وزير الدفاع الأميركي في الجزائر تأسيسا لشراكة استراتيجية جديدة

الولايات المتحدة تزاحم فرنسا في مواطن نفوذها التقليدية من خلال تدعيم شراكتها مع الدول المغاربية.
الخميس 2020/10/01
مصالح استراتيجية مشتركة

الجزائر - وصل وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر الخميس إلى الجزائر، في خطوة ترمي إلى تعزيز العلاقات الثنائية، في ظل تقاطعات كبيرة بينهما في ملفات حساسة أهمها مواجهة الجهاديين في منطقة الساحل والصراع في ليبيا.

وأحيت تطورات الأوضاع في ليبيا ومنطقة الساحل الطموحات الأميركية لإرساء موطئ قدم ثابت في شمال أفريقيا من بوابة مكافحة الإرهاب الذي جعلته واشنطن عنوانا لإرساء شراكات استراتيجية مع دول المنطقة.

ولئن كان المسؤولون العسكريون الأميركيون، يزورون بشكل متكرر تونس والمغرب، فإن فإن هذه الزيارة الأولى لوزير دفاع أميركي للجزائر منذ آخر زيارة قام بها دونالد رامسفيلد في فبراير 2006.

وقال إسبر في تصريح له إن "الولايات المتحدة والجزائر كانا بلدين صديقين وشريكين منذ زمن طويل وأتمنى ان تساهم زيارتي في تدعيم هذه الشراكة وهذا التاريخ المشترك".

ويجري وزير الدفاع الأميركي الذي وصل قادما من تونس محادثات مع الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع، قبل عقد محادثات مع رئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة.

وبدت بوادر تعاون عسكري جديد بين الجزائر والولايات المتحدة تلوح خاصة بعد زيارة قائد قيادة القوات الأميركية في أفريقيا الجنرال ستيفن تاونسند قبل اسابيع  إلى الجزائر ولقائه مع الرئيس الجزائري وقيادات عسكرية رفيعة المستوى في مشاورات تضمنت الوضع في ليبيا ومكافحة التنظيمات الإرهابية.

وكان بيانٌ لوزارة الدفاع الجزائرية أكد أن الفريق سعيد شنقريحة شدد على أنّ "الجزائر مستعدة لتعزيز الشراكة مع واشنطن في المجال العسكري. وأشاد تاونسند بدوره بالجزائر ووصفها بأنها "شريك ملتزم في محاربة الإرهاب" داعيا ألى "تعزيز هذه العلاقة المهمة للغاية بالنسبة لنا".

وتحاول الجزائر، التي تخشى من تداعيات عدم الاستقرار على حدودها، تفعيل دورها على الساحة الدبلوماسية الإقليمية ولعب دور الوسيط في أزمتي مالي وليبيا وتلتقي المساعي الجزائرية مع توجه الولايات المتحدة لإضعاف المنظمات المتطرفة وتعزيز الاستقرار الإقليمي خاصة أن للجزائر رصيد هام في مجال الحرب على الإرهاب، لاسيما وأن الانفلات في الشريط الجنوبي والجنوبي الشرقي لا يزال يشكل أرضية خصبة لتحرك الجماعات الجهادية.

الاندفاع العسكري الأميركي نحو أفريقيا يعكس اشتعال الصراع على النفوذ في المنطقة، مع فرنسا 

ويرى محللون أن الزيارة ستكون فرصة لإعطاء دفع جديد للعلاقات بين دولتين لهما مصالح استراتيجية مشتركة. وأوضح المحلل السياسي منصور قديدير أن "الأميركيين يريدون إعادة تموقعهم في المنطقة التي شهدت قدوم فاعلين جدد مثل تركيا ويريدون معرفة وجهة نظر الجزائر حول الوضع الأمني".

وأضاف "لطالما اعتبر الأميركيون الجزائر 'دولة محورية' يمكن أن يتسبب ضعفها في اشتعال المنطقة بأسرها إذا انتشر فيها الجهاديون".

ومن الجانب الجزائري "هناك تقارب في وجهات النظر حول العديد من المسائل مثل ليبيا ومنطقة الساحل"، كما يوضح أكرم خريّف، مدير موقع متخصص في قضايا الدفاع.

والشراكة بين الجزائر وواشنطن ليست جديدة على الإطلاق، فقد وقّع داي الجزائر ودولة الولايات المتحدة الفتية معاهدة صداقة وسلام في عام 1795 قبل احتلال فرنسا للجزائر في 1830.

وخلال حرب التحرير الجزائرية (1954-1962)، وفي سياق عالمي لإنهاء الاستعمار، دعمت الولايات المتحدة إجراء حوار مع جبهة التحرير الوطني ممثلة الشعب الجزائري من أجل الاستقلال. ووفقًا لبعض المؤرخين الأميركيين، فإن الجنرال ديغول تفاوض مع المقاومة الجزائرية بعد ضغوط من واشنطن.

وفي الوقت الحالي "لدى الولايات المتحدة علاقات أمنية ثنائية قوية مع الجزائر تعود على الأقل إلى بداية الحرب على الإرهاب" بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، كما أشار مايكل شوركين، المحلل في مؤسسة راند كوربوريشن وهو معهد أميركي للدراسات الاستراتيجية العسكرية.

وكان الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة ذكر أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي أبلغت البيت الأبيض بدعمها لشن هجوم دولي ضد الإرهاب.

وقال "لقد فهم بلدي، ربما أفضل وقبل غيره، ألم أميركا"، في إشارة إلى الحرب الأهلية في الجزائر بين القوات المسلحة والمقاتلين الجهاديين خلال "العشرية السوداء" (1992-2002).

وأضاف شوركين أنه "يجب النظر إلى دور الولايات المتحدة في سياق إحجام الجزائر عن العمل مع فرنسا" القوة الاستعمارية السابقة .

وتابع الخبير المختص في قضايا منطقة الساحل "هذا مثال آخر يثبت أن الوقت الذي كانت فرنسا تشعر فيه بالغيرة من تدخل الولايات المتحدة في منطقتها المحروسة قد ولى، وأن فرنسا ترحب بالمشاركة الأميركية".

وتشهد أفريقيا تنافسا بين الولايات المتحدة كقوة عالمية وفرنسا كقوة استعمارية سابقة في المنطقة، لتوسيع نفوذهما في القارة السمراء ذات المناطق الاستراتيجية الغنية بالثروات الطبيعية.

ويرى مراقبون أن الاندفاع العسكري الأميركي نحو أفريقيا يعكس اشتعال الصراع على النفوذ في المنطقة، مع فرنسا التي نشرت منذ أغسطس 2014 في منطقة الساحل قوات برخان المؤلفة من خمسة آلاف جندي، من أجل بسط الاستقرار في المنطقة المضطربة التي تعاني من تنامي المتشددين الإسلاميين.

ويشير المراقبون إلى أن إبداء الولايات المتحدة حرصا على تعزيز العلاقات مع الجزائر، لا يمكن قراءته بمعزل ايضا عن صراع النفوذ مع كل من روسيا والصين اللتين تملكان حضورا مؤثرا في أفريقيا وعلاقات قوية مع الجزائر.

وكان وزير الدفاع الأميركي، اتهم خلال زيارته غلى تونس  الأربعاء، روسيا والصين بالقيام بأعمال شريرة في القارة الأفريقية واستغلال موارد المنطقة.

وتأتي زيارة مارك إسبر لكل من الجزائر وتونس في إطار جولة بالمنطقة تنتهي، الجمعة، في الرباط حيث سيناقش سبل "تعزيز العلاقات الوثيقة" في المجال الأمني مع المغرب.