وزير الخارجية التونسي لـ"العرب": نسعى لخارطة طريق لتسوية الأزمة الليبية

الجمعة 2014/07/11
الحامدي: تونس تُدرك جيدا أن تداعيات ما يجري في ليبيا ستكون كبيرة جدا عليها

تونس - أكّد وزير الخارجية التونسي، المنجي الحامدي، أن لا مستقبل لتونس على ضوء الاضطرابات وعدم الاستقرار في ليبيا، لذلك كثّفت بلاده من التحركات السياسية والديبلوماسية على أكثر من صعيد بحثا عن حل للأزمة الليبية.

قال وزير الخارجية التونسي، المنجي الحامدي، إن بلاده تسعى إلى تسوية سياسية وسلمية للأزمة التي تعصف منذ مدة بليبيا، وذلك من خلال التوصل إلى خارطة طريق تُبعد شبح التدخل العسكري “المرفوض قطعا”.

واعتبر أن إعلان “داعش” دولة “الخلافة” فرض تحديا جديدا في المنطقة العربية التي تُعاني من الإرهاب الذي لم يعد معركة وطنية وإنما إقليمية ودولية.

وأوضح الحامدي في حديث مع “العرب”، أن بلاده شرعت منذ فترة في إجراء سلسلة من التحركات السياسية والديبلوماسية على أكثر من صعيد بحثا عن حل للأزمة الليبية التي “نتعامل معها في تونس على أساس أنها مشكلة داخلية تونسية”.

وبحسب الحامدي، فإن تونس تُدرك جيدا أن تداعيات ما يجري في ليبيا ستكون كبيرة جدا عليها على الأصعدة الأمنية والاقتصادية والسياسية،”لأننا نعتقد أنه لا مستقبل لتونس على ضوء الاضطرابات وعدم الاستقرار في ليبيا”.


حوار وطني


وشدد في حديثه مع “العرب”، على أن “أمن ليبيا واستقرارها هما من أمن تونس واستقرارها، والعكس صحيح، لذلك كثفنا من جهودنا الديبلوماسية، ومن التنسيق والتشاور مع الدول التي يهمها الشأن الليبي بحثا عن السبل الكفيلة بمساعدة الإخوة في ليبيا على بدء حوار وطني ليبي-ليبي في ليبيا للوصول إلى حل سلمي للأزمة الليبية”.

وقال إن اجتماع وزراء خارجية دول الجوار الليبي الذي ستبدأ أعماله بعد غد الأحد في مدينة الحمامات التونسية، يندرج في إطار هذه الجهود التي “لا تستهدف أبدا التدخل في الشأن الداخلي الليبي، بقدر ما تسعى إلى مساعدة الأخوة في ليبيا على الخروج من الأزمة،وبالتالي استعادة أمن واستقرار بلادهم والحفاظ على وحدتها الترابية”.

يجب أن تكون علاقات تونس مع القاهرة جيدة ووطيدة تقوم على التنسيق والتشاور لأن التحديات مشتركة على الصعيدين الاقتصادي والأمني

وأضاف «سيُخصص الاجتماع لاستعراض التطورات الراهنة بليبيا وتبادل وجهات النظر حول سبل وأوجه الدعم التي يمكن أن تقدمها دول الجوار لكل الجهود والمبادرات الليبية من أجل إرساء حوار وطني ليبي، واستكمال تحقيق العدالة الانتقالية، وتعزيز مؤسسات الدولة ومسار الانتقال الديموقراطي في ليبيا في كنف الأمن والاستقرار».

وسيحضر هذا الاجتماع وزراء خارجية كل الدول المجاورة لليبيا، أي تونس ومصر والجزائر وتشاد والنيجر والسودان، بالإضافة إلى نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية، وناصر القدوة، المبعوث العربي لليبيا، ومفوض السلم بالاتحاد الأفريقي.

يتضمن جدول أعمال هذا الاجتماع، الذي يتواصل على مدى يومين، بحث سبل إطلاق حوار ليبي-ليبي في ليبيا وزيادة التشاور والتنسيق وبحث القضايا الأمنية المشتركة بين هذه الدول.

وأعرب رئيس الديبلوماسية التونسية عن أمله في أن يخلص هذا الاجتماع إلى “توصيات أو خارطة طريق واضحة لإعانة الليبيين، وذلك من منطلق عدم التدخل في الشأن الليبي تمهيدا للتوصل إلى حل سياسي لهذه الأزمة”.

وتعيش ليبيا بعد نحو ثلاث سنوات من الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، على وقع حالة فوضى أمنية وسياسية عارمة عمّقت قلق وانشغال دول الجوار، خاصة على ضوء الانتشار الكثيف للسلاح، وتزايد التنظيمات الإرهابية التي باتت تُهدد وحدة ليبيا والأمن والاستقرار في المنطقة.

الوضع في ليبيا يثير قلق دول الجوار حول خطر الإرهاب


خطر الإرهاب


وأقر الحامدي، في حديثه لـ”العرب”، بأن الاضطرابات الأمنية على حدود تونس الغربية والجنوبية، بالإضافة إلى الضغط المتزايد الذي تشكله ليبيا، دفعت الديبلوماسية التونسية إلى التحرك على أكثر من واجهة لاحتواء تداعيات هذا الوضع غير المريح، وذلك من خلال دفع المجتمع الدولي ودول الجوار الليبي إلى إيلاء هذه الأزمة الأهمية التي تستحقها.

ووصف في هذا السياق الأزمة الليبية بأنها “معقدة وهي ليست سياسية فقط وإنما أمنية بالنظر إلى انتشار التنظيمات الإرهابية التي أصبح خطرها يشمل المنطقة بأسرها، مُعربا في نفس الوقت عن أسفه لعدم تفعيل الآليات العربية والأفريقية اللازمة التي تستدعيها خطورة المرحلة.

لكنه رفض في المقابل أي تدخل عسكري مهما كان مأتاه عربي أو أفريقي في ليبيا لضبط الأمن والإستقرار، وقال إن ذلك أمرا مرفوضا و”المطلوب هو مساعدة الإخوة في ليبيا على إطلاق حوار وطني يمهد لإيجاد تسوية سياسية للأزمة”.

وشدد في هذا الصدد على ضرورة تفعيل آليات خطة طرابلس لعام 2012 ، وإعلان الرباط لعام 2013 بشأن التشاور الاستراتيجي والعمل المشترك في مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الحدودي بين دول منطقة الساحل والصحراء الأفريقي،”لاحتواء هذه الظاهرة أو على الأقل لتعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية للحد من العمليات الإرهابية المتوقعة”، على حد تعبيره.


تمدد تنظيم "داعش"


ولم يُخف وزير الخارجية التونسي خشيته من تنامي ظاهرة الإرهاب،حيث اعتبر في حديثه لـ”العرب” أن المعركة الوطنية الواحدة ضد الإرهاب “أصبحت اليوم معركة إقليمية ودولية، ولا يمكن معالجة هذه الظاهرة إلا على أساس القواسم المشتركة بين كل دول المنطقة”.

وقال” باعتقادي أن المعركة ضد الإرهاب انتقلت من المستوى الوطني إلى الصعيد الإقليمي لتصبح دولية، ذلك أن الإرهاب لا حدود له”، مُحذرا في هذا الصدد من تمدد تنظيم “داعش” وانعكاسات ذلك على التوازنات السياسية والمعادلات الجغرافية في المنطقة.

واعتبر أن بروز “داعش” وإعلان “دولة الخلافة” يُعد أمرا جديدا لم يكن متوقعا، كما أن الدول العربية لم تكن مستعدة لمثل هذا التطور، ما “يستوجب التشاور والتنسيق مع الدول المعنية”.

وأعرب عن اعتقاده بأنه “إذا لم يتم معالجة المشكلة في العراق و لم يتمكن العراقيون من التوصل لحل سياسي وسلمي لأزمتهم، فإن تداعيات هذه الأزمة ستتجاوز الجغرافيا العراقية، وهذا أمر وارد واحتمال قائم”، على حد قوله.

لكنه استدرك قائلا” في الوقت الحاضر سيبقى تأثير “داعش” في حدود العراق وسوريا، ومع ذلك لا بد أن تتضافر الجهود العربية والدولية لمعالجة هذه الأزمة العويصة والقادرة على قلب الموازين في المنطقة والإخلال بالحسابات السياسية والمعادلات الجغرافية في العالم العربي”.

المعركة الوطنية الواحدة ضد الإرهاب أصبحت اليوم معركة إقليمية ودولية


تقصير الدبلوماسية التونسية


من جهة أخرى، اعترف وزير الخارجية التونسي بأن الديبلوماسية التونسية قصرت خلال فترة حكومة الترويكا برئاسة حركة النهضة الإسلامية، حيث قال “لقد قصرنا في السابق في تطوير علاقاتنا مع الأخوة في دول الخليج، وخاصة دولة الإمارات العربية.

وأكد أنه منذ أن تولى حقيبة الخارجية عمل على بناء علاقات متينة مع الإمارات “التي يجب أن تكون علاقاتنا بها على أعلى مستوى من التطور خاصة وأنها ساعدت تونس في السابق وهي تساعدها في الوقت الحاضر”.

وتابع أن “تونس دولة صغيرة، ويتعين أن تكون علاقاتها جيدة مع كل الدول لأن التطورات والظروف الإقليمية تتسم بأزمات عميقة وبالتوتر وتداعياتها قد تشكل البلاد،”لذلك لابد من التأكيد على ضرورة أن تكون علاقاتنا متميزة مع كافة الدول العربية في إطار الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وبعيدا عن التدخل في الشأن الداخلي، وهذا أمر ضروري”.

وتوقف في هذا الإطار أمام علاقات تونس بمصر، خاصة وأن وزير الخارجية المصري سيزور تونس للمشاركة في اجتماع دول الجوار الليبي، وقال في حديثه لـ”العرب” إن “المصلحة الوطنية “تقتضي التعامل مع الدول الإقليمية وخاصة مصر بحكم ثقلها ووزنها الكبير على الصعيدين العربي والأفريقي”.

ترأس الحامدي (55عاما) حقيبة وزارة الخارجية في حكومة مهدي جمعة، التي تشكلت في 28 يناير الماضي في أعقاب خروج حركة النهضة الإسلامية من الحكم، وسبق له أن تولى عدة وظائف عديدة داخل الأمم المتحدة، شملت مجالات التحليل والإدارة والشؤون الاقتصادية والسياسة العامة

وأضاف “بقطع النظر عن الخيارات السياسية بين تونس ومصر، يجب أن تكون علاقات تونس مع القاهرة جيدة ووطيدة تقوم على التنسيق والتشاور لأن التحديات مشتركة على الصعيدين الاقتصادي والأمني”.

وشهدت العلاقات التونسية مع الإمارات العربية نوعا من التوتر خلال فترة حكم الترويكا، حيث سحبت أبو ظبي سفيرها من تونس. كما عرفت العلاقات التونسية-المصرية هي الأخرى توترا مماثلا بسبب تصريحات للرئيس التونسي المؤقت، مازالت تداعياتها مستمرة رغم الجهود المبذولة لتخليصها من الشوائب التي عكرت صفوها.

أما بالنسبة إلى علاقات بلاده مع سوريا، فقد أكد المنجي الحامدي أن تونس قامت بفتح مكتب إداري في العاصمة السورية بهدف تقديم الخدمات الضرورية للجالية التونسية المقيمة في سوريا.

وشدد على أن فتح هذا المكتب يُعد من واجب الدولة التونسية التي يتعين عليها تقديم الخدمات لجاليتها والدفاع عن مصالحها، ولكن ذلك “لا يعني إعادة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، فهذا أمر غير وارد في الوقت الحاضر”.

وكان الرئيس التونسي المؤقت منصف المرزوقي قد أعلن في 4 فبراير 2012 عن طرد السفير السوري لدى تونس،كما استضافت تونس اجتماعات لقوى المعارضة السورية وأول اجتماع دولي لما سمي حينها مجموعة أصدقاء سوريا الذي عقد في الرابع والعشرين من فبراير من العام 2012.

12