأن الحداثة ضدنا وضد الثقافة الإسلامية

خطوات الإصلاح

يفصح ناجي جلول عن رؤيته الإصلاحية للتعليم بقوله “لم نرد أن تكون رؤيتنا الإصلاحية فقط لوزارة التربية بل أردناها لكل المجتمع التونسي، لذلك نظمنا حوارا وطنيا لمشاركة الجميع في هذا المسار الإصلاحي. ومخرجات الحوار توصلت إلى تكوين قيادة للإصلاح تضم وزارة التربية والاتحاد العام التونسي للشغل تحت إشراف اللجان المختصة”.

وتعد أولى الخطوات الإصلاحية وفق وزير التربية تغيير الزمن المدرسي وإلغاء نظام الفرق. كما أشار الوزير في حديثه عن هذه الإصلاحات، إلى معضلة الدروس الخصوصية التي يعتبرها كثيرون السبب الرئيسي في تدهور مستوى التعليم وتراجع مهنية المدرسين.

واشار إلى أن هذا العام شهد عودة ظاهرة الدروس الخصوصية وتم فرض 13عقوبة إلى حد الآن، فيما تم خلال السنة الماضية فرض حوالي مئة عقوبة، مبينا أان المسؤولية الكبرى يتحملها الولي لأن الدروس الخصوصية ترهق التلميذ، علما وأن البرامح بطبعها ثقيلة وستعمل الوزارة على تخفيفها وتعويضها بالانشطة الرياضية والثقافية. ويقول جلول “حاولنا توفير نظام يحد من الدروس الخصوصية، كما عممنا السنة التحضيرية ومجانيتها وإجباريتها وغيرنا نظام التقييم، وسنقوم آخر السنة بامتحان وطني موحد لتقييم مستوى المدارس الابتدائية”.

وتم في ذات السياق إطلاق المدرسة الرقمية وهي تجد صدى كبيرا. ويعتبر ناجي جلول أن “المدرسة الرقمية هي مثل الثورة الزراعية أي أنها ثورة الحداثة”، مشيرا إلى أن تونس في حاجة إلى مواكبة التطورات التي شهدها العالم في المجال الرقمي.

لم ينف وزير التربية والتعليم تعرض مشروع إصلاح التعليم إلى التجاذبات السياسية. ويرى أن لجنة القيادة فيها حساسيات سياسية بين إسلامية ويسارية، غير أنه يؤكد أن “ملف إصلاح التعليم هو مشروع حضاري وملف اجتماعي ونتعامل معه وفق هذا المبدأ”.

يؤكد ناجي جلول أن التعليم رائد في تونس منذ الاستقلال وبإمكان تونس استرجاع ريادتها في هذا القطاع لأنها تتمتع بكل الإمكانيات وذلك بإنشاء مدرسة بخصوصية تونسية، فاللجنة الأممية صنفت تونس من بين 11 بلدا رائدة في الإصلاح التربوي جسدتها عودة الجامعات التونسية بعد سنتين من الإصلاح إلى التصنيف العالمي، وأيضا تسجيل مؤشرات إيجابية في تحسن مستوى الباكالوريا، وتحسن المناخ الـداخلي كذلك بفـضل الإطار التـربوي المتميز.

ويعتبر ناجي جلول أن “إعادة فتح مدارس تكوين المعلمين من أهم إنجازات وزارة التربية، فالتونسي يحب التعليم ويضحي لأجله ولنا تقاليد في هذا المجال”.

ويؤكّد أن “الوزارة انتهت من مرحلة النظرية ومرحلة التوجهات وهي مقبلة على مرحلة تنفيذ الإجراءات التي ستكون عنوان السنة القادمة، ونطمح في ظرف الخمس سنوات القادمة، إلى أن تكون تونس مصنفة من بين البلدان الخمسين الأوائل في ميدان التربية والتعليم الجامعي”.

ونوه ناجي جلول بمؤتمر الاسيسكو، الذي انعقد في تونس بإشراف وزارة التربية والتعليم، والذي اعتمدت المنظمة الدولية على إثره وثيقة الإصلاح التونسي كوثيقة رسمية، وهي شهادة عالمية بجودة التعليم التونسي.

تصريحاتي بضرورة توفير ساعات أكثر للرقص والموسيقى انتقدت ووصفها البعض بالمستفزة دون إدراك لقيمة الثقافة في معالجة مثل هذه الظواهر الخطرة على المجتمعات كالإرهاب

التربية الإسلامية

في ما يتعلق بمادة التربية الإسلامية والجدل الذي أثارته تصريحاته بخصوص رؤيته التقدمية لها، يوضح ناجي جلول أن هذه المادة التي تربت عليها أجيال ضرورية في تكوين الطفل وإعطائه شحنة روحية.

وأشار إلى أن “المحتوى التقدمي المطروح لا يتعارض مع الإطار الإسلامي، فتراثنا تقدمي والتصوف التونسي تقدمي والفقه التونسي تقدمي والإسلام في تونس مرتبط جزء منه بمفهوم الأنسنة التي تعنى بالإنسان وبمركزية الإنسانية، لذلك أعتبر الفقه الإسلامي فقها تقدميا”.

وأضاف أن “تونس تنتمي إلى العائلة الإسلامية وقدرنا مشترك، وهذا ما وهبه التاريخ والجغرافيا، وأنا كأستاذ تاريخ أرى أن التراث والتاريخ يحملان أشياء جميلة يجب أن نتوارثها، لكن أيضا هناك بعض السلبيات والخصوصيات التاريخية، التي لا يمكن تعميمها في كل زمان ومكان”.

وعن أسباب التحاق الشباب التونسي من أصحاب الشهادات العلمية ببؤر الإرهاب، يشير ناجي جلول إلى أنه لا يجب اعتبار الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية هي الأسباب الرئيسية للظاهرة، فمن أسباب الإرهاب الهامة ضعف الجانب الثقافي، وفشل المنظومة التربوية.

ويضيف وزير التربية والتعليم أن “الإرهاب ليس له دين وأسميت هذه الظاهرة بالديانة المادية لفاقدي الروحانيات، لذلك سأسعى لإعادة التربية الإسلامية بمفهومها التقدمي”.

ويرى أن إقدام الشباب التونسي على الالتحاق بالمنظمات المتطرفة إنما هو بسبب مشكلات التكوين، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة نتاج لركود في الثقافة الإسلامية، لذلك يجب تجديد الثقافة الإسلامية كسبيل لمحاربتها، وذلك باعتماد شعار التعليم بالتعليم.

وشدّد جلول بقوله “يجب أن نتخلى عن الشعور بأن الحداثة ضدنا وضد الثقافة الإسلامية، ونتخلى عن التمسك بثقافة لا تنفتح إلا على الماضي، فالتاريخ لا يعيد نفسه، ويجب أن نربي أجيالا تقدم حلولا راهنة عندما تواجه أزمة ما، لا أن تبحث في تاريخ الأجداد عن حل لأزمة معاصرة”.

رغم صعوبة المرحلة لا يخفي ناجي جلول، في حواره مع “العرب”، حماسه وتفاؤله بتخطي العراقيل بكل نجاح، ويرى أنه من الطبيعي أن يثار كل هذا الجدل، وأمر صحي أن تفشل مشاريع فيما تنجح أخرى، مشيرا إلى أن “خطاب النخب السياسية المبالغ فيه عن إفلاس الدولة التونسية غير صحيح”، بل إن “الدولة في طور العودة”، وهو “واثق من تجاوز هذه المرحلة بنجاح”.

ويقدم ناجي جلول دليلا على إمكانية النجاح، تمثل أساسا في التحديات التي واجهتها تونس خلال السنوات الأولى من استقلالها لتطوير التعليم، ويضيف، مشيرا إلى صورة الحبيب بورقيبة المعلقة في مكتبه، أنه محظوظ لكونه درس البورقيبية وعايش فترتها وتمتع بالاهتمام الذي كانت الدولة توليه للتعليم، باعتباره أساس العمران البشري.

صحافية من تونس

17