وزير لبناني يسخر القضاء لقمع منتقديه على فيسبوك

وزير لبناني يقاضي أكثر من 400 ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي مع نواب وصحافيين ونشطاء فيسبوك، ما جعل خبراء يؤكدون أن الهدف من وراء هذا الأمر هو افتعال أزمة حريات في البلد.
الخميس 2017/06/01
تهديد على الملأ

بيروت – تحولت الدعوى القضائية التي يعدها وزير الطاقة سيزار أبي خليل ضد 400 ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي، ومجموعة من الصحافيين وبعض النواب إلى قضية حريات ورأي عام.

وكان ناشطون وسياسيون وصحافيون قد وجهوا انتقادات قاسية إلى وزير الطاقة على خلفية موضوع استجرار الطاقة الكهربائية عبر البواخر، معتبرين أن الملف ينطوي على صفقات هدر وفساد، متهمين الوزير بإهدار 800 مليون دولار من حجم الصفقة التي تبلغ قيمتها مليارا و800 مليون دولار.

وطلب الوزير سيزار أبي خليل مؤخرا من وزير العدل سليم جريصاتي متابعة الملف قضائيا، متوعدا كل من تطاول عليه بدفع الثمن.

وتشمل لائحة الصحافيين المتوقع أن تصلهم استدعاءات قضائية في الفترة القادمة الكاتب في جريدة الجمهورية ومستشار وزير العدل السابق أشرف ريفي أسعد بشارة، والكاتب والصحافي نوفل ضو.

ويتوقع أن تشمل الدعاوى القضائية النواب بطرس حرب، وسامي الجميل، وروبير غانم، ووزير العدل السابق أشرف ريفي.

وتشير التقديرات القانونية إلى أنه لا معنى قانونيا لرفع دعوى قضائية ضد النواب، لأن النواب يتمتعون بحصانة تمنع عنهم المحاكمات القضائية، ولا يمكن محاكمتهم إلا بعد موافقة المجلس على رفع الحصانة.

وتلفت بعض القراءات إلى أن هذا الأمر لا يخفى عن وزير الطاقة، ما يعني أن تلويحه بتوجيه دعوى ضد النواب على الرغم من معرفته بالصعوبات القانونية والسياسية الجمة التي تحول دون ذلك، يهدف إلى التغطية على مشروع قمع الصحافيين والناشطين.

وكان النائب بطرس حرب قد علق على الموضوع معتبرا أنه “من المعيب أن تصل السخافة والضحالة في العمل السياسي إلى هذا الحد” ليرد عليه الوزير سيزار أبي خليل مؤكدا أن “السخافة أن يأتي بطرس حرب بمعلوماته من خلال الصحف”.

ويكشف رد وزير الطاقة على النائب بطرس حرب عن عدم احترامه للصحافة بشكل عام، وهو ما اعتبره بعض المحللين مؤشرا خطيرا على استفحال ظاهرة قمع الرأي في لبنان، والسعي إلى تحويله إلى نظام أمني دكتاتوري قمعي لا دور فعليا فيه للصحافة.

تلويح أبي خليل بتوجيه دعوى ضد النواب رغم الصعوبات القانونية والسياسية التي تحول دون ذلك يهدف إلى التغطية على مشروع قمع الصحافيين والناشطين

وحلل الصحافي فارس خشان هذا النزوع في تعليق أورده على صفحته على موقع فيسبوك قال فيه “كيف تعرف أن الصحافة مجرد جثة متحركة؟ عندما يزعم وزير الطاقة برده على بطرس حرب ‬أن استقاء المعلومات من الصحف ‘سخافة’ ويصمت الصحافيون! ففي ‏فرنسا، مثلا، أسقط من استقى معلوماته من الصحف فرانسوا فيون، أقوى المرشحين للرئاسة، وحاليا يتهدد ما ينشر منصب وزير جديد. الصحافة والدة المعلومات”.

ورد الناشطون على الوزير أبي خليل بعدة طرق اعتمدت في معظمها أسلوب السخرية والاستخفاف. وعمدوا إلى نشر الوثائق الشخصية وعناوين السكن على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بانتقادات شديدة موجهة إلى وزير الطاقة، مع الطلب منه أن يدرجهم في عداد الدعوى التي ينوي إطلاقها.

ووجد الكثيرون في عدد الناشطين المحدد الذين يرجح أن تشملهم الدعوى فرصة للتندر، معتبرين أن الرقم “400” هو الكوتا المخصصة لوزير الطاقة والتيار الوطني الحر في ما يخص التحاصص على عدد الدعاوى ضد الناشطين والصحافيين التي يحق لكل طرف سياسي رفعها، وتاليا فإن جهود الناشطين الرامية إلى إضافة أسمائهم في إطار دعوى وزير الطاقة ستبوء بالفشل، لأن الرقم 400 محدد مسبقا ضمن طبخة التوافقات، ولا يمكن تجاوزه.

ولعبت بعض التعليقات على تماثل اسم وزير الطاقة مع شخصية في مسرحية زياد الرحباني نزل السرور عبر نشر جملة من حوار المسرحية تقول “عرّم (أي انفخ صدرك بتكبر) يا سيزار، دخول عالتاريخ يا قيصر”.

وغرد الصحافي نوفل ضو متوجها إلى وزير الطاقة بالقول “سيزار أبي خليل: معلوماتنا وآراؤنا ننشرها في إعلامنا… أما تهديدنا بالمحاكم فلن يثنينا عن نشر وبث كل ما عندنا وأعلى ما عندك من خيل اركبوا”.

ويشير الصحافي أسعد بشارة الذي ينتظر وصول التبليغ القانوني إلى أنه لم يتبلغ حتى الساعة بأي إجراء قانوني، ولكنه علم بأن اسمه مدرج في عداد الاشخاص الذين تشملهم دعوى وزير الطاقة. ويلفت بشارة إلى أن سلوك الوزير “ينذر بخطر كبير على العمل السياسي وعلى حرية الرأي، وخصوصا أن الصحافيين سلطوا الضوء على قضية عامة كانت محل سجال سياسي واعتمدوا على تصريحات موثقة وعلنية صدرت عن مرجعيات سياسية كبيرة مثل رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورؤساء الكتل النيابية، ولم يقم أي صحافي بفعل يتجاوز حدود مهمته الإعلامية”.

ويشدد بشارة على أن موضوع الحرية في لبنان “لا يمس، وأن من ينصب نفسه قاضيا الآن مخطئ للغاية، لأن السلوك الذي يشي بالفساد إنما يضعه هو في وضع المحاكمة وليس العكس”. ويقول “اللجوء إلى القضاء أمر مشروع، ولكن الهدف من وراء هذا الأمر، والمرتبط بافتعال أزمة حريات في البلد”.

ونبه بشارة إلى استحالة قمع الناس في ظل ثورة الاتصالات والتواصل، لافتا إلى أن الركون إلى هذا المنطق “يعود بالضرر على من يفكر فيه، والدليل على ذلك هو توحد كل الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي لمواجهة مشروع ضرب الحريات”.

ويختم معلنا أن “لا أحد يستطيع أن يفرض على اللبنانيين رأيا واحدا، ومحاولات تسخير القضاء لمعاقبة الرأي الحر لم تعد ممكنة”.

19