وزير الخارجية المصري: الطريقة الوحيدة لبناء مصر هي تولي الوطنيين زمام الأمور

الاثنين 2013/11/04
أزعجنا القرار الذي اتخذته واشنطن فيما يتعلق بتأجيل جزء من المساعدات العسكرية

القاهرة ـ لم يخف نبيل فهمي وزير الخارجية المصري في حوار أجرته معه وكالة "رويترز" الإخبارية أمس، أن العلاقات المصرية – الأميركية تشهد اضطرابا سياسيا في الفترة الأخيرة خاصة بعد تلميح واشنطن لإمكانية قطع المعونات العسكرية عن مصر. تصريحات فهمي جاءت استباقية لزيارة نظيره الأميركي جون كيري إلى القاهرة والتي التقى فيها إلى جانب فهمي، بالمستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية، ووزير الدفاع المصري الفريق أول عبدالفتاح السيسي. و فيما يلي نص الحوار:


*ماذا عن الرسالة التي سيأتي بها كيري؟


لا أعلم ما الرسالة التي سيأتي بها، لكن الرسالة التي سأنقلها وسينقلها الرئيس حين يراه هي أن علاقة العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر مهمة جدا، وهي أعمق من قضية مد المساعدات أو وقفها، حيث ينبغي النظر إليها كعلاقة استراتيجية لا تكتيكية. ومن جهتنا سنعمل بهذا الأسلوب البناء لتطويرها ولكن ما من شك أننا سنلبي احتياجات أمننا القومي من أي مصدر نراه.


*هل ذكرتم أن العلاقات المصرية الأميركية تمر بحالة اضطراب؟


إذا نظرتم إليها فهناك الكثير من علامات الاستفهام، العالم العربي تغير على وجه الخصوص، وهناك الكثير من المتغيرات لم تكن موجودة في الماضي، وكان العالم بما فيه الولايات المتحدة معتادا عليها. معايير كثيرة تغيرت، الآن التعامل يتم مع الشعب العربي وليس الحكومات العربية فحسب. هذا يتطلب التعامل مع السياسة قصيرة الأجل والسياسة الشعبية وليس فقط السياسة الاستراتيجية. وبالتالي فإن أي شيء يبدو كيلا بمكيالين أو عدم اتساق في السياسة يبرز بقوة ويصبح عاملا في تحديد رد فعل الجماهير.

مصر البلد الوحيد والشعب الوحيد الذي أعلن موعد الثورتين ومكان الثورتين ونية الثورتين

لدينا اضطرابات في سوريا وهناك تساؤلات عن العلاقات الغربية والعربية والخليجية ودول الربيع العربي وكيف سيكون تناول هذه العلاقات، أعتقد أن هناك تساؤلات كثيرة عن علاقة العالم بالدول العربية وخاصة الغرب وإذا قلت الغرب فعلى رأسه بالطبع الولايات المتحدة.

وأقتبس عن الرئيس أوباما في هذا الخصوص قوله "إن عجلة العمل لا يمكن أن تدور كالمعتاد"، وهنا عجلة العمل لا تدور كالمعتاد على الجانبين. وبصراحة كنت واحدا من مؤيدي مراجعة العلاقات مع أميركا حتى من قبل الاضطراب الحالي لأنني شعرت أننا نعيش على أمجاد الماضي.

في ظل الاضطراب الحالي الذي نرجعه مباشرة إلى قرار تأجيل تنفيذ أجزاء من حزمة المساعدات خاصة الأجزاء الأكثر استراتيجية- وهي العنصر العسكري الذي يتطلب استدامة ويتطلب استمرارية ويتطلب اتساقا على المدى الطويل، فإن هذا يثير تساؤلات.

لهذا ذكرت بصراحة كلمة "اضطراب". حيث علينا أن نفكر كيف سنعمل على حل هذه القضايا وكيف سنتعامل معها في المستقبل وكيف سنتعامل أيضا مع اللاعبين الجدد.

أعتقد أن من مصلحة مصر أن تكون العلاقات جيدة مع أميركا أو على الأقل أن تكون إدارة العلاقات جيدة معها، ولا يوجد سوء فهم فيما يتعلق بما أقوله. أعتقد أن أميركا تحتاج مصر ومصر تحتاجها.

نحن نشطاء في العلاقات الدولية. ونفس الشيء ينطبق على أميركا فهي لها مصالح في الشرق الأوسط. وربع الشرق الأوسط يعيش هنا في مصر.

لهذا فإن تحديد الوضع في الشرق الأوسط خاصة الهوية العربية يبدأ من مصر.

أضف إلى ذلك وزننا التاريخي والاقتصادي والعسكري في المنطقة. إذا كانت ستصبح لك مصالح في الشرق الأوسط فإنك تحتاج إلى أن تكون علاقاتك جيدة أو على الأقل تدار جيدا مع الدولة التي هي مركز الشرق الأوسط .وهذا هو وضعنا. نحاول تعريف هذا على الجانبين.

نحن من وضعنا هذه النظرية، وكنا واضحين في هذا حتى قبل أن أصبح وزيرا للخارجية لكنني قلت هذا بصراحة شديدة في المؤتمر الصحفي الذي عقدته بعد ثلاثة أيام من تعييني قبل أن تكون هناك قضية حزمة المساعدات. وما قصدته هنا، هو أن تكون لنا استقلالية كاملة في قراراتنا و عددية في خياراتنا.

وهذا ليس منهجا مناهضا للولايات المتحدة، بل إنه يتصل بقراراتنا الاقتصادية والعسكرية والسياسية. فنحن على سبيل المثال مستورد كبير جدا للحبوب. وكي نتمكن من الحصول على العرض الأفضل فإننا يجب أن نتمكن من استيراد الحبوب من استراليا أو من روسيا أو من الولايات المتحدة أو فرنسا ونفس هذا المثال ينطبق على العتاد العسكري.

من مواليد عام 1951.

حاصل على درجة بكالوريوس العلوم في الفيزياء/الرياضيات والماجستير في الإدارة من الجامعة الأميركية بالقاهرة.

عمل سفيرا لمصر لدى الولايات المتحدة خلال الفترة من 1999 حتى 2008.

تولى منصب وزير الخارجية أو مستشار رئيس الجمهورية للشئون السياسية فى اغسطس 2008.

ترأس كلية الشئون الدولية والسياسات العامة منذ إنشائها عام 2009

رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لمسائل نزع السلاح 2001.

لذا ذكرت أن هناك حالة اضطراب في العلاقات حاليا وأنا أعني ما قلته ولهذا فنحن في الحكومة المصرية ملتزمون بتنويع علاقاتنا ليس على حساب أصدقائنا ولكن الى جانبهم أيضا وهذا منطقي وليس موقفا ضد السياسة الأمريكية بل هو يتسق مع المصالح المصرية.

لقد أزعجنا القرار الذي اتخذه اوباما فيما يتعلق بتأجيل جزء من المساعدات العسكرية المقدمة لنا وعن نفسي يسيئني صراحة أي قرار يؤجل أي جزء من حزمة المساعدات سواء كان جانبا اقتصاديا أو عسكريا، هذه ليست نوعية العلاقة التي تربط بين قوة عظمى وقوة إقليمية كبرى. ورغم ذلك فإن مبدأ عدم سير المساعدات العسكرية وفق البرنامج الموضوع لها يثير قلقا لدينا، لأن هذا ليس برنامجا يمكن تغييره على المدى القصير ولا يمكن أن تبني تفكيرك الاستراتيجي على عوامل لا تستطيع التحكم فيها.


مصر مجتمع تعددي يبحث عن سياسة تعددية


*هل تتطلعون للحصول على السلاح من روسيا؟


أولا أنا توليت المنصب منذ ثلاثة اشهر فقط، ثانيا فلننتظر ونرى.


* ما هي رسالة مصر لوزير الخارجية الأميركي جون كيري؟


العلاقة مهمة جدا بالنسبة لنا ونود أن نجري مناقشات واضحة وصريحة عن جوهر العلاقة وما نستطيع أن نفعله معا. وبالنسبة لي فإن الأمر أكبر بكثير من حزمة المساعدات. لكني كشخص يسعى لتعزيز مصالح مصر دوليا أضع العلاقات الأميركية في الاعتبار بقوة. وهذا هو النهج الذي سنتبناه. سيكون هذا حوارا صريحا وأمينا بين أصدقاء.


*ماذا عن تطور الديمقراطية؟


إن الأمر لا يتعلق بتغيير حكومة بل بكيفية تعريف المجتمع لنفسه وتحديدا كيفية تعريف مصر لنفسها سياسيا في القرن الحادي والعشرين، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا مجتمع تعددي يبحث عن سياسة تعددية ولم نفعل هذا من قبل. نحن أيضا شعب شاب جدا ولدينا 56 في المئة من السكان ممن هم دون سن 25 عاما، إذن يوجد في مصر تغير سكاني و سياسي، ويمكن القول أننا شهدنا ثورتين في عامين ونصف.

وفي خصوص التغيير السياسي نحاول أن نضع دستورا وقوانين جديدة للانتخابات ثم إجراء دورتين من الانتخابات في خلال تسعة أشهر، وإذا نجحنا في تنفيذ ذلك في موعده فستكون معجزة لكننا مصممون على إنجازها. وإذا نظرنا إلى هذه النوعية من عمليات التحول على الصعيد الدولي فسنستنتج أنها كلها استغرقت فترة طويلة جدا وكلها واجهت عثرات على الطريق.

أما بالنسبة لمن هم في الخارج وينظرون إلى هذا من الناحية الاستراتيجية، فإني أشعر بالارتياح حتى وإن قالوا من وقت لآخر إننا بحاجة لبذل مزيد من الجهد إزاء هذا الأمر.


*هل السياسة الأمريكية في حالة فوضى؟


الشرق الأوسط بالكامل في حالة اضطراب، و هناك ما نطلق علي بالتعبير الفضفاض دول الربيع العربي إضافة إلى القضايا الإقليمية في المشرق والخليج، لذا لا أندهش لوجود سياسات على مستوى العالم غير متسقة قليلا فيما يتصل بالشرق الأوسط لأنهم لم يواجهوا هذه المسائل من قبل.

واذا نظرنا الى ما حدث في أوروبا على سبيل المثال أو أميركا اللاتينية خاصة قضية دور الجيش قبل وبعد فسنجد أن التحول كان تدريجيا. وأقول مرة أخرى إن التحول لدينا لا يمكن أن يكون تدريجيا هكذا لأننا تأخرنا.

فالشعب المصري استفاق مرة أخرى ونشط سياسيا، ولم يحدث من قبل أن كان بنفس النشاط الذي كان عليه قبل العامين ونصف. وسنصر على لعب دور في تحديد مستقبلنا، لكن من ينظر الى الأمر استراتيجيا سيصل الى خطة طويلة المدى.

انتقل العالم من عالم ذي قطبين يركز على الحرب الباردة إلى عالم متعدد الأقطاب فيه لاعبون مختلفون

وبغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت في الخارج يجب أن نقوم نحن بالتصحيح بأنفسنا وأن نضمن عدم ارتكاب نفس الاخطاء.

لقد كان من الممكن تحمل رئيس ذي كفاءة محدودة اذا كان ملتزما بدستور يضمن عدم الإقصاء. المشكلة أنه لم يكن لدينا دستور وفي هذه الحالة اذا لم يسلك الرئيس مسارا ديمقراطيا فإنه يمكن أن يحدث الكثير من الفوضى.

وحتى مع أكثر التقديرات تحفظا لأعداد من نزلوا الى الشوارع في 30 يونيو 2013 وفي 25 يناير فإنهم كانوا بالملايين، فلماذا يخرج ملايين الى الشارع لو لم تكن لديهم قضية؟ ولماذا يفعلون هذا مرة أخرى؟ وبالمناسبة أتحداكم أن تجدوا مثالا لهذا في التاريخ.

هذا لأن رغبة الشعب في المشاركة في مستقبله أمر لا يمكن حرمانه منه وعلينا أن نجد سبيلا للعمل معا حين الاختلاف لا الاتفاق. فمن السهل العمل معا حين نكون متفقين.


*ما هي الأدلة التي تثبت أن جماعة الاخوان هوتنظيم إرهابي مرتبط بالجماعات المتشددة في سيناء؟


أنا شديد الحذر في تناول القضايا التي ستنظرها المحاكم قريبا جدا، وسنبدأ عملية التقاضي في الأيام القليلة القادمة ضد عدد من القيادات، ولا أعتقد أن من الملائم أن أخوض في العملية. فالمحاكم ستقرر ما إذا كانت الأدلة مقبولة أم لا ومن المسؤول وهي التي ستتخذ القرارات. وهذا لا يمنع ان لدينا مخاوف سياسية بوجود مؤشرات عن دعم أجنبي لما يحدث في سيناء لكنني لن أخوض في مسألة من يقوم بها وسأتركه للمحاكم.


لا نخفي دعمنا لثورة السوريين


* هل غيرت مصر موقفها من سوريا؟


أعتقد أن ما حدث العام الماضي هو أننا غيرنا موقفنا ثم أعدناه هذا العام لما كان عليه. ولم نؤيد قط استخدام القوة ضد دولة عربية باستثناء مرة واحدة في حرب تحرير الكويت. وقد استخدمنا القوة حيث شعرنا أن واقعة محددة أو قضية بعينها تهددنا، ولكن ليس بأسلوب أن نبادر بحل مشكلة داخلية في دولة أخرى .

يجب أن نجد طريقا لأي مصري سلمي ملتزم بالتعددية ليكون له دور في حياتنا السياسية

ولهذا فالاتجاه نحو استخدام القوة العام الماضي وتأييد استخدام القوة كان صراحة انحرافا عن الطريق. ولكن لا نخفي دعمنا لثورة السوريين في سوريا من أجل دولة ديمقراطية، ونحن متمسكون بشدة بالحفاظ على هوية الدولة السورية ولا نؤيد تقسيمها إلى طوائف مختلفة.

* هل تتوقع أي تحول في سوريا مع وجود الأسد في السلطة؟

لا أتوقع تقدما ما لم يكن هناك التزام بانتقال واضح الى حكومة تتمتع بتفويض كامل لها السلطة والمصداقية بين جميع السوريين ولها سلطة إدارة البلاد فيما يجري التفاوض على الشأن السياسي.


*نعود الى السياسة الداخلية هل تعتقد أن هذا التحول السياسي المتمثل في قيام الجيش بدور داخلي وشعبية السيسي.. هل تعتقد أن هذا يضر بالعملية أم أن المصريين سيعيدون الاخوان المسلمين إلى العملية السياسية. ما هي رؤيتك؟


أعلم أن كثيرين يتحدثون عن شعبية الفريق. فهو يتمتع بشعبية واستجاب لتطلعات الشعب لأن يشارك في مستقبله السياسي مرة أخرى وذلك حين خرج ودافع عن الناس لهذا هو يتمتع بشعبية. لكن مسألة ما سيحدث في الأيام القادمة ومن سيخوض الانتخابات هي مسألة مختلفة. فالجميع يريد المشاركة في الحياة السياسة. لذلك لا ينبغي التفكير فيمن سيشغل منصبا قبل تحديد التوصيف الوظيفي. اذا قررنا اعتماد نظام برلماني فلن تكون للرئيس سلطة فعليا. وفي هذه الحالة لماذا نريد رئيسا قويا إذا لم تكن له سلطة؟ سنريد رئيس وزراء قويا وهو غير منتخب. أما اذا سلكنا الطريق الآخر فحينئذ بالطبع سنريد رئيسا قويا، وبالتالي نحن نتحدث عن سياسات انتخابية حتى قبل أن نتحدث عن أنواع النظم السياسية التي سنرسيها.


علاقات بناءة مع كافة دول الشرق الأوسط عربية


* كيف تنظرون إلى الوضع بين ايران والسعودية .. هل تبعدون ايران عن الطاولة؟


إذا كان هناك فراغ يمكن أن يملأه أحد فستملؤه دولة وإذا لم يظهر لاعب طبيعي على هذه الساحة فسيملؤونها بمواقف لا تدفع الأمور في النهاية للأمام وإنما تعطيهم نفوذا. لا يمكنك أن تقود العالم العربي إذا كنت غير عربي. لكنك تستطيع أن تؤثر على الشرق الأوسط إذا كنت من الشرق الأوسط حتى وإن كنت غير عربي.. إحساسي هو أن أحد أسباب هذا الاضطراب في العالم العربي أن مصر لم تقد المنطقة فكريا خلال السنوات العشر او العشرين الماضية كما كان الحال قبل 30 او 40 عاما. هذا لا يعني أننا دائما نتخذ القرار السليم ولكن اذا نظرتم الى ما قبل ثورة عام 1952 وبعدها بما في ذلك الاخطاء التي ارتكبناها لوجدتمونا نقود عملية الفكر.

أحد أسباب هذا الاضطراب في العالم العربي أن مصر لم تقد المنطقة فكريا خلال السنوات العشر او العشرين الماضية

قيمتنا المضافة لم تكن مادية وحسب بل كانت فكرية في الحقيقة. حين نبدأ نحكم أنفسنا بطريقة خاطئة يتمثل أضعف عنصر في غياب حكومة تتسم بالشفافية فتأتي على القدرة على التفكير بشكل حر وتقدمي وتقضي على القيادة الفكرية.

أحدثنا الفراغ بأخطائنا وملأه لاعبون غير عرب. وبينما نستعيد ذلك أعتقد أن العالم العربي بأسره سيستفيد وحتى وإن أحدث هذا قدرا من الاحتكاك مع بعض اللاعبين الذين ملأوا هذا الفراغ. فهو ليس بالضرورة احتكاكا سلبيا لأنهم يستطيعون ملأه لكنهم يعجزون عن تحريك المنطقة.

مرة أخرى أقول بصدق شديد وبصراحة شديدة أتطلع الى علاقات مباشرة وبناءة مع كافة دول الشرق الأوسط عربية وغير عربية. سأدافع عن مصالحي بالقطع لكنني لا أرى أن هذه عملية لا تعود بالنفع. وستكون مهمة صعبة لأننا نواجه تحديا في الداخل ونريد استعادة دورنا على الساحة الدولية. العالم العربي بأسره يشهد اضطرابات. من الواضح أنه ستكون هناك منافسة.

كثيرون ينظرون إلى رغبتنا في التنويع على أنها محاولة لوضع روسيا في مواجهة أميركا على سبيل المثال. هذه عقلية الحرب الباردة وهذا ليس بصحيح. أنا أحاول أن يصبح هناك شركاء جدد لمصر ولا بأس في هذا بالنسبة لي مادامت مصر تستفيد. لكنني لا أنظر الى هذا كعالم ثنائي القطب. لو حاولت أن أفعل ذلك فسأخسر على صعيد ثورة التكنولوجيا على سبيل المثال وهي ليست في روسيا وليست في أميركا في الحقيقة. معظمها في اسيا.. صاحبة أسرع معدل نمو في العالم اليوم وفي افريقيا نسبيا هل أستطيع تجاهل هذا؟ من الحماقة تجاهله.


*هل ترون أن المنطقة مضطربة؟


أرى إمكانية لحدوث تغير إيجابي أكثر من أي وقت في التاريخ العربي الحديث. لكنني أرى الكثير من التحديات الإضافية التي نواجهها.. تحديات أكثر بكثير من أي وقت في التاريخ العربي. بأمانة انا معجب بالحركات الشبابية ومعجب بأن الجيل الشاب يجادلنا ويريد أن يتكلم في السياسة. على مدى سنوات كان من الصعب جدا إقناع ابنائي أو من هم أكبر منهم سنا بقليل، بالانخراط في المناقشات المتعلقة بالشؤون العامة في مصر. اليوم لا أستطيع أن أوقفهم. وهذه هي الطريقة الوحيدة لبناء هذا البلد من خلال تولي الوطنيين زمام الأمور وهم بحاجة الى الشعور بهذه الهوية. الأمر يصبح اكثر تعقيدا بالطبع حين يحدث في تونس وفي ليبيا وفي مصر واليمن وسوريا وفي كل الدول العربية بطرق مختلفة ودرجات متفاوتة.

وأفضل كثيرا أن أرى رغبة في تغيير تدريجي في العالم العربي بين الشباب على أن أرى دولة واحدة تريد التقدم الى الأمام بينما الدول الاخرى لا تريد أن تمضي.

أقول هذا مع احترامي للجميع لكنني أؤمن أن مصر الدولة التي تتمتع بأكبر إمكانات لقيادة العالم العربي فكريا. أرجع هذا إلى قيمتنا الفكرية المضافة التي هي أكبر بكثير من قيمتنا المادية المضافة. ولهذا السبب أؤمن أننا إذا نجحنا في هذا المجال ولو مع ارتكاب أخطاء هنا أو هناك فسيكون لدينا نموذج إيجابي جدا يحتذى في العالم العربي.

بأمانة شديدة لن أقول للدول العربية أن تكون أكثر أو أقل ديمقراطية. لن أفعل هذا. هذه ليست خطتي. ما أريد أن أفعله هو أن أكون مثلا أعلى جيدا وأن أعود مرة أخرى لأكون المثل الأعلى. وحينها سترى هذه الدول أننا حين قمنا بهذا بالطريقة الصحيحة نجحنا.


* كيف تنظرون إلى الوضع غزة؟


نحن لا نؤمن بحصار غزة. و نبحث الخيارات وكيف نقدم السلع والخدمات لغزة بطريقة مقبولة لجميع الأطراف المعنية وبدون شبهات بطريقة مشروعة وليس من خلال الأنفاق لكن بينما نحن نتعامل مع الوضع في الداخل والموقف في سيناء وهو ليس سهلا في شمال سيناء فنحن بحاجة للسيطرة على المعابر والقيود زادت على التأشيرات لكنه ليس عقابا لأهل غزة. هذا غير صحيح على الإطلاق.الوضع ببساطة ليس هكذا.


*هل تؤيدون الخيار العسكري؟


لاعتقد أننا يمكن أن نتحمل غياب الديمقراطية في عصر الشفافية الذي نعيشه اليوم. لذا أود أن أرى الخطوة الإيجابية المتمثلة في تبني دستور. إنها وثيقتنا التأسيسية في هذا اليوم وهذا العصر وستكون وثيقة مدنية حتى وإن تضمنت بنودا معينة فيما يتصل بالجيش.

وهذا سيدخلنا في الجدال المدني. مرة أخرى لماذا ينزل شعب في العالم إلى الشارع مرتين في عامين ونصف ويغير رئيسه؟ في الأغلب الأعم لأنه يريد أن يكون شريكا في الديمقراطية. في هذه الحالة هل ستكون هناك مشاكل؟ أجل. كلما زاد انعدام الأمن كلما طال أمد هذا. لكني لا أظن أن الشعب المصري سيقبل العيش بلا ديمقراطية.

المسألة ليست إن كنا سننالها أم لاوإنما مسألة الوقت الذي سنستغرقه لنيلها والثمن الذي سندفعه. وسأكون صريحا مع من يسألون عن نوايا الحكومة التي أنا عضو فيها. لدينا تفويض لمدة تسعة أشهر علينا خلالها أن نعلن عن انتخابات رئاسية وهذا ربما يستغرق شهرين ونصفا أخرى أي في النهاية نحو عام. لكن ما هو التفويض الممنوح لنا؟ بدء عملية مصالحة.. البدء في بناء الدستور.. إجراء انتخابين. الأمر كله يتعلق بوضع نظام ديمقراطي.

لابد وأن يتوافر الأمن ولابد من تمكين النظام الأمني. وحين تقوم بتمكين الأنظمة الأمنية يجيء من يقول إن هناك إفراطا في اللجوء للأمن. حسنا.. فلتتوقفوا عن اللجوء للعنف ولن نضطر نحن لزيادة تلك الأنظمة. تحدونا في الشوارع بأسلوب سلمي أو من خلال الانتخابات بمجرد أن يكون هناك دستور شامل.

بعد ذلك نحن بحاجة لإجراء ... العمليتين الانتخابيتين ولن يطيق الناس صبرا لذا ينبغي البدء في النهوض بالاقتصاد. هذه حكومة مؤقتة لكنها تحمل تفويضا تاريخيا ينطوي على تحد كبير.. تفويضا أظن أننا بحاجة لأن نبدي صلابة شديدة في تنفيذه وبحاجة لأن تكون لدينا ضوابطنا وتوازناتنا الداخلية لأن الضوابط والتوازنات السياسية لم تحدث بعد.


* ما هو الموقف المصري من إيران والسعودية؟


من النقاط التي أثرتها بعد انضمامي للحكومة هي إعادة توجيه سياستنا الخارجية على أن تكون نقطة الانطلاق من منطقتنا، بمعنى أننا نقود منطقتنا وليس العالم. منطقتنا هي العالم العربي وجذورنا في أفريقيا ولهذا كانت معظم سفرياتي منذ تعييني إلى العالم العربي وافريقيا.

ويرجع جزء من الاستقطاب الحالي إلى الفراغ الذي خلفته مصر حين توقفت عن لعب دورها وحين توقفت عن قيادة هذه المنطقة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا خلال العقد الماضي أو نحو ذلك.

لذلك نحن بحاجة لأن نستعيد ذلك الدور وهذا لن يكون من خلال تغيير الحكومة وإنما من خلال تغيير سياساتنا واستقرار الوضع الداخلي واتخاذ مواقف على الساحتين الإقليمية والدولية تعكس هويتنا.

وإني أؤكد مجددا أن قراراتنا السياسية ستعكس أننا عرب وجذورنا تمتد في افريقيا. وهذا هو النهج الذي ستسير عليه سياساتنا.

وإذا كنتم تتابعون التصريحات التي أعلناها سواء حول القضية السورية أو الخليج العربي في مواجهة القضايا الإيرانية أو فيما يتصل بالتعامل مع دول حوض النيل والبلدان الإفريقية فستجدون أن هذه هي نقطة الانطلاق الحقيقية.

إن الاستقطاب لا يساعدنا. فنحن بلد وسط في سياستنا الخارجية وفي سياستنا الداخلية. وحدوث استقطاب في العالم يضعف ملعبنا وهذه ليست اللعبة التي نريد أن نلعبها. ولقد قلت علنا رغم أنه لا تربطنا علاقة قوية مع إيران.. و إذا كانت دول الخليج العربية وإيران تريد مساعدتنا في إجراء حوار بينها فيسعدنا ذلك وأنا أعني ما أقول.

ورغم أنه لا يوجد في البلدين تمثيل على مستوى السفراء فإن هذا لا يعني أن أتجاهل حقيقة أن إيران دولة مهمة ولا أن يتجاهلوا أن مصر بلدا مهما في العالم العربي.

إن منهجنا لا يتمثل في حل كل شيء عسكريا. بل إن الغالبية العظمى من القضايا لا تحل عسكريا ولو حلت عسكريا لكان الثمن باهظا ونحن نرى مصر زعيما للعالم العربي وزعيما بارزا جدا في افريقيا لكننا لسنا قوة عظمى. لن نعيث في الأرض قتالا ولن نرتع فيها زعامة. لذا فإذا كان لي خيار -وأقولها جادا لأن هناك دولا لديها خيارات أخرى- فسأسعى دائما لاختيار طريق الحوار البناء لتسوية القضايا لا اللجوء للقوة أو الاستقطاب.

6